أزمة «حزب الله» المالية

* الأزمة المالية التي يعاني منها «حزب الله» لن تتحول إلا إلى الأسوأ، والتبرعات التي يمكنه الحصول عليها عن طريق هيئة دعم المقاومة الإسلامية لن تعوض عن كل الخسائر.
* إذا استطاعت إيران الاستفادة من الساحة المالية العراقية وقطاعها المصرفي للتخفيف من الأزمة المالية، فسوف يستفيد منها «حزب الله» أيضًا.
 

واشنطن: استهلك دخول «حزب الله» في سوريا موارده. ارتفعت الرواتب وازدادت الحاجة إلى الخدمات – وتحديدًا الخدمات الصحية – أكثر من ذي قبل، والأهم من ذلك، أصبح على المجتمع أن يواجه المزيد من تحديات العزلة والبطالة. علاوة على ذلك، تُفاقم العقوبات الأميركية على إيران من الصعوبات المالية التي يواجهها الحزب إلى درجة أوجبت على حسن نصر الله نفسه الاعتراف بالأمر.
في العاشر من مارس (آذار)، في أثناء الاحتفال المقام بمناسبة مرور 30 عامًا على إنشاء هيئة دعم المقاومة الإسلامية في لبنان، أثنى حسن نصر الله على ممولي المقاومة الرئيسيين، إذ أكد على أنه حتى أقل الإسهامات المالية يمكن أن تغير مسار اللعبة عندما تتجمع، كما أبرز جهود جميع أعضاء هيئة دعم المقاومة. وأشار إلى أنه بفضل الدعم المالي الكبير الذي جاء من جمهورية إيران الإسلامية في عام 2006. لم تكن مقاومة «حزب الله» في حاجة إلى تبرعات شعبية، ولكن تفرض الحرب المالية الأميركية استراتيجية جديدة، داعيًا مؤيدي المقاومة إلى دعمها ماليًا.
 
استراتيجية جديدة
يعلم نصر الله أن هذه التبرعات لن تعوض خسارة التمويل الإيراني، الذي وفقًا لمصادر حديثة وصل إلى 700 مليون دولار سنويًا. يعلم نصر الله أيضًا أنه لم يعد يستطيع أن ينكر الأزمة المالية التي ضربت منظمته بسبب العقوبات الأميركية. وهكذا أصبح الاعتراف بالأزمة أفضل من تجاهلها وبالتالي المخاطرة بتحول حالة الإحباط بين المجتمع الشيعي إلى غضب جماعي.
يشكو المجتمع الشيعي من صعوبات مالية ونقص خدمات منذ أعوام، وكان «حزب الله» يعد بحدوث تغيير إيجابي منذ شهور، بالإضافة إلى تطمينات بأن العقوبات لن تضر بالحزب أو المجتمع. ولكن بعد العلم بأن هذه الوعود لن تُنفذ، قرر «حزب الله» أن يسلك اتجاهًا جديدًا: إشراك المجتمع، وجعل الأمر كله متعلقًا بالمقاومة.
يعرف «حزب الله» أن الأمر الوحيد الذي يمكن أن يستجيب له الشيعة هو فكرة المقاومة. وهم يعرفون أيضًا أن المقاومة من النوع العسكري لم تعد مرغوبة بسبب الخسائر التي ستلحقها بالجماعة وبالشيعة وباللبنانيين بشكل عام. وبالتالي سوف تبدو المقاومة المالية حلاً أفضل.
قرر «حزب الله» أن يجعل الشيعة يشعرون بأنهم شركاء في حربهم ضد الولايات المتحدة وإسرائيل – وهي الحرب التي تحاصر «حزب الله» وإيران ماليًا وتجعل من الصعب للغاية عليهم أن يستمروا في مساعيهم باهظة التكاليف. وتعد دعوة المجتمع إلى التبرع لتنظيم كان فعالاً في الفترة التي انخرط فيها «حزب الله» بالكامل في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي، وسيلة «حزب الله» لكي يطلب من الشيعة أن يكونوا شركاء في مقاومته ضد إسرائيل.
ولكن هل يفلح الأمر؟ ليس بالضرورة. تخضع هذه الجماعة لعقوبات من الولايات المتحدة، ولا يستطيع كثير من الشيعة تحمل تكلفة التبرع إلى كيان خاضع لعقوبات مما يُعرضهم هم أيضًا للعقوبات. يظل بعض المتبرعين يمنحون النقود سرًا، ولكن سوف يتردد رجال الأعمال أصحاب التبرعات الكبيرة.
 
المزيد من الشكوى
وكما أنه من غير المرجح أن تُحل الأزمة المالية قريبًا، فسوف تزداد مشاعر الإحباط لدى الشيعة.
أعاد «حزب الله» كثيراً من المقاتلين من سوريا إلى الديار، وتحديدًا هؤلاء الذين كانوا يقاتلون على أساس عقود مؤقتة، ولم يعد التنظيم بحاجة إليهم. ولا يجد «حزب الله» التزامًا بتسديد أجور لهم بعد عودتهم. بالإضافة إلى ذلك، يشكو موظفو الأنظمة الإعلامية والتعليمية والطبية والعسكرية التابعة للحزب من فقدان أجورهم أيضًا، في تطور غير مسبوق بدرجة كبيرة. وأفادت تقارير بأن المقاتلين المتزوجين يحصلون على نصف رواتبهم فقط (والتي تترواح عادة ما بين 600 إلى 1200 دولار في الشهر) بينما يحصل المقاتل الأعزب على 200 دولار فقط في الشهر.
ويشير ذلك إلى أن الأزمة المالية التي يعاني منها «حزب الله» لن تتحول إلا إلى الأسوأ، وأن التبرعات التي يمكنهم الحصول عليها عن طريق هيئة دعم المقاومة الإسلامية لن تعوضهم عن كل الخسائر.
وعلى الرغم من أن الحزب يتطلع إلى الدولة اللبنانية ووزاراتها بصفتها مصدرا جديدا لتمويله ولشبكة خدماته، فإن لبنان ذاته في أزمة مالية مُلِحة ولا يوجد ما يشير إلى ما إذا كانت مساعدات مؤتمر سيدر سوف تصل أم لا، حيث إنها ذات صلة وثيقة بالإصلاحات التي من الصعب للغاية تنفيذها. وسوف يجد الحزب أنه من الأصعب الحصول على أموال الدولة، علمًا منه بأن المجتمع الدولي يتابع ويراقب عن كثب تصرفات «حزب الله» وعملياته داخل لبنان.
وفي النهاية، سوف يسأم الشيعة من هذه المحاولة الجديدة المتعلقة بالمقاومة، وسوف يصبح الطعام على المائدة ذا أولوية أهم كثيرًا.
 
فرصة العراق
في ظل عدم إمكانية اعتبار الدولة اللبنانية مصدرا مستداما للتمويل، تتطلع إيران و«حزب الله» إلى العراق، والفرص المالية التي يمكن أن يقدمها.
ذكر عدد من المصادر القريبة من النجف وقيادات شيعية أخرى في العراق أن كثيراً من الرواتب المخصصة لقوات الحشد الشعبي– تحديدًا هؤلاء الذين انضموا إلى الجيش العراقي– تذهب مباشرة إلى «حزب الله» في لبنان. وأشارت هذه المصادر إلى أن كثيراً من المواقع داخل قوات الحشد الشعبي وهمية وأنشئت كوظائف أشباح لذلك السبب تحديدًا. يشبه ذلك ما فعله رئيس الوزراء العراقي السابق برواتب الجنود الأشباح التي حصل عليها لنفسه.
بالإضافة إلى ذلك، وقَع العراق وإيران كثيراً من الاتفاقيات التجارية التمهيدية الأسبوع الماضي في أثناء زيارة الرئيس الإيراني حسن روحاني الأولى إلى العراق. ورأى كثيرون هذه الزيارة محاولة من إيران للتوسع في علاقاتها التجارية للمساعدة على تعويض العقوبات الأميركية المعاد فرضها.
وكان مكتب رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي قد أعلن أن روحاني وعبد المهدي وقعا عدة مذكرات تفاهم، من بينها اتفاقيات بشأن النفط والتجارة والصحة وخط سكة حديد يربط بين مدينة البصرة النفطية في جنوب العراق ومدينة شلامجة الإيرانية الحدودية. كما اتفقا أيضًا على إجراءات من شأنها التيسير على رجال الأعمال والمستثمرين في الحصول على تأشيرات.
وصرح مسؤول إيراني رفيع المستوى كان مصاحبًا لروحاني إلى وكالة «رويترز» للأنباء بأن العراق «قناة أخرى تتجاوز بها إيران العقوبات غير العادلة» وأن زيارته إلى بغداد سوف «تقدم فرصًا للاقتصاد الإيراني».
وبحسب ما ورد على موقع أخبار بيزنس العراق (Iraq Business News)، صرح الأمين العام لغرفة التجارة الإيرانية العراقية حميد حسيني بأنه تمت تسوية العقبات أمام التعاملات المصرفية بين البلدين المتجاورين، وأن التبادل التجاري الثنائي في وضعه الطبيعي. وقال المسؤول إن هناك عددًا كبيرًا من المشروعات التقنية والهندسية بقيمة تتراوح ما بين 7 إلى 8 مليارات دولار والتي تتولاها شركات قطاع خاص إيرانية في العراق لم تكتمل منذ صعود تنظيم داعش في عام 2014. على أمل أن تساعد زيارة روحاني على تناول هذه القضية.
وفي فبراير (شباط)، وقَع محافظا البنكين المركزيين الإيراني والعراقي اتفاقًا من أجل تطوير آلية سداد تهدف إلى تسهيل العلاقات المصرفية بين البلدين.
إذا استطاعت إيران الاستفادة من الساحة المالية العراقية وقطاعها المصرفي للتخفيف من الأزمة المالية، فسوف يستفيد منها «حزب الله» أيضًا.
* حنين غدار، باحثة زائرة في زمالة فريدمان الافتتاحية بمعهد واشنطن.