سياسة أميركا في لبنان

* السياسة الأميركية في المنطقة عموماً ولبنان خصوصاً لم تمنع حتى الساعة «حزب الله» من تعاظم نفوذه، في الداخل خاصة، وبما فيها من تناقض واضح، بل قامت بإضعاف خصومه

 
لم تكد تنتهي زيارة مساعد وزير الخارجية الأميركية ديفيد ساترفيلد إلى لبنان حتى كثرت التحليلات في شأنها. عادة ما تتمحور زيارات مساعد وزير الخارجية ساترفيلد حول مسائل تتعلق بإسرائيل، إن في حال حصول خرق أمني ما، مثلا موضوع الأنفاق التي اتهم «حزب الله» بحفرها، والتي وصلت إلى الداخل الإسرائيلي، أو في موضوع الغاز وترسيم الحدود خاصة في حقول الغاز التي يتشارك فيها الدولتان وهي موضوع نزاع.
في زياراته الأخيرة قرر ساترفيلد لقاء من كانوا شكلوا نواة حركة 14 آذار حصرا. من هنا جاءت كثرة التأويلات والتحليلات حول مهمّة الزائر ومعانيها، حيث أراد البعض استثمارها لصالحه داخليا، مشيرا إلى حدوث تغيير ما في سياسة الولايات المتحدة تجاه لبنان، مع العلم بأن سياسة الولايات المتحدة الأميركية تجاه لبنان لم تتغير كثيرا على مدى السنوات الماضية، فهي ما زالت تفّرق بين «حزب الله» والدولة اللبنانية في مقاربة الملف الرسمي اللبناني. من هنا ترى استمرار تلك الإدارة تقديم الدعم للمؤسسات الرسمية اللبنانية من جيش وقوى أمن أو حتى البلديات من خلال برنامج المساعدات الحكومي الخاص «يو إس إيد».
حتى في موضوع المصارف اللبنانية، تتصرف الإدارة بكثير من الحذر، كما حصل مع البنك اللبناني الكندي، فهي لم تسع إلى فرض عقوبات على المصرف المركزي وتحميله مسؤولية قيام البنك المذكور بتبييض أموال لصالح «حزب الله»، بل غضت النظر، وسمحت ببيع أصول البنك، والقبول بتسوية مع أصحابه يدفعون بموجبه 150 مليون دولار للسلطات الأميركية كغرامة على تجاوز قانون العقوبات الأميركي على «حزب الله».
إدارة الرئيس ترامب لم تمانع تسلم مقرب من «حزب الله» وزارة، بعد كل الضجة التي أثيرت حول هذا الموضوع. مجرد تحذيرات من أن يصار استعمال أموال الدولة اللبنانية لتمويل الحزب. إذن من الواضح أن سياسة الولايات المتحدة تجاه لبنان تتراوح بين حدين، حد التشدد مع «حزب الله» من خلال تجفيف مصادر تمويله في الخارج وحد عدم وقوع لبنان في فوضى من جراء هذا التشدد. سياسة معقدة جدا نتيجة لتداخل الحدين.
ولكن التطورات الأخيرة التي حصلت في لبنان أربكت السياسة الأميركية تجاه لبنان، وهي التي بنيت على أساس وجود فريق معارض لـ«حزب الله»، فإذا بهذا الفريق يخضع بالكامل لإرادة الحزب. من انتخاب عون رئيسا للجمهورية، مرورا بفرض قانون انتخابات نيابية عجيب، وصولا إلى تأليف الحكومة، استطاع «حزب الله» فرض أجندته على البلد واستجابت له كل الأطراف السياسية الكبرى بحجة أنها تريد الحفاظ على الاستقرار، وأنها تفضل التسويات السياسية على المواجهات. وتعالت أصوات في الداخل وفي الخارج منتقدة الوضع في لبنان ومتهمة إيران بوضع اليد بالكامل على لبنان من خلال «حزب الله».
ولكن أول المعترضين على هذا الاتهام كانوا أصحاب التسوية أنفسهم من جماعة 14 آذار. وهم رفضوا وصف البعض لبنان بكونه خاضعا لسيطرة إيران. وربما أوضح تعبير عن هذا الموقف جاء على لسان رئيس الجمهورية الذي أبلغ وزير الدولة البريطاني للشؤون الخارجية، أليستير بيرت، غداة وضع الحكومة الإنجليزية الجناح السياسي لـ«حزب الله» على قائمة التنظيمات الإرهابية: «قد يكون من المفيد الإشارة إلى أن الامتداد الإقليمي لـ(حزب الله) لا يعني أن تأثيره على السياسة اللبنانية يتجاوز كونه جزءا من الشعب اللبناني وممثلا في الحكومة ومجلس النواب».
زيارة ساترفيلد تأتي، إلى جانب التحضير لزيارة محتملة لوزير خارجيته مايك بومبيو، من أجل تحفيز الجهات المعارضة لـ«حزب الله» إعلان هذا التمايز بشكل أوضح في الخطاب السياسي، خاصة بعد التطورات السياسية الأخيرة التي أظهرت فيها سيطرة «حزب الله» على القرار اللبناني.
مصادر التقت ساترفيلد لفتت لصحيفة «الشرق الأوسط» إلى أنه أبلغ القيادات التي التقاها بأن بلاده ليست في وارد إقحام لبنان كله في هذه العقوبات لئلا يدفع أثمان عدم التفريق بين «حزب الله» ولبنان الذي يجب أن لا يتحمل مسؤولية بالنيابة عن غيره، وإن كان على الحكومة اللبنانية أن تتجنب إفادة الحزب من المال العام من خلال مشاركته في الحكومة بعدد من الوزراء للالتفاف على العقوبات.
الولايات المتحدة تلتقي مع أوروبا في هذه النظرة حيال مقاربة الملف اللبناني، إذ إن أوروبا تخشى أن يرتد أي توتر في لبنان، على شكل تدفق للاجئين السوريين عليها.
السياسة الأميركية في المنطقة عموما ولبنان خصوصا لم تمنع حتى الساعة «حزب الله» من تعاظم نفوذه، في الداخل خاصة، وبما فيها من تناقض واضح، بل قامت بإضعاف خصومه. إذ إن السياسة الأميركية في العراق وسوريا قامت على عهد أوباما وحتى على عهد ترامب نوعا ما بمساعدة إيران وميليشياتها بالحرب على داعش في كل من البلدين، مما أعطى نفوذا واضحا لها في العواصم الأربع التي أعلن نائب مدينة طهران في البرلمان الإيراني، علي رضا زاكاني، المقرب من المرشد الإيراني علي خامنئي، سيطرة بلاده عليها. فمن ناحية شراكة أميركية إيرانية في محاربة داعش في كل من العراق وسوريا ومن ناحية أخرى عقوبات قاسية عليها. تناقض لا يفضي إلى نتائج أميركية مرجوّة وهو تقليص نفوذ إيران وميليشياتها.
فهل تغير الولايات المتحدة من استراتيجيتها في المنطقة؟