المشروعات الصغيرة والمتوسطة... تعيد هيكلة الاقتصاد العربي

كريستين لاغارد: القروض الممنوحة للمشروعات لا تزيد على 7 %
* 96 % من الشركات المسجلة في المنطقة العربية مشروعات صغيرة ومتوسطة
* جهاد أزعور: مصر ولبنان والأردن والإمارات تملك ثلاثة أرباع الشركات الناشئة في المنطقة
* تحسين الشمول المالي للمشروعات الصغيرة والمتوسطة يساهم في الاستقرار المالي
* توفير 16 مليون فرصة عمل بحلول 2025 في الشرق الأوسط وآسيا
* «المركزي المصري» يدرس فتح الباب لدخول بنوك أوروبية... «تير تو»
* دعم المشروعات وتمكينها... عنصر أساسي في جدول أعمال النمو الاحتوائي
 

القاهرة: يلعب قطاع المنشآت الصغيرة والمتوسطة دورا هاما في زيادة القيمة المضافة وتنويع الهيكل الاقتصادي، ويشكل مصدرا رئيسيا لخلق فرص العمل في كثير من الدول. تقدر مساهمته بنحو 33 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، و50 في المائة في التشغيل بالقطاع الرسمي في مجموعة دول الاقتصادات الناشئة والنامية. وينتظر أن تلعب المنشآت الصغيرة والمتوسطة دورا بارزا في تخفيف حدة البطالة في الدول النامية خلال السنوات المقبلة، وذلك لقدرتها العالية في خلق فرص العمل، حيث تساهم في خلق 4 من بين كل 5 فرص عمل جديدة في القطاع الرسمي.
غير أن الشركات الصغيرة والمتوسطة تعاني كثيرا من المشاكل التي تعوق تقدمها، وكشف تقرير لصندوق النقد الدولي أن المشروعات الصغيرة والمتوسطة تشارك في حصة الشركات وفرص العمالة الموجودة بمنطقة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى، مشيرًا إلى أنه تماشيا مع المعدلات العالمية، تمثل تلك المشروعات نحو 96 في المائة من جميع الشركات المسجلة في المنطقة وتوظف نحو نصف مجموع القوى العاملة.
ولفت الصندوق في تقرير الشمول المالي للمشروعات الصغيرة والمتوسطة الصادر، إلى أن الأعمال التجارية لأصحاب تلك المشروعات لديها قدرة أقل على الوصول للتمويل مقارنة بنظرائهم في المناطق الأخرى، وأشار إلى أن حصة الإقراض الكلي للشركات المتوسطة والصغيرة في عام 2016 توزعت بين 6.5 في المائة في منطقة آسيا الوسطي، و7.2 في المائة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، و2 في المائة في بعض بلدان مجلس التعاون الخليجي، و8 في المائة في أفريقيا جنوب الصحراء و9.9 في المائة في أميركا اللاتينية والبحر الكاريبي و12.5 في المائة في أوروبا و16.5 في المائة في آسيا والمحيط الهادي.
وقال التقرير، بصفة عامة تتأخر منطقة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى عن المناطق الأخرى من حيث وصول المشروعات الصغيرة والمتوسطة للتمويل، لافتًا إلى أنه وفق مسح المشروعات الصادر عن البنك الدولي فإن نسبة عالية من الشركات في منطقة الشرق الأوسط (32 في المائة) لديها قدرة على الوصول إلى الائتمان، بما يعتبر أحد القيود الرئيسية إذا تمت مقارنته مع المتوسط العالمي بينما النسبة المئوية أقل في منطقة آسيا الوسطي وتبلغ نحو 18 في المائة.
ولفت إلى أن الشركات الصغيرة والمتوسطة في الشرق الأوسط لديها أكبر فجوة في الشمول المالي في العالم، مشيرًا إلى أنه وفق مؤشر مركب يجمع كلا من الوصول إلى الخدمات المالية واستخدامها من قبل الشركات الصغيرة والمتوسطة، وباستخدام التحليل الأساسي للمكونات والبيانات على مستوى الشركات من مسح مؤسسة البنك الدولي تبين أن بلدان الشرق الأوسط تتأخر عن بقية العالم في هذا المجال، في حين أن منطقة آسيا الوسطى تحقق أداء أفضل قليلاً، ولكنها لا تزال متأخرة بعد أوروبا وآسيا وأميركا اللاتينية.


 
الشمول المالي
قال جهاد أزعور، مدير منطقة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي، إن اختيار مصر لتكون منصة لإطلاق تقرير الشمول المالي للمشروعات الصغيرة والمتوسطة، جاء لأنها تعد أكبر اقتصاد في المنطقة، ولديها فرص قوية وكبيرة للتقدم في هذا المجال بفضل قطاعها المصرفي المتكامل، ورأس المال البشري المتمثل في النسبة العالية من الشباب.
وقال أزعور، إن التقرير يوضح أن أحد حلول زيادة توافر الشمول المالي للمشروعات الصغيرة والمتوسطة والأفراد غير القادرين على الوصول للخدمات المالية الأساسية يتمثل في التكنولوجيا المالية.
وأضاف مدير منطقة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد، أن دول المنطقة العربية يمكنها الاستفادة من وجود تكنولوجيا مالية أكبر وأكثر تنظيمًا، حيث تتمتع المنطقة بوفرة في أعداد الشباب ونسبة عالية من المهاجرين، وكذلك توجد زيادة في استخدام التجارة الرقمية ووجود اقتصاد غير رسمي كبير، وكذلك الحاجة القوية للتنويع الاقتصادي والمالي.
وأوضح المسؤول أن مصر ولبنان والأردن والإمارات تملك ثلاثة أرباع الشركات الناشئة في المنطقة، كما أنشأوا عدة مسرعات أعمال في مجال التكنولوجيا المالية، ويتركز نشاط تلك الشركات بشكل أساسي في مجالات حلول الدفع الإلكتروني والتمويلات للسوق والتمويل الجماعي بما في ذلك المشروعات الصغيرة والمتوسطة.
وأشار إلى أن المشروعات الصغيرة والمتوسطة تستوعب نصف القوى العاملة في المنطقة العربية، لكن فرص التمويل المتاحة لها هي الأقل على مستوى العالم، مبينا أن دراسات المؤسسات الاقتصادية توضح أن هذه المشروعات في مصر على سبيل المثال تستوعب 75 في المائة من القوى العاملة، لكن 50 في المائة منها تتعامل مع البنوك.
وقال إن القروض التي تقدم للمشروعات الصغيرة والمتوسطة لا تزيد على 7 في المائة من الإقراض المصرفي الكلي في المنطقة، مؤكدًا أن دعم تلك المشروعات وتمكينها هو عنصر أساسي في أي جدول أعمال للنمو الاحتوائي.
وأوضح أن الطلب على تمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة القائمة على التكنولجيا المالية ما زال غير مستقر إلى حد كبير، في ظل وجود تحديات مثل الصعوبات في التوظيف والاحتفاظ بالمواهب والتوافر المحدود لرأس المال الخاص وانخفاض المعرفة المالية.
وأكد أن الأطر القانونية والتنظيمية التي تعالج هذه القيود مع حماية الاستقرار المالي وحقوق المستهلك من شأنها أن تساعد في تعزيز الابتكار والشمول المالي في المنطقة العربية.
 
قروض ضعيفة
أعلنت كريستين لاغارد، مديرة صندوق النقد الدولي في كلمة أمام القمة العالمية للحكومات بإمارة دبي، بدولة الإمارات، أن القروض الممنوحة للمشروعات الصغيرة والمتوسطة لا تزيد على 7 في المائة من إجمالي الإقراض المصرفي في منطقة الشرق الأوسط، وأن فرص التمويل المتاحة للمشروعات الصغيرة والمتوسطة بالعالم العربي تسجل أقل مستوى في العالم.
وترى كريستين لاغارد أن هناك مجالا لتحسين السياسات المالية في منطقة الشرق الأوسط مع بعض نقاط الضعف الناجمة عن التركيز على المشروعات قصيرة الأجل، كما أن المشروعات الصغيرة والمتوسطة تمثل 96 في المائة فقط من الشركات المسجلة في المنطقة العربية وأن حكومات المنطقة قد يغريها إعطاء أفضلية للمشروعات الضخمة بدلا من الاستثمار في الناس وإمكانيات الإنتاج.
وقالت إن سد ثغرة الشمول المالي من شأنه تحقيق منافع اقتصادية متعددة، فمن الممكن أن ترفع النمو الاقتصادي السنوي بما يصل إلى 1 في المائة، وربما تقود إلى خلق نحو 15 مليون وظيفة جديدة بحلول عام 2025 في المنطقة العربية. ويمكن أيضًا أن تزيد من فعالية سياسات المالية العامة والسياسات النقدية، بما تحققه من تحسين تعبئة الإيرادات المحلية ونقل أثر التغييرات في السياسة النقدية. وأكدت أن دعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة وتمكينها هو عنصر أساسي في أي جدول أعمال للنمو الاحتوائي.


 
تحديات مالية
يشكل الشمول المالي للمشروعات الصغيرة والمتوسطة، عنصرا أساسيا في التحديات التي تواجه الكثير من البلدان في تنويع اقتصاداتها وتحقيق النمو الاقتصادي. فالمشروعات الصغيرة والمتوسطة تشكل نسبة كبيرة من الشركات في منطقتي الشرق الأوسط وآسيا الوسطى، لكن المنطقتين متأخرتان عن معظم المناطق الأخرى من حيث سهولة حصول هذه المشروعات على التمويل.
ومن الممكن أن يساهم تحسين الشمول المالي للمشروعات الصغيرة والمتوسطة في زيادة النمو الاقتصادي، وخلق فرص العمل، وتعزيز فعالية السياسات المالية العامة والنقدية، وقد يساهم أيضا في تحقيق الاستقرار المالي. وهناك منافع محتملة كبيرة على وجه الخصوص في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأفغانستان وباكستان ومنطقة القوقاز وآسيا الوسطى، فقد يرتفع معدل النمو الاقتصادي السنوي، في بعض الحالات، بنسبة تصل إلى 1 في المائة، مما يؤدي إلى توفير نحو 16 مليون وظيفة جديدة في المنطقتين بحلول عام 2025.
وتشير التجارب الدولية إلى وجود عوامل كثيرة بإمكانها المساعدة في زيادة الائتمان المصرفي المتاح للمشروعات الصغيرة والمتوسطة، ومنها الأساسيات الاقتصادية وخصائص القطاع المالي، مثل الاستقرار الاقتصادي الكلي، وتقليص حجم القطاع العام، لتجنب مزاحمة المشروعات الصغيرة والمتوسطة في الحصول على الائتمان، وسلامة القطاع المالي، وتوفير نظام مصرفي تنافسي، وبصورة أعم، اقتصاد تنافسي ومفتوح قادر على إعطاء دفعة لاستثمارات المشروعات الصغيرة والمتوسطة وزيادة طلبها على الائتمان.
أما العوامل المؤسسية، فتتمثل في نظم الحوكمة والقدرات التنظيمية والرقابية المالية القوية، وتوافر المعلومات الائتمانية، وبيئة الأعمال المواتية، بما في ذلك أطر الضمان والإعسار الحديثة، والنظم القانونية التي تسمح بإنفاذ حقوق الملكية والعقود بالدرجة الكافية.
وبالإضافة لذلك، هناك قنوات بديلة يمكنها تيسير زيادة فرص حصول المشروعات الصغيرة والمتوسطة على التمويل، بعدة سبل منها دعم المعروض من الائتمان المصرفي.
 
أسواق المال
تسخير إمكانات قنوات بديلة لتمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة، ويمكن القيام بذلك، على سبيل المثال، عن طريق الاستعانة بأسواق رأس المال ودعم تنمية القطاعات التي تعمل فيها المشروعات الصغيرة والمتوسطة في هذه الأسواق. كذلك يمكن أن تكون التكنولوجيا المالية مساهمًا محتملاً في تغيير قواعد اللعبة بالنسبة للمشروعات الصغيرة والمتوسطة، حيث يمكن أن تزيد المنافسة بين مقدمي الخدمات الائتمانية وتحقق توسعًا في عمليات الاستعلام الائتماني.
غير أن هناك مجموعة من السياسات والإصلاحات تم تنفيذها بالفعل في مختلف بلدان المنطقتين لدعم الشمول المالي للمشروعات الصغيرة والمتوسطة، ومنها إجراءات التدخل المباشر لتعزيز الائتمان المصرفي، مثلما يجري من خلال البنوك المملوكة للدولة المخصصة للمشروعات الصغيرة والمتوسطة، ونظم الضمان الائتماني، والقواعد التنظيمية لأسعار الفائدة. وفي السنوات الأخيرة، يعكف عدد متزايد من البلدان كذلك على وضع استراتيجيات وطنية للتصدي للعقبات الرئيسية أمام تحقيق الشمول المالي للأسر المعيشية والشركات.
ومن أهم الاستنتاجات في هذا الشأن أن المناهج الجزئية، كالسياسات التي تركز فقط على توفير التمويل أو الضمانات العامة المباشرة، لا يرجح أن تحقق منافع كبيرة. وفي المقابل، نجد أن تيسير حصول المشروعات الصغيرة والمتوسطة على التمويل بنسب مجدية وآمنة وقابلة للاستمرار يقتضي اعتماد منهج شامل، من الجوانب الاقتصادية الكلية إلى الجوانب القانونية والتنظيمية.
ومن الممكن أن يؤدي هذا المنهج كذلك في خلق دائرة إيجابية تتعاقب فيها مزايا شفافية المشروعات الصغيرة والمتوسطة وانخفاض الطابع غير الرسمي للاقتصاد، مما يعود بمنافع أوسع نطاقا على الاقتصاد وازدياد قوة الطلب على الائتمان، ويلزم توفير أطر محددة للسياسات والقواعد التنظيمية لتشجيع تطوير التمويل المقدم للمشروعات الصغيرة والمتوسطة من خلال زيادة الاعتماد على أسواق رأس المال والتكنولوجيا الحديثة.


 
بنوك أوروبية
من جانبه، يدرس البنك المركزي المصري منح تراخيص جديدة لبنوك دولية متخصصة في تمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة SMEs، بحسب تصريحات محافظ البنك المركزي، طارق عامر. وأشار إلى أن «المركزي» يدرس حاليا فتح الباب لدخول نماذج جديدة من البنوك التي تتعامل في تمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة، ولها هيكل مختلف عن البنوك التقليدية وموجودة بالخارج تسمى بنوك «تير تو».
أوضح جمال نجم، نائب محافظ البنك المركزي المصري، أن نموذج بنوك «تير تو» مختص بتمويل المشروعات الصغيرة، ويقبل الودائع ولكن لحدود معينة تتناسب مع رأسماله الذي يقل عن البنوك التقليدية.
وأوضح محافظ البنك المركزي أن «المركزي» تلقى طلبات من بنوك أوروبية لدخول السوق، ويتم في الفترة الحالية دراسة الموقف تمهيدًا للموافقة على بعض الطلبات، ونوه إلى أن البنوك ضخت تمويلات بقيمة 15 مليار جنيه في مبادرة المشروعات المتناهية الصغر لثلاثة ملايين مستفيد خلال عامين.
 
واقع عربي
أشارت دراسة لصندوق النقد العربي إلى أنه نظرا للدور المتعاظم للمنشآت الصغيرة والمتوسطة، فقد ازداد اهتمام الدول العربية بها في الآونة الأخيرة وأصبحت تحتل أولوية في برنامج الإصلاح الاقتصادي والمؤسسي في الكثير من هذه الدول. يأتي هذا الاهتمام في ظل تنامي عدد من المنشآت في عدد كبير من الدول العربية وارتفاع مساهمتها في الإنتاج وخفض البطالة.
وأشار الصندوق إلى وجود فجوة في عدد من الدول العربية فيما يتعلق بتوفر رؤية استرتيجية متكاملة للنهوض بقطاع المشروعات الصغيرة والمتوسطة، فبعض الدول قد وضعت الخطط الاستراتيجية الملائمة لهذا القطاع، بينما هناك دول تبذل جهودا لتطوير استراتيجياتها في هذا الشأن. تشمل الدول التي يتوفر لديها إطار استراتيجي يحدد التوجهات والأولويات المتفق عليها مع جميع الشركاء لتطوير قطاع المشروعات الصغيرة والمتوسطة خلال السنوات المقبلة، كل من الأردن، والكويت، ولبنان، وفلسطين، وتتولى الجهات ذات الصلة والأجهزة المسؤولة عن قطاع المشروعات الصغيرة والمتوسطة في هذه الدول، تنفيذ الخطط والاستراتيجيات المنوط بها تطوير هذا القطاع. إلى جانب ذلك تتوفر لدى المملكة المغربية وجمهورية موريتانيا خطط للنهوض بقطاع المشروعات الصغيرة والمتوسطة متضمنة في استراتيجياتها الوطنية للتنمية، وبالنسبة للمملكة المغربية تتوفر لديها خطة استراتيجية للنهوض بالمشروعات الصغيرة والمتوسطة متضمنة في مخطط تسريع التنمية الصناعية 2014 – 2020، تستهدف تحسين تنافسية المقاولات الصغرى والمتوسطة عبر تحفيز الاستثمار والارتقاء بالتنافسية الشاملة والولوج إلى التمويل، إضافة إلى وضع آليات لدعمها تقنيا وماليا من خلال الوكالة الوطنية للمقاولات الصغرى والمتوسطة. أما بالنسبة لموريتانيا فتتوفر لديها استراتيجية وطنية لترقية القطاع الخاص خلال الفترة 2015 - 2025. 
وفي ذات السياق، تعمل السعودية على تطوير استراتيجية قومية للنهوض بقطاع المشروعات الصغيرة والمتوسطة، فيما لا يزال عدد من الدول منها السودان، والإمارات، ومصر، وتونس تنظر في أمر تطوير استراتيجية شاملة لتنمية هذا القطاع.
وأشار صندوق النقد العربي إلى أن عددا من الدول العربية يولي اهتماما ببناء قدرات المشروعات الصغيرة والمتوسطة الداخلية، ذلك بما تقدمه من برامج تدريبية ودعم فني من أجل رفع مستوى تنافسيتها وتمكينها من مواجهة تحديات الأسواق الداخلية والخارجية. في هذا السياق وضع عدد من الدول منها الأردن، والكويت، ومصر، والسودان، وفلسطين، وتونس، والمغرب استراتيجيات وخططا قومية وبرامج لبناء قدرات المشروعات الصغيرة والمتوسطة وتشجيع ريادة الأعمال، بينما يجري العمل في دول أخرى مثل المملكة العربية السعودية على تطوير استراتيجية مماثلة من قبل هيئة المشروعات الصغيرة والمتوسطة.
على صعيد متصل تبذل الدول العربية جهودا في مجال تقديم الدعم الفني للمشروعات الصغيرة والمتوسطة. وتتوفر لدى عدد من الدول البُنى التحتية من مراكز تدريب في المجال الفني والتقني، ومكاتب تقديم الخدمات الاستشارية، بما يسمح لها بتقديم الدعم الفني والتقني للمشروعات الصغيرة والمتوسطة. 
في هذا الجانب تقدم دول مثل الأردن، ولبنان، والكويت برامج دعم فني تشمل مجالات متعددة منها على سبيل المثال: برامج تقديم الخدمات الاستشارية وخدمات الإرشاد والتدريب للمشاريع متناهية الصغر، إضافة إلى تغطية من 60 إلى 80 في المائة من تكاليف خدمات المشورة والتدريب، ودعم مراكز تقديم التدريب والدعم الفني للمشاريع الناشئة لخريجي الجامعات والرواد الشباب، وتطوير قدرات رواد الأعمال إضافة إلى تقديم المساعدة الفنية للمشاريع المتعثرة، والدعم الفني والمالي لحاضنات المشروعات.
 
غياب الأطر
من أبرز التحديات التي ما زالت تواجه المشروعات الصغيرة والمتوسطة في عدد من الدول، عدم توفر أو ضعف الأطر التشريعية والتنظيمية الداعمة لطبيعة عمل المشروعات الصغيرة والمتوسطة في مراحل نموها المختلفة، بما يؤدي إلى صعوبة وارتفاع تكلفة تأسيس وممارسة الأعمال. بالنسبة للدول التي أحرزت بعض التقدم في إصدار التشريعات والقوانين المختصة بقطاع المشروعات الصغيرة والمتوسطة، هناك حاجة إلى تعزيز قوة المؤسسات القانونية وتحسين الإجراءات الحكومية خاصة في مجالات بدء النشاط، واستخراج تراخيص البناء، وتسجيل الملكية، والحاجة لتقوية المؤسسات القانونية ذات الصلة بحماية المستثمرين، وإنفاذ العقود، وتسوية حالات الإعسار. 
إضافة إلى ذلك، هناك حاجة للمزيد من التنسيق والتكامل فيما بين الجهات التي تشرف على هذه المشروعات وتنظم أعمالها، في ضوء توزع الإطار المؤسسي والتنظيمي الحاكم لعمل هذه المشروعات على عدد من الجهات التي يختص كل منها بمعالجة جانب من الجوانب المتعلقة بها.
كما تواجه المشروعات الصغيرة والمتوسطة في الدول العربية تحدي صعوبة الحصول على التمويل الملائم لأسباب كثيرة، منها ارتفاع كلفة ومخاطر التمويل نتيجة عدم توفر المعلومات الكافية حول المنشآت المقترضة بما يمكن من تقييم جدارتها الائتمانية، وعدم توفر الضمانات الكافية لديها مما يؤدي لصعوبة نفاذها للتمويل. في هذا الجانب، هناك حاجة لرفع قدرة نظم المعلومات الائتمانية، واستكمال آليات ضمان التمويل وتطوير الأطر التشريعية الخاصة بها بما يعزز قوة الضمانات ويعطي مرونة أكبر في استخدام الأصول المختلفة في الضمان.
كذلك تبرز التحديات التي تواجه المؤسسات المصرفية في توفير وتنويع أدوات التمويل بما يلائم المشروعات الصغيرة والمتوسطة ويساهم في توفير خيارات تمويل متوسطة وطويلة الأجل، مثل التمويل الإيجاري، والمساهمة في رأس المال، وصناديق الأسهم الخاصة، ورأس المال الجريء لتمويل المشاريع الجديدة ودعم المبادرات المبتكرة إلى جانب التحديات التي تواجه آليات التمويل الإسلامي.


 
اختراق الأسواق
كما أن هناك صعوبات في الدخول إلى الأسواق بالنسبة للشركات الصغيرة والمتوسطة على ضوء متطلبات وتكاليف ترخيص وتسجيل الأعمال إضافة إلى التكاليف الأخرى، مما أدى إلى توسع القطاع غير الرسمي. هذا إلى جانب الحاجة إلى هياكل ضريبية وأنظمة مشتريات حكومية تكون مُحفّزة لمستويات الإنتاج والمنافسة، وتُيسّر نفاذ الشركات الصغيرة والمتوسطة إلى الأسواق الداخلية والخارجية.
وهناك ضعف في القدرات الداخلية للمشروعات الصغيرة والمتوسطة في التعامل مع المحيط الخارجي، خاصة فيما يتعلق بتكوين التحالفات والشراكات مع المنشآت الكبرى، فضلا عن الصعوبات التي تواجهها تلك المشروعات لتلبية شروط القروض، خاصة من حيث الضمانات والالتزام بشفافية المعلومات والاحتفاظ بسجلات مالية منتظمة. أيضا هناك حاجة لتعزيز قدرات مؤسسات التمويل الفنية والبشرية لتطوير نماذج إقراض ملائمة للمشروعات الصغيرة والمتوسطة، تأخذ بعين الاعتبار خصوصيات تلك المشروعات، عوضا عن الاعتماد على أطر عادة ما تكون مناسبة بشكل أكبر للقروض الكبيرة.


اشترك في النقاش