«سميرة وحمدي»... نص حداثي لراهب الفكر توفيق الحكيم

صدرت منذ 56 عاماً

* صدرت لأول مرة عام 1963، تحت عنوان «الطعام لكل فم»، ثم صدرت منها طبعة أخرى عام 1972 بعنوان «سميرة وحمدي»


* في مقابل أدب الديستوبيا الذي يهيئ القراء لنهاية العالم ويرسخ لديهم سوداوية تجاه المستقبل، يقدم توفيق الحكيم للقارئ جرعة أمل وتفاؤل ورسالة للعمل والاجتهاد

القاهرة: حفر راهب الفكر العربي توفيق الحكيم لنفسه مكانة خاصة في تاريخ الأدب، كونه صاحب مشروع أدبي متفرد وقدم نصوصا للمسرح العربي لا تزال حاضرة رغم مرور 31 عاما على رحيله.
ترك الحكيم أكثر من 50 نصا مسرحيا تتنوع أساليب كتابتها بالفصحى أو العامية وأدواتها الفنية ومن بين هذه الأعمال التي أعادت دار «الشروق» المصرية طبعها في نسخ أنيقة ومنمقة تثري المكتبة العربية، مسرحية «سميرة وحمدي» التي نشرها الحكيم لأول مرة عام 1963 ولكن تحت عنوان «الطعام لكل فم»، ثم صدرت منها طبعة أخرى عام 1972 بعنوان «سميرة وحمدي»، ومؤخرا صدرت طبعتها الجديدة بنفس الاسم الذي يحمل اسمي بطلي المسرحية.
في «سميرة وحمدي» استطاع صاحب «الأيدي الناعمة» أن يقدم نصا بسيطا تحتشد فيه الجماليات الأدبية والفنية، فهو يمزج الدراما الواقعية بالفانتازيا ليخرج نصا حداثيا بامتياز يصلح حينما نقرأه في عصرنا هذا وكأنه كتب بلغة اليوم ويتحدث عن الحاضر ويستشرف المستقبل.
تبدأ أحداث المسرحية بجدال زوجي بين سميرة وحمدي أبناء الطبقة المتوسطة يعكس حياة اللامبالاة والفراغ والملل التي يكمن فيها روتين قاتل، واختار الحكيم وظيفة حمدي كرمز للارتكان على الماضي والتقوقع فيه فهو يعمل كموظف بقلم المحفوظات في الأرشيف بينما سميرة ربه منزل عادية تدور حياتها في مدار حياة زوجها الذي تدور حياته في إطار المنزل والعمل والمقهى.
ثم يبدأ تطور الأحداث بمشكلة تسرب مياه من شقة «الست عطيات» الجارة التي تقطن فوقهم وتحدث «نشعاً» أو بقعة في جدران شقتهم، ثم تتصاعد الأحداث مع سماع صوت بيانو يتصاعد من أناس يتراءون لهم في تلك البقعة وكأنهم يشاهدون عبر بلورة سحرية حياة أسرة «طارق ونادية». يبدأ حمدي وسميرة في متابعة ما يحدث عبر تلك البقعة بشغف ينتشلهما من الروتين ويتعرفون من خلال الحديث الدائر أن طارق عالم مصري يعمل على مشروع بحثي سيغير العالم ومقدراته وسيكون أقوى من اختراع القنبلة الذرية، فهذا المشروع «الطعام لكل فم» سيحمي العالم من الجوع ويقضي عليه تماما.

يشرح الحكيم الفكرة على لسان طارق وأن المشروع متعثر؛ لأنه يحتاج إجماع العالم كله وتكاتف الدول جميعا وهذا غير ميسر؛ لأن بعضهم له مصلحة في أن الجوع سلاح في السيطرة الاقتصادية وسبب في اشتعال الحروب والدمار، ولن يتم ذلك إلا باستيقاظ الضمير الإنساني. هنا تظهر الحبكة الثانية والصراع الدرامي بين شقيقته نادية ووالدتهما حيث تتهمها أنها قتلت أباها لتتزوج من حبيبها الطبيب ابن عمها، وتكشف لطارق أنها فضلت أن لا تخبره إلا عقب عودته من ألمانيا ويترك الحكيم القارئ أو المشاهد للعرض المسرحي الحيرة قليلا حيال موقف طارق من والدته ورد فعله عبر حوار بين سميرة وحمدي حول توقعاتهما.
ويأتي الحكيم ببراعة طارحا إشكالية تبدد القيم مع التحولات التكنولوجية والتقدم العلمي وتغيرها مع مرور الزمن، فيحاول طارق التغاضي بكل سهولة عن الأمر باعتبار أن وفاة الأب أصبحت من الماضي و«ينبغي أن لا ننشغل بما فات ومضى ونفكر في المستقبل». مقدما تصورا لتراجع القيم في ظل صعود للبرغماتية وسطوة التكنولوجيا على البشر وتجريدهم من مشاعرهم وآدميتهم.
وبحوار ذكي لا يكتبه سوى كاتب مخضرم ملم بالأدب العالمي، يقارن أوضاع المجتمع المصري وطرق التفكير السائدة في تلك الحقبة بطرق تفكير أبطال مسرحيات شكسبير والأساطير الإغريقية يستشهد طارق هنا بقصة إلكترا وأخيها أورست اللذين صمتا في المأساة الإغريقية على قتل والدهما، ويستنكر إضاعة هاملت حياته في الانتقام بدلا من التفكير بالمستقبل فضاعت حياته هباء، قائلا: «أظنك يا نادية توافقينني أن عصر الإغريق يختلف عن عصر الذرة!».
وبعد قدر من الجدية والحديث الأدبي العلمي ينتقل الحكيم ببراعة إلى الواقع وشقة سميرة وحمدي وحوارهما مع الست عطيات حول مشكلة «النشع» وبقعة السقف حيث تشك عطيات في نواياهما حينما رفضا دخول عامل الدهان ليصلح لهما ما أفسدته نتيجة غسيل شقتها، ويبدو حمدي قد تغيرت شخصيته ويجادل الست عطيات كما يجادل طارق شقيقته نادية محدثا إياها عن هاملت والإغريق محاولا إقناعها بأن العلاقة بين الجيران ينبغي أن تتجاوز هذه التفاهات والسطحية وأنهما سامحاها، ترفض عطيات الاتكال على حسن النية وتأخذ توقيع حمدي على تنازل عن أي إصلاح لشقته.
تعاود نادية العزف على البيانو... نغمة حزينة ينتقدها طارق لأنها تطالبه بالقيام بدور هاملت فيما يجادلها رافضا أن يقوم بالتحقيق في جريمة قتل أمه لوالده ويحاول إقناعها بأن اكتشاف الحقيقة سيؤدي للفضيحة ويضر بسمعتها كفتاة في مجتمع شرقي يربط أخلاق البنت بوالدتها، قائلا: «هاملت من أجل العدالة احتمل الموت... ونحن لن نحتمل الفضيحة».
في هذا العمل تتجلى براعة وفكر وفلسفة توفيق الحكيم، إذ يأتي الحوار بين طارق وشقيقته نادية معبرا عن مجريات عصرنا الحالي وكأن نص الحكيم ينطق بلسان حالنا الآن، يقول طارق: «أزمتي في الخوف من الوقوف... أزمتي هي أزمة عصري... إذا وقفنا نموت.. عصرنا صاروخ انطلق... إذا أبطأت حركته احترق».

 




توفيق الحكيم

هنا تكشف نادية لشقيقها أن قرارها بترك المنزل هو الحل، يساندها طارق طالما أن هذا القرار سيدفعها للأمام وترك أمهما تعيش الحياة الجديدة التي رغبت فيها. وبعد هذا المشهد يدق باب حمدي وسميرة ويأتي البواب حاملا بطاقة من شلة القهوة يبلغوه فيها بفوز صديقه بعشرة الطاولة، يثور حمدي ويستنكر هذه التفاهة التي غمر نفسه بها، ويسدل الستار. يبدأ فصل جديد من فصول المسرحية ويفجع حمدي وسميرة باختفاء بقعة الحائط، وفي سياق كوميدي ممزوج بالتشويق تحاول سميرة وحمدي إقناع الست عطيات بغسل شقتها ليرتاح ضميرهما المعذب، وتقسم لهما عطيات أنها تقوم بغسلها لكن مع مراعاة الجيرة والحرص في «دلق الماء» ثم يتطور الأمر ويحاول حمدي وسميرة التسلل لشقة الست عطيات عبر المواسير لغسلها بالمياه عسى أن يعود لهما طارق ونادية عبر بقعة الحائط، ويفشلان بعد مواقف طريفة من ترك المياة وغسل الشقة بالصابون بل وطلب مساعدتها في غسل الشقة باعتباره شرفا لهما، وهنا يرفع الستار وتعود المسرحية بمشهد في نفس الحجرة يدل على مرور الزمن ولكن مع وجود مكتبة وميكروسكوب وحمدي منهمك في البحث والقراءة وتأليف الكتب تاركا حياة اللهو وكذلك سميرة. وهنا بالطبع يجيب الحكيم على تساؤل القارئ أو المشاهد: من هما طارق ونادية؟ وما الذي شاهده حمدي وسميرة؟
تسأل سميرة حمدي هذا السؤال ويطلب منها أن لا تلتفت للماضي وأن الموضوع أغلق، المهم ما أصبحا عليه الآن، وحياتهما المثمرة، فربما كان ذلك كله من وحي خيالهما، ينشغل حمدي في كتاب من شأنه أن يحل معضلة الجوع في العالم ويؤكد لسميرة أن قصص ويلز وجول فيرن الخيالية كان من شأنها أن ترفع سقف الخيال وبالفعل بعدها صعد الإنسان للقمر والمريخ، يسدل الستار وحمدي يعاود الكتابة فيما تعزف سميرة على البيانو.

في مقابل أدب الديستوبيا الذي يهيئ القراء لنهاية العالم ويرسخ لديهم سوداوية تجاه المستقبل، يقدم توفيق الحكيم للقارئ جرعة أمل وتفاؤل ورسالة للعمل والاجتهاد ريثما يحل السلام والأمان في العالم. وذيلت طبعة دار «الشروق» بمقال للحكيم يتحدث فيه عن الأسلوب الفني الذي انتهجه حيث تعمد الكتابة عن اللامعقول للمقاربة بين الواقع والخيال كنوع مغاير لمسرح «العبث»، مؤكدا أن التجديد في الفن يعني الحرية، مشيرا إلى أن إشكالية اللغة واجهته أيضا حيث تطلب النص اللجوء إلى العامية التي حاول أن يجعلها ترتقي للفصحى مطلقا عليها «اللغة الثالثة» ولم يفت الحكيم أن يكشف سر إلهامه بهذا العمل «نبعت من تأملي لنشع ماء فوق الحائط!».

اشترك في النقاش