ماذا وراء تهديدات ترامب لـ«أوبك»؟

الرئيس الأميركي قلق بشأن أسعار النفط حتى لا تلتهم حصيلة التخفيضات الضريبية
·              وزير الطاقة الأميركي يحذر من مشروع قانون «نوبك»
·              القانون رفضه جورج بوش وأوباما... ومن الصعب تمريره
·              «أوبك»: لا نتلاعب بأسعار النفط... ونرحب بمشاركة ترامب في حوار لتحقيق التوازن في السوق
·              ارتفاع إنتاج البترول الصخري سمح لترامب بإعادة فرض العقوبات على إيران دون التسبب في ارتفاع الأسعار
·              تصوُّر أسواق النفط من دون أوبك سيؤدي إلى انهيار تلك الأسواق... ووزير الطاقة السعودي ينفي وجود أي خطة لإلغاء المنظمة

القاهرة: ضغوطات متتالية يمارسها ترامب على منظمة «أوبك» لتخفيض أسعار البترول، من خلال التصريحات الإعلامية والتدوينات على موقع «تويتر»، ويدعم ترامب في هذا الضغط المتواصل على «أوبك»، أعضاء ديمقراطيون بمجلس الشيوخ الأميركي، والذين يطالبون الرئيس الأميركي مرارا بالضغط على المنظمة لاتخاذ خطوات لخفض أسعار النفط، خوفا من أن يلتهم ارتفاع تكلفة الوقود حصيلة التخفيضات الضريبية للأميركيين.
وأقرت اللجنة القضائية في مجلس النواب الأميركي بالإجماع، في السابع من فبراير (شباط) الماضي، مشروع قانون معروف باسم قانون منع التكتلات الاحتكارية لإنتاج وتصدير النفط، أو «نوبك» (Nopec). ويلقى مشروع القانون دعما من الحزبين الجمهوري والديمقراطي.
ومن شأن التشريع تعديل قانون مكافحة الاحتكار الأميركي ليلغي الحصانة السيادية التي حمت طويلا أعضاء منظمة البلدان المصدرة للبترول «أوبك» من الدعاوى القضائية في الولايات المتحدة. ويسمح التشريع لوزارة العدل الأميركية بمقاضاة المنظمة أو أي من أعضائها بدعوى التواطؤ.
وقدم السيناتور تشاك غراسلي، وهو داعم جمهوري لاستخدام الإيثانول المستخرج من الذرة كوقود للسيارات، والسيناتورة آمي كلوبوتشار، وهي نائبة ديمقراطية، مشروع قانون مماثل.
وظهرت نسخ من مشروع القانون في الكونغرس على مدار العشرين عاما الماضية. وجرت الموافقة على مشروع قانون في 2008 في رئاسة جورج دبليو بوش، ولوح باراك أوباما، باستخدام حق الاعتراض «الفيتو» ضد أي مشروع قانون يحمل هذا المضمون.
و«أوبك» هي منظمة عالمية تضم 15 دولة منتجة للنفط يقع مقرها في فيينا، ويعمل أعضاؤها على زيادة العائدات من بيع النفط في السوق العالمية عبر تبني استراتيجية موحدة، ويسيطر أعضاؤها على 40 في المائة من الإنتاج العالمي و70 في المائة من الاحتياطي العالمي للذهب الأسود.
وقال وزير الطاقة الأميركي، ريك بيري، إن الولايات المتحدة بحاجة إلى توخي الحذر بشأن تشريع لم يتم إقراره بعد، سيسمح لوزارة العدل بمقاضاة أوبك وغيرها من منتجي النفط بسبب تخفيضات في إنتاج الخام، مشيرا إلى أن هذا الإجراء قد يؤدي إلى ارتفاع الأسعار في الأجل الطويل. محذرا من أن مشروع القانون ربما يتسبب في تقليص إدارة الإمدادات من جانب منتجي النفط في الأسواق العالمية، وهو ما قد يؤدي إلى تخمة في النفط وتراجع الأسعار. وبالتالي قد يكون له تأثير غير مقصود يدفع في نهاية المطاف الكثير من المنتجين إلى خارج السوق، مما قد يدفع الأسعار للارتفاع.
وقال مسؤول كبير بالإدارة الأميركية حين سُئل عما إذا كان ترامب سيدعم مشروع قانون «نوبك»: لا ندعم السلوك المشوه للسوق بما في ذلك التكتلات الاحتكارية.
لكن أشار إلى أندرو كريتشلو، الخبير بأسواق الطاقة، في تقرير في صجيفة «التليغراف» البريطانية إلى أن ترامب بلا أنياب حين يتعلَّق الأمر بأسواق النفط. رغم الصخب الذي أحدثه مرارًا على «تويتر» بشأن تلاعب منظمة الدول المصدرة للنفط في السوق.


 
قلق ترامب
ينتاب الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، القلق دوما بشأن احتمال حدوث قفزات في أسعار النفط. وعلى مدار السنة الماضية واصل تغريداته على «تويتر» منتقدا استراتيجية «أوبك» في أسواق النفط، مطالبا بخفض أسعار الخام، الذي يعتبره مرتفعا، كما اتهم «أوبك» بممارسة الاحتكار في سوق النفط.
أبدى الرئيس الأميركي قلقه بشأن أسعار النفط، ودعا منظمة البلدان المصدرة للبترول «أوبك» إلى عدم السعي لرفع الأسعار في الأسواق. وقال في تغريدة «أسعار النفط ترتفع أكثر مما ينبغي. أعضاء أوبك، رجاء استرخوا وخذوا الأمور ببساطة. العالم لا يستطيع تحمل طفرة سعرية - الوضع هش!». وأشار ترامب إلى أن الولايات المتحدة أصبحت أكبر منتج للطاقة عالميا ومستعدة لتصدير النفط والفحم والغاز الطبيعي.
وأحدثت هذه التغريدات ارتباكا بأسواق النفط، حيث تضاربت توقعات المتعاملين في السوق حول السياسات المحتملة لمنتجي النفط، ما أدى في نهاية المطاف إلى حدوث تذبذبات كبيرة في الأسعار.
ويقول المحللون إن الولايات المتحدة، أكبر مستهلك للنفط في العالم، ترغب في درء موجة صعود الأسعار في الآونة الأخيرة، الحاصلة من جراء قيام منتجين بخفض إنتاجهم في إطار «أوبك».
وقال سبنسر ديل، كبير الخبراء الاقتصاديين في مجموعة «BP» النفطية العملاقة، إن حالة من عدم اليقين تهيمن على وضع معروض النفط في الأسواق، بعد انقطاع في الإمدادات من إيران وفنزويلا.
 
لا نتلاعب بأسعار النفط
ومن جانبه، نفى الأمين العام لمنظمة «أوبك»، محمد باركيندو، أن تكون المنظمة تتلاعب بأسعار النفط، ويأتي ذلك في وقت تقود فيه المنظمة تخفيضات الإنتاج لتحقيق توازن بين العرض والطلب في الأسواق.
وردا على سؤال بشأن إقرار لجنة بمجلس النواب الأميركي مشروع قانون يستهدف تخفيضات معروض نفط «أوبك»، قال: «باركيندو» على هامش مؤتمر قطاع الطاقة في القاهرة، إن «عملنا ليس التلاعب في الأسعار، وبالتالي فمن الإجحاف اتهامنا بذلك».
من ناحية أخرى، قال محمد باركيندو إنه يرحب بمشاركة ترامب في حوار بشأن تحقيق التوازن بين العرض والطلب في سوق النفط. وأضاف أن الولايات المتحدة، باعتبارها أكبر منتج للنفط في العالم، لها مصلحة استراتيجية في المسألة.
 
لا نية لإلغاء المنظمة
فيما قال وزير الطاقة السعودي، خالد الفالح، إن «أوبك» وشركاءها «يأخذون الأمور ببساطة» وذلك ردا على تغريدة من الرئيس الأميركي دونالد ترامب طلب فيها من منتجي النفط تخفيف جهود تعزيز أسعار الخام.
وقال الفالح رفعنا الإنتاج بشكل كبير العام الماضي قبيل انخفاض محتمل في الإمدادات لم يتحقق، والنتيجة أن المخزونات تضخمت سريعا، ولذا صححنا المسار على نحو تدريجي ومدروس لنصل بالمخزونات إلى مستوى معقول، مشيرا إلى أن الإنتاج الأميركي يواصل النمو.
ومن المقرر أن تجتمع مجموعة أوبك، أبريل (نيسان) المقبل للبت في سياسة الإنتاج. وكان المنتجون قد اتفقوا في ديسمبر (كانون الأول) على خفض الإمدادات 1.2 مليون برميل يوميا بدءا من الأول من يناير (كانون الثاني) ولمدة ستة أشهر.
وقال الفالح إن التحليلات الحالية تشير إلى أن أوبك وحلفاءها قد يحتاجون إلى تمديد اتفاقهم لكبح الإنتاج إلى نهاية 2019، وقال: «كل التوقعات التي اطلعنا عليها تخبرنا أننا سنحتاج إلى مواصلة كبح الإنتاج في النصف الثاني من العام الحالي لكن لا أحد يعرف أبدا».
وتابع: «تلك التوقعات تقوم على افتراضات معينة بشأن استمرار الإمدادات من دول مثل ليبيا وفنزويلا وإيران، وهناك قدر كبير من الضبابية والافتقار إلى الشفافية بشأن البراميل القادمة من تلك الدول».
ونفى وزير الطاقة السعودي وجود أي خطة لإلغاء منظمة الدول المصدرة للبترول «أوبك»، التي تأسست عام 1960 وتضم 13 دولة منتجة للنفط بينها دول عربية وأجنبية.


 
دور «أوبك»
تشير دراسة لمركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، أعدها الباحث علي صلاح، حملت عنوان «ماذا لو اختفت أوبك من أسواق النفط العالمية؟» إلى أنه منذ تأسست منظمة الدول المصدرة للنفط «أوبك» في سبتمبر (أيلول) عام 1960. تقوم المنظمة بضبط حركة أسواق النفط العالمية، من خلال سياسة نفطية موحدة للدول الأعضاء، تقوم على مبدأ أساسي وهو «موازنة العلاقة بين العرض والطلب في أسواق النفط». وقد ساعدت المنظمة على منع الأسواق من الدخول في الكثير من الأزمات، بالإضافة إلى دورها في إخراج الأسواق من أزمات أخرى وقعت بالفعل.
ولم تقتصر العوائد الإيجابية لهذا الدور على حماية مصالح الدول الأعضاء بالمنظمة؛ بل إنها أفادت جميع منتجي النفط حول العالم، كما أنها امتدت لتشمل مستهلكي النفط أيضًا، واستفاد الاقتصاد العالمي من دور المنظمة كذلك، عبر نجاحها - في كثير من الأحيان - في منع حدوث ارتفاعات ضارة في أسعار النفط، بما جنبه (أي الاقتصاد العالمي) الكثير من الصعوبات.
لكن رغم ذلك، لم تسلم «أوبك» منذ نشأتها من الانتقادات، وبخاصة من جانب مستهلكي النفط، وعلى رأسهم الولايات المتحدة الأميركية، وهو ما يثير تساؤلات عدة حول أهمية دور المنظمة، وبشأن ما يمكن أن تؤول إليه الحال في أسواق النفط في حال اختفاء تلك المنظمة، أو في حال عدم قيامها أصلاً. وتمثل الإجابة على هذه التساؤلات لب اهتمام هذا التحليل.
 
قانون غير محتمل
وأشارت الدراسة إلى أن «أوبك» واجهت انتقادات كثيرة من الإدارة الأميركية خلال الفترة الماضية، وإلى جانب ذلك شهدت الأيام الماضية قيام ثلاثة أعضاء في الكونغرس الأميركي بتقديم مقترح مشروع قانون يحمل اسم «No Oil Producing and Exporting Cartels Act»، ويشار إليه اختصارًا بـ(NOPEC)، وهو يسمح للإدارة الأميركية بمقاضاة أعضاء «أوبك» في حال قيامهم بما سماه المقترح «انتهاكات احتكارية».
ومن غير المؤكد إقراره من جانب ترامب؛ ولا يعد أمرًا حتميًّا، بل إنه يظل أمر مستبعدًا إلى حد بعيد، لا سيما أن هناك الكثير من القيود والمحاذير التي تحد من قدرة ورغبة الولايات المتحدة ذاتها على فعل ذلك، إذ إن ذلك سيُلحق بها الكثير من الأضرار، بداية من تضرر صناعة النفط الأميركية والاقتصاد الأميركي بشكل عام.
وقالت الدراسة إن المكانة التي تحتلها «أوبك»، وكذلك دورها الإيجابي تجاه أسواق النفط؛ يزيدان من صعوبة عملية إقرار مشروع القانون المذكور داخل الكونغرس الأميركي، بل ويجعلانه أمرًا مستبعدًا بشكل تام. فالمنظمة تقوم على تنسيق وتوحيد السياسات النفطية بين أعضائها، بما يضمن استقرار الأسواق؛ ويُؤَمن عرضًا فعالاً للنفط يكون ذا جدوى اقتصادية بالنسبة للمنتجين والمستهلكين على حدٍ سواءٍ، ويُمَكِن - في الوقت ذاته - صناعة النفط من تحقيق عوائد تكفي للاستثمار في تطوير طاقاتها الإنتاجية، كضامن لاستقرار الأسواق على المدى البعيد.
 
أسواق غير منضبطة
تعددت الأمثلة الدالة على الدور الفعَّال الذي مارسته أوبك في مواجهة الأزمات التي مرت بها أسواق النفط العالمية على مدار العقود التي انقضت منذ نشأتها حتى الآن. وقد انطبق ذلك على الأزمتين اللتين مرت بهما الأسواق في الألفية الثالثة. ففي مواجهة الأزمة النفطية التي اندلعت، بسبب تفاقم الأزمة المالية العالمية في عام 2008، والتي انطوت على ارتفاع استثنائي في أسعار النفط، ببلوغها 147 دولارًا للبرميل في منتصف ذلك العام، ومن ثم انهيارها سريعًا إلى مستويات تصل إلى 32 دولارًا للبرميل في مطلع عام 2009. وفي مواجهة تلك الأزمة ظلت المنظمة على مقربة من الأسواق، وعدَّلت سياستها الإنتاجية بشكل فعال تماشيا مع حركة الأسعار، بما ضبط الأسواق ودفع الأسعار نحو الاستقرار تدريجيًّا.
كما تبنت «أوبك» النهج ذاته في مواجهة الأزمة النفطية التي اندلعت في منتصف عام 2014. بسبب التخمة التي حدثت في جانب المعروض النفطي العالمي، وأفضت إلى تراجع أسعار النفط إلى مستوى 26 دولارًا للبرميل مطلع عام 2015. وتجسد دور المنظمة في مواجهة تلك الأزمة في صورة الاتفاق الاستثنائي الذي عقدته مع منتجي النفط التقليدي الآخرين، وعلى رأسهم روسيا، والذي قضى بتخفيض الإنتاج اليومي بمقدار 1.8 مليون برميل، أو بنسبة 2 في المائة من الإنتاج العالمي، وقد ساعد ذلك الاتفاق على تخليص الأسواق تدريجيًّا من تخمة المعروض.

 




وزير الطاقة الاميركي


 
سياسية فردية... واحتكارات
ومن هذا المنطلق يمكن تصوُّر الوضع الذي قد تؤول إليه أوضاع أسواق النفط من دون وجود أوبك، ولعل تصوُّر أسواق النفط من دون أوبك سيؤول إلى الكثير من التداعيات غير المحمودة، كانهيار تلك الأسواق، ودخولها في حالة من العشوائية الضارة للجميع، بما في ذلك المنتجون والمستهلكون. فعدم وجود أوبك يعني أن كل دولة منتجة للنفط ستتبنّى سياسة إنتاجية فردية مبنية على مصالحها الضيقة، من دون مراعاة مصالح الآخرين.
ويمكن تصور وضع سوق النفط في حينه كسوق يحكمها مبدأ الربحية وقواعد القوة فقط، وقد يستغل بعض المنتجين تلك الوضعية باتباعهم سياسات إنتاج تضر بمنتجين آخرين، حتى يتم إخراجهم من السوق، لتتحول السوق بالفعل إلى «سوق احتكار تام»، يتحكم فيها منتج واحد أو عدد محدود من المنتجين، بحيث يحددون كميات الإنتاج والأسعار، لتحقيق أعلى ربحية، ومن دون النظر إلى تأثير ذلك على المستهلكين أيضًا. كما يسهل في مثل هذه الظروف كذلك قيام المحتكرين بالتلاعب في الأسعار من أجل قطع الطريق أمام أي محاولات من قبل منتجين آخرين لدخول السوق. ولو افترضنا أن ذلك كان بإمكانه الحدوث خلال السنوات القليلة الماضية، فما كان بإمكان منتجي النفط الصخري - بما في ذلك الولايات المتحدة ذاتها - دخول السوق.
كما أن غياب أوبك كان سيعني غياب الرؤية واسعة النطاق لأسواق النفط العالمية، وبالتالي سيادة حالة من العشوائية والتخبط بها، مما يؤثر بدوره سلبًا على العلاقة بين العرض والطلب، ومن ثم مستويات الأسعار، التي تصبح غير مستقرة بما يحرم المنتجين من القدرة على الاستثمار في تطوير الطاقات الإنتاجية، الأمر الذي يفضي إلى انهيار قطاع النفط والطاقة العالمي على المدى البعيد، ويُدخل الأسواق في حالة مزمنة من الاختناق وعدم القدرة على تأمين احتياجات الاقتصاد العالمي من الطاقة، ووقتها سيتحمل الاقتصاد العالمي تكلفة مرتفعة بسبب تضخم فاتورة الطاقة وتذبذبها الشديد في آن معًا، الأمر الذي سيكون حاسما في تقليص فرص نموه واستقراره.
 
التكلفة مرتفعة
فيما قال جوليان لي، وهو باحث في استراتيجيات البترول لدى وكالة أنباء «بلومبرغ» إن وزارة العدل الأميركية، تدرس رسميًا سن قوانين مكافحة احتكار تستهدف الحد من سيطرة منظمة «أوبك» على أسواق البترول، ما يزيد من احتمالات وصول تشريع مناهض للمنظمة على مكتب الرئيس دونالد ترامب للتوقيع، وبقدر ما يبدو ذلك مغريًا، فإن تكلفة إنهاء سيطرة المنظمة على الأسعار ستفوق أي مكاسب سريعة.
ويعد المنطق وراء قانون مناهض لأوبك واضحًا، فتكاليف البترول الخام تشكل 60 في المائة من أسعار الجازولين والديزل عند وصولها للمستهلك النهائي في أميركا أي أكثر بكثير من أوروبا، حيث تشكل الضرائب معظم أسعار التجزئة، وبالتالي فإن خفض أسعار البترول من خلال الحد من قدرة «أوبك» على رفعها سوف يترجم سريعًا إلى جازولين أرخص، وهو أمر مرحب به بين الناخبين الأميركان وله فوائد سياسية.
ولكن الوضع أكثر تعقيدًا من ذلك، فارتفاع إنتاج البترول الأميركي يعني أنه سوف يساهم بقدر أكبر في الاقتصاد مما كان عليه الوضع منذ عدة سنوات، وبالتالي، فإن فوائد انخفاض سعر البترول أقل وضوحًا بكثير عندما كانت أسعار البترول عند 100 دولار للبرميل، وكان إنتاج البترول الأميركي نصف ما هو عليه اليوم، وعلى الأرجح سيؤدي الركود الحاد في أسعار البترول إلى ازدياد سوء «الآفاق الاقتصادية الأميركية الصعبة بالفعل»، وفقًا للاستراتيجيين في «مورغان ستانلي»، وترى شركة «تي دي سيكيورتيز» أن انخفاض البترول سيضغط على الدولار أيضًا.
وأشار إلى أن إقصاء «أوبك» سيعيق قدرة القطاع بأكمله على الاستجابة للخسائر غير المتوقعة في المعروض، مشيرا إلى أن ارتفاع إنتاج البترول الصخري سمح لترامب بإعادة فرض العقوبات على إيران دون التسبب في ارتفاع الأسعار، ولكن هذا لن يدوم للأبد، فخلال 5 سنوات سنحتاج شبكة أمان جديدة، وإذا لم تقدمها «أوبك» فمن سيفعل؟
ونحن ليس لدينا خبرة عن سوق بترول «حر»، وقبل «أوبك»، أدارت «الأخوات السبع»- وهم مجموعة من شركات البترول- المعروض، وقبلهم هيئة السكك الحديدية في تكساس، ويجب أن ننظر إلى العقود الأولى من القطاع في ستينات وسبعينات القرن الثامن عشر لنرى التأثير الحقيقي للسوق الحرة بالكامل، وشهدت هذه الفترة أعلى تقلبات لأسعار البترول في التاريخ – باستثناء فترة سبعينات القرن الماضي أثناء حظر البترول العربي والثورة الإيرانية، وبالطبع سوف يسعد المتداولون المحبون للتقلبات، ولكن ليس المنتجون والمستهلكون.
ونشرت شركة «وود ماكينزي» لاستشارات البترول في مارس الماضي تقييمًا لسعر التعادل المطلوب للتمكن من الاستثمار في مشروعات جديدة. وسوف تتمكن أفضل الشركات من توليد أموال حتى مع تراجع البترول إلى 20 دولارًا للبرميل، ولكن لا يوجد ما يكفي منها لتعويض التراجع في حقول البترول، ومع تداول خام «برنت» بالقرب من 50 دولارًا للبرميل، أصبح خليج المكسيك وأجزاء واسعة من البترول الصخري غير مجدية اقتصادياً.
 


اشترك في النقاش