الدبلوماسية الصامتة

تصاعد دورها الناعم بالمنطقة وتعميق وجودها الثقافي
* مساعد وزير الخارجية المصري السابق: الدبلوماسية الناعمة تحظى بقبول شعبي لدى المواطن العربي... وسيكون لها دور في إعادة الإعمار بدول المنطقة العربية
* دور دول الدبلوماسية الناعمة في الشرق الأوسط يتزايد بشكل ملحوظ... وسيتنامى دورها على كافة المستويات سياسياً واقتصادياً وثقافياً الفترة المقبلة

القاهرة: ظلت منطقة الشرق الأوسط طوال سنوات جاذبة للصراع على النفوذ بين الدول الكبرى، غير أن التطورات التي تشهدها العواصم الملتهبة وبؤر الصراع في الآونة الأخيرة أدت إلى تغييرات واضحة في استراتيجيات وآليات البحث عن النفوذ، وبينما اعتادت دول كبرى الانخراط المباشر في المواجهات العسكرية للحرب على الإرهاب، فضلت دول «الدبلوماسية الصامتة» تعميق وجودها الثقافي، وتطوير تواصلها الناعم مع العواصم الملتهبة، مع التوسع في جهودها الدبلوماسية للبحث عن حلول سياسية لأزمات المنطقة وتقديم الدعم للحكومات العربية والمؤسسات السياسية الشرعية في دول مثل ليبيا واليمن والعراق لتتمكن من فتح مسارات سياسية جديدة تؤسس لمرحلة ما بعد الحرب على الإرهاب وإعادة الإعمار.
وتعد كل من الهند واليابان والصين والدول الاسكندنافية السويد والدنمارك والمجر أكثر الدول اتباعا لاستراتيجية الدبلوماسية الصامتة في منطقة الشرق الأوسط بوسائل تختلف بحسب توجهات كل دولة وطبيعة النظام السياسي بها، ففيما تركز الصين أكثر على تطوير علاقاتها الاقتصادية بالمنطقة والتوسع في الاتفاقيات التجارية، تتبع الدول الاسكندنافية نهجا يعطي أهمية أكبر للتواجد الثقافي الناعم وتبني ودعم المبادرات الدبلوماسية.
 




الدكتور وليد قزيحة، أستاذ العلوم السياسية بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، المتخصص في شئون الشرق الأوسط

ويقول الدكتور وليد قزيحة، أستاذ العلوم السياسية بالجامعة الأميركية بالقاهرة، المتخصص في شؤون الشرق الأوسط لـ«المجلة» إن: «دور دول الدبلوماسية الناعمة في الشرق الأوسط يتزايد بشكل ملحوظ، وسوف يشهد توسعا أكبر في الفترة القادمة، ويمكنه مستقبلا أن يؤسس لعلاقة جديدة بين الدول الكبرى والمنطقة تقوم على أسس تختلف عن الرؤية التاريخية التي سادت طوال القرنين الماضيين، والتي كانت تقوم على مبدأ استعماري أحادي».
ويضيف قزيحة: «الدول الكبرى التي تتدخل عسكريا بشكل مباشر في الحرب على الإرهاب تضطر للانحياز إلى أطراف أو جماعات سياسية محلية أو إقليمية على حساب جماعات أخرى، وهو ما يجعلها عرضة للانتقادات ويضعف موقفها عقب انتهاء المواجهات العسكرية، كما يجعل شعوب المنطقة تتخذ موقفا سلبيا تجاه هذه الدول يرتبط بالمفهوم التاريخي في ذاكرة المجتمع العربي المستمد من الحقبة الاستعمارية».
ويشير قزيحة إلى أن «دولا مثل الهند والصين واليابان والنرويج والدنمارك والسويد، تحظى بقبول أكبر لدى المواطن العربي، نتيجة رفضها التدخل العسكري بالمنطقة واعتمادها الدبلوماسية الناعمة، وكذلك عدم وجود تاريخ استعماري لها، وهو ما يعزز قوة وجودها مستقبلا ويساهم في تنامي دورها على كافة المستويات سياسيا واقتصاديا وثقافيا».
وربط تقرير لمركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة بدولة الإمارات العربية المتحدة بين تصاعد دور دول الدبلوماسية الناعمة في الشرق الأوسط وبين سعيها لمواجهة النفوذ الإيراني بالمنطقة، إلى جانب تخوف هذه الدول من مخاطر انتشار الإرهاب وسعي تنظيم داعش إلى تجنيد عناصر من دول أجنبية.
ويشير التقرير إلى أن: «حكومة الدنمارك تسعى إلى الحصول على دعم شركائها الأوروبيين لفرض عقوبات على طهران لمواجهة خطرها وتنامي نفوذها بالمنطقة، كما تخشى الدنمارك من تنامي النزعات الراديكالية داخل أراضيها على خلفية توجه عدد من مواطنيها إلى بؤر الصراعات، وخاصة في سوريا والعراق، فضلاً عن التخوف من تسلل العناصر الإرهابية في صفوف اللاجئين الوافدين إليها بعد اكتساب خبرات قتالية».
وفي أكتوبر (تشرين الأول) الماضي أعلنت الحكومة الدنماركية عن إحباط عملية اغتيال خططت لها الاستخبارات الإيرانية لاستهداف معارضين من الأحواز داخل البلاد، أبرزهم رئيس حركة النضال العربي لتحرير الأحواز حبيب جبر.
وتسعى دول «الدبلوماسية الناعمة» إلى إيجاد تسويات سياسية في مناطق النزاع بالشرق الأوسط لتهيئة الأجواء للتحول من أتون الصراع إلى مسار السلام، بما يعالج مسببات التهديدات التي تواجهها وفي مقدمتها الهجرة غير النظامية وتدفقات اللاجئين والإرهاب العابر للحدود.
وبحسب التقرير، اكتسبت تفاعلات إقليم الشرق الأوسط اهتماما خاصا من جانب الدول الاسكندنافية الثلاث (النرويج والسويد والدنمارك)، على نحو لافت، خلال الأعوام الماضية، وهو ما تجسد في مؤشرات دالة مثل إنشاء معاهد الحوار والتعاون، وتخصيص برامج للشراكة الدنماركية العربية، وافتتاح مراكز لدراسات الشرق الأوسط داخل إحدى الجامعات السويدية، واستضافة جولة جديدة من حوارات أطراف الصراع اليمني، وتوجيه مخصصات مالية لدعم الانتخابات المحلية المستقبلية الليبية، ودعم المنظمات غير الحكومية الهادفة لمساعدة الفئات السكانية المتأثرة بالصراعات مثل النازحين داخليا واللاجئين عبر توفير الاندماج المحلي أو إعادة التوطين، وزيادة المحفزات المالية للاجئين الذين يغادرون البلاد والعودة إلى أوطانهم.
وقدمت الدنمارك دعما ماديا بمبلغ 6.54 مليون كرونة (نحو مليون يورو) لدعم الانتخابات المحلية المستقبلية في ليبيا ومشاركة الشعب الليبي فيها، وهو ما تم الإعلان عنه في 4 أكتوبر(تشرين الأول) 2018، عبر زيادة قدرة اللجنة المركزية الليبية للانتخابات البلدية على دعم نشاطات تثقيف وتوعية الناخبين، وتسجيلهم، وتعزيز مشاركة المرأة والأشخاص ذوي الإعاقة في العملية الانتخابية.
وفقا للبرلمانية صوفي لودي،رصدت الحكومة الدنماركية في عام 2017 مبلغ 10 ملايين كرونة (نحو مليون ونصف المليون يورو) للمساعدة في استقرار المناطق المتضررة من النزاعات ولدعم الحكومة الليبية المعترف بها دوليا (حكومة فايز السراج) بخلاف مساهمتها في الجهود الإنسانية وصندوق التمويل الأوروبي المخصص لأفريقيا.

 




السفير رخا أحمد حسن، مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق

ومن جانبه يقول السفير رخا أحمد حسن، مساعد وزير الخارجية المصري السابق لـ«المجلة» إن: «الدول التي تتبع استراتيجية الدبلوماسية الناعمة في منطقة الشرق الأوسط سيكون لها حضور أقوى مستقبلا ودور كبير في عمليات إعادة الإعمار، لأنها تحافظ على علاقات جيدة مع دول المنطقة، وتحظى بقبول شعبي لدى المواطن العربي، على عكس الدول التي تشارك بشكل مباشر في العمليات العسكرية ضد الإرهاب».
ويضيف حسن: «المرحلة القادمة هي مرحلة القوة الناعمة وإعادة الإعمار، وعلى الدول العربية أن تستعد لها جيدا من خلال تكثيف تحركاتها الدبلوماسية وصياغة رؤية سياسية عربية لمستقبل المنطقة خلال مرحلة ما بعد الإرهاب».
وتحظى الدول التي تتبنى استراتيجية الدبلوماسية الناعمة في منطقة الشرق الأوسط بقبول واسع في الشارع العربي، وترسخت صورتها الذهنية في أدبيات العلاقات الدولية في أنها دول ديمقراطية سلمية تتبنى سياسة الحياد وتتجنب الانخراط في الصراعات في مناطق مختلفة من العالم، خاصة أنها دول ليست ذات تاريخ استعماري بما لا يجعلها منشغلة بمزاحمة الدول الأوروبية الكبرى، وزاد اهتمام هذه الدول بمنطقة الشرق الأوسط عقب أحداث 11 سبتمبر (أيلول) 2001. خاصة في ظل وجود جاليات عربية وإسلامية بها.
ويشير تقرير مركز المستقبل إلى أن: «مرحلة الحراك الثوري التي جرت في كثير من دول منطقة الشرق الأوسط وما نتج عنها من نزاعات مسلحة في كثير من العواصم دفع كثيرا من الدول إلى مزيد من الاهتمام بتطوير وجودها الناعم بالمنطقة».
وتسعى كثير من دول الدبلوماسية الناعمة إلى تطوير تقاربها الثقافي مع شعوب منطقة الشرق الأوسط من خلال معاهد الحوار وبرامج الشراكة التي تسعى إلى بناء علاقات شراكة في مجال الديمقراطية والتنمية الاقتصادية، وتعمل معاهد الحوار والمراكز الثقافية لهذه الدول على دعم التقارب الثقافي والاقتراب من شعوب المنطقة.
 


اشترك في النقاش