«شغل فيس»

دراسة عربية لتحويل تعليقات «فيسبوك» إلى كتب لاكتشاف المبدعين
* الكاتب يدعو الأدباء والصحافيين العرب إلى إصدار كتب عن مجمل كتاباتهم الفيسبوكية ليقدموا للشباب نماذج للكتابة
* الدراسة تعتبر «فيسبوك» عالماً كبيراً نعيش معه وفيه، ونتأثر به ونؤثر فيه


القاهرة: صدرت دراسة جديدة بعنوان «شغل فيس» للكاتب والصحافي محمد شعير، عن دار «النخبة» تدعو الكتاب والصحافيين والأدباء العرب إلى نشر تعليقاتهم على موقع التواصل الاجتماعي في كتب تحفيزا للشباب على القيام بذلك للكشف عن المبدعين وتغيير أسلوب الكتابة والحفظ على الأسلوب اللغوي للحد من انتشار العشوائية مع وضع قواعد للمادة التي تنشر على «فيسبوك» لاعتباره وسيلة من وسائل الإعلام، مثله مثل الصحف والمواقع الإخبارية والإذاعة والتلفزيون.
وقال الباحث محمد شعير لـ«المجلة» إن «فيسبوك» هو إحدى وسائل التأثير وإن هناك كثيرا من أولئك «العميقين» كانوا يتعالون في البداية على «فيسبوك» وكان يحلو لهم السخرية منه، باستخدام العبارة الشائعة في وصفه «كتاب مزيف» وهو الاسم الذي يشير إلى هدف الموقع، بأن يقدم كل عضو فيه «كتابه» الذي يعكس صورة وجهه أو بالأحرى شخصيته، وكان هؤلاء يرفضون «فيسبوك» في الماضي، لكنهم أصبحوا في الوقت الحاضر مستخدمين نشطين له، يكتبون عليه يوميا أكثر من مرة، وهكذا الحياة دوما، نرفض الجديد في البداية غالبا، ثم نعود لننخرط فيه، لكن السؤال الذي ينبغي التفكير فيه دائما هو: كيف ننخرط في أي جديد دون أن «يخرطنا» هو؟ وكيف نهضمه دون أن ندعه يهضمنا ؟ تلك الأسئلة الواجبة، بلا رفض حاد أو انغماس كامل، ولا يقتصر الصراع مع الجديد على «فيسبوك» فعند بداية ظهور التليفون المحمول رفضه البعض لكن سرعان ما اشترى أصحاب هذا الرأي المحمول، وعندما ولد التلفزيون قيل إن الراديو سيموت لكن لم يحدث، وعندما ظهر الإنترنت قيل إن الكتاب الورقي سيزول لكن لم يحدث، كذلك عندما برزت المواقع الإخبارية الإلكترونية يقال الآن إن الصحافة الورقية ستختفي لكن هذا أيضا لن يحدث لأن قطار التطور في الواقع لا ينتظر أحدا.
 
ثورة المعلومات والاتصالات
أكد شعير خلال دراسته على أن ثورة المعلومات والاتصالات التي كان القرن العشرون هو عصرها الذهبي، ليس من سماتها - كما رأينا في الواقع – أن تؤدي ظهور وسيلة اتصال جديدة إلى قتل أخرى أو إزاحتها كليا، لكن ما يحدث عند بداية ظهور هذه الوسيلة الجديدة الأكثر تطورا وجذبا هو حلة من الاضطراب في الوسيلة الأقدم، ويستمر ذلك لفترة قد تطول أو تقصر، حتى تتمكن من تطوير نفسها، بالبحث عن مساحة تنفرد بها، تقدم من خلالها خصوصيتها التي تميزها، هذا الأمر يجعلنا نطرح سؤالا وهو ما علاقة «فيسبوك» بكل ذلك؟ والإجابة أن الواقع بعد رفض كثيرين في البداية التعامل مع «فيسبوك» من الأساس، أصبحت المشكلة الآن الإقبال عليه بشكل كبير، حتى أصبح يهدد – ويتفوق على – المنابر الإعلامية المختلفة من قنوات تلفزيونية وصحف ومواقع إخبارية إلكترونية، هضمها هو ولم تهضمه هي حتى الآن، فأصبحت تنقل عنه وتناقش الكثير من القضايا التي يثيرها مستخدموه، مهما كان بعض هذه القضايا سطحيا أو تافها أو فرديا، أو يقوم على أحداث تم اجتزاؤها أو غير صحيحة من الأساس وهنا منبع المشكلة.
وبحسب الدراسة فإن الإعلام يقوم في قواعده الراسخة على تقديم المعلومة الدقيقة والتحليل الموضوعي الرصين لها من كل الزوايا، أو هكذا ينبغي، أما «فيسبوك» وغيره من مواقع التواصل الاجتماعي فقد جاءت ممارسات مستخدميه لترفع شعارا يمكن تسميته بأنه «الإعلام للجميع» فما نقرأه أو نشاهده على «فيسبوك» لا يخرج غالبا عن أن يكون في ثوب معلومة أو رأي أو صورة أو مقطع فيديو أو كتابة إبداعية، وهذا هو الإعلام، أي إن ما يمارسه مستخدموه هو في حقيقته نوع من أنواع الإعلام، لكنه إعلام بلا قواعد أو ضوابط، فهل يمكننا أن نضبط الأمر؟ ولماذا لا نحاول؟ 
إن دقة المعلومة إذن والموضوعية في بحث أي قضية عبر تناول كل جوانبها، هما أهم ما يفتقر إليه الإعلام الجديد عبر «فيسبوك»، لكن ليست تلك هي المشكلة وحدها فهناك جانب آخر يتلقى في كل ثانية ضربات مؤلمة عبر «فيسبوك» ذلك الجانب هو: الأسلوب واللغة!
وكشفت الدراسة عن أن «فيسبوك» الآن هو وسيلة – أو قناة اتصال شديدة الأهمية، لها أسلوبها وخصوصيتها، وفرضت نفسها ولم يعد من الممكن لعاقل أن يتجاهلها، «فيسبوك» غيرنا وغير عادات يومنا، أفادنا وضرنا لكنه مهم وباق شئنا أم أبينا، بل أصبح يعد من وسائل التعبير لكنه «تعبير» من جانب الكل وموجه إلى الكل، دون حسيب أو رقيب، وطرحت الدراسة عدة أسئلة أهمها كيف نغير ولو قليلا من طبيعة الكتابة على «فيسبوك» والذي يعد رغم السنين وسيلة «جديدة» – نوعا ما – من وسائل التعبير.


 
أشكال الكتابة الإبداعية
ذكرت الدراسة أن الشعراء اعتادوا على أن يجمعوا قصائدهم في دواوين شعرية، والأدباء يضمون قصصهم في مجموعة قصصية، كما يؤلف الصحافيون خاصة العرب من مقالاتهم في صحفهم كتبا تحليلية، والآن بعد «فيسبوك» الذي يهتم به هؤلاء – وطرح محمد شعير كاتب الدراسة سؤالا هاما قائلا فيه لماذا لا يقوم كل منا بما فينا القراء بجمع ما نكتب على هذا المنبر الجديد وإصداره في كتاب؟ ليجيب عليه: هذا النوع من الكتب الذي أدعو إليه هو بالتحديد ما ينطبق عليه اسم «شغل فيس» فالمادة الأساسية هنا هي كتابة على «فيسبوك» لكنها أيضا يمكن أن تكون شغلا، أي شكلا من أشكال الكتابة الإبداعية بصورة أو بأخرى حيث نقدم «نماذج كتابة» تجمع بين الشخصي والعام، السياسي والثقافي والرياضي، وأيضا الفصحى والعامية والافتكاسات الإبداعية والكتابة المقالية وحتى الصور الطبيعية والشخصية، والتعليقات الطريفة عليها، فإذا ما جمع الكاتب «الفيسبوكي» أيا كان عمله الأصلي كل ذلك ثم أصدره في كتاب، فإننا سنحقق عندئذ عدة فوائد، ربما تفوق التصور.
وعددت الدراسة الفوائد بقولها: «سيكون هذا المجال جديدا من مجالات الإبداع التي تكشف عن مبدعين جدد، ربما يخجلون من أن يقولوا إننا نريد جمع بوستات فيسبوكية في كتاب باعتبار الأمر مجرد (فيس) لكن من قال إن (الفيس) لا يمكن أن يكون (شغلا) وإنتاجا وإبداعا، وسيكون ذلك أيضا دافعا للشباب ممن قد يتحمسون للفكرة، لأن يمارسوا بشكل مسبق – قبل الكتابة على فيسبوك – نوعا من الرقابة الذاتية على ما يكتبون، لا أن يكبتوا حرياتهم أو يخفوا آراءهم بالطبع بل بأن يحرصوا شيئا فشيئا على تلمس الموضوعية والإلمام قدر الإمكان بحقيقة وأبعاد الموضوع الذي يكتبون فيه مع محاولة ضبط اللغة المكتوبة نوعا ما، سواء كانت عامية أم فصحى، لأنهم عندئذ سيضعون في اعتبارهم أنهم يكتبون ما سيضمه غدا كتاب لا مجرد بضع كلمات على (الفيس) بالإضافة إلى اكتشاف مبدعين جدد والتدريب على ضبط الكتابة عموما، كتابات جديدة عبر وسيط تؤرخ لفترات تاريخية بعينها، ومواقف الشباب والرأي العام إزاء أحداثها؛ تاريخ لأحداث ومواقف ثم عصور، عمل سيضبط نفسه شيئا فشيئا (شغل) مصدره الأساسي (الفيس)».

 




محمد شعير


 
فوائد يمكن أن نجنيها
اعتبرت الدراسة أن «فيسبوك» عالم كبير تعيش معه وفيه، وكثيرا ما نتأثر به ونؤثر فيه ومادته الأساسية هي الكتابة، فكيف نتركه ونتركها دون بحث ووضع علامات استرشادية هادية؟ الكتابة – أيا ما يكن الوسيط – ليست شيئا تافها حتى نتركها لمصيرها متوقعين أن «ترقي نفسها بنفسها». الكتابة أيا من يكن الكاتب، ليست فعلا عابرا حتى نتركها تمضي هكذا لتختفي بعد ساعات أو أيام من الصفحة الرئيسية دون الاستفادة منها، رغم أنها قد يكون في بحرها اللآلئ والدرر، دون أن يعلم صاحبها، فقط لأنها لم تحصد أرقام إعجاب، وربما يقول البعض إن هذه أحلام وإن الشباب لن يفعلوا شيئا من هذا «أنت»، لا «أنا»، ربما تكون فاقدا الثقة فيهم كمشاريع كتاب، فيبادر الكتاب والأدباء والصحافيون بإصدار من مجمل كتاباتهم الفيسبوكية كتبا ليقدموا لنا وللشباب نماذج كتابة، ألا يدرون أي فوائد يمكن أن نجنيها إن فعلوا، سوف يعود الشباب إلى القراءة الورقية فنحن نعرف جميعا إقبال الشباب على «فيسبوك» وأسلوب تناوله للقضايا والموضوعات وعندما يجد هؤلاء كاتبا يجمع لهم كتاباته الفيسبوكية، أو الأحرى «شغل الفيس» الخاص به بما فيه من جد وهزل وإبداع ورأي صورة وتعليقا، ليقدم لهم في كتاب فإنهم سيقبلون عليه، لأنه يخاطبهم بما يناسبهم، بل إن ذلك سيغير أسلوبهم ولغتهم فيما يكتبون لأنهم سيجدون وقتها مادة جاذبة ولكن بأسلوب مختلف راق فتتغير بالتدريج كتاباتهم.
ويختم كاتب الدراسة إنه بصفته صحافيا لا يملك في هذا الإطار إلا أن يقدم على خوض التجربة عبر هذه المحاولة المتواضعة، كبداية من خلال تقديم شكل قد يكون جديدا عبر جمع عدد من منشوراته على «فيسبوك»، على مدى نحو 4 سنوات، علما بأنه استبعد المقالات الصحافية أو مقالات كتاب آخرين، فهذه الدراسة أو ما يدعو إليه من كتب في ذات الإطار، ليس كتاب مقالات، وإلا فما الجديد، ليس هذا هو الهدف أو ما يسعى إليه، قائلا: «ما أستهدفه هنا هو أن أقدم نموذج لـ«شغل الفيس» الخاص بي أي الكتابة التي لا هي متقعرة كالزمخشري ولا سطحية مثل زاب ثروت (مطرب)، ولا تشغلني في الحقيقة آراء النقاد، وإن كان أملي أن تروق لهم الفكرة لكن همي الأول هو القارئ العادي، لا أدري كيف يمكن أن يرى التجربة أو يقيمها وفي النهاية أن راضٍ بحكم القارئ الذي أتمنى أن لا يحرمني من إبداء رأيه».


اشترك في النقاش