باسيل «قلب الأسد»

* الواقع المستجد منذ الطائف يتطلب مقاربة تخفّ فيها لغة التهديد والوعيد وأحلام العظمة التي عاشها الموارنة منذ إعلان لبنان الكبير عام 1920... مقاربة تأخذ بعين الاعتبار المتغيرات التي أفرزتها الحرب الأهلية، من أجل وضع تصور يؤمّن للبنان استقراراً سياسياً واقتصادياً لجميع أبنائه.
 

من المؤسف أن يراوح لبنان مربعه الطائفي في كل أموره، سواء كانت سياسية أم اقتصادية أم اجتماعية، رغم معرفة أكثرية اللبنانيين بأن جل مشاكلهم التي تقف عائقا أمام أي تقدم أو ازدهار للبلد، هي طائفية بامتياز. ويتساءل المرء أي رسالة هي تلك التي يراد للبنان أن يكون سفيرها، وأي نموذج للتعايش، إذا كان أسخف تعيين لموظف في آخر دائرة بالدولة يأخذ منحى مذهبياً ويمكنه أن يعطل عمل الحكومة على مدى أسابيع؟
يعيش لبنان على حافة ثلاث أزمات: مالية، واقتصادية، واجتماعية. تقاطع تلك الأزمات الثلاث يمكن أن يؤدي إلى انفجار داخلي صعب الاحتواء. هذا لا يثني الوزير باسيل الذي يعيش منذ انتخاب عمه رئيساً للجمهورية «حلماً» معطوفاً على «أنا مضخّمة»، بأن يدفع بالبلد من خلال خطابه إلى المزيد من الاحتقان الطائفي.
يتراءى لباسيل في هذا الحلم أنه أصبح الحاكم الأوحد في لبنان، وأنه أصبح ضميره، ونحّات سياساته الداخلية والخارجية، يأمر فيطاع، كلامه فيصل لا يحتمل النقاش، آراؤه منزّلة لا تحتمل الشك، عمله الوزاري منزّه من أي عمولة أو سمسرة، هو القاضي الذي يطارد فساد الجمهورية التي ملّت في انتظار مخلصها.
عناوين كبيرة وكثيرة يتناولها باسيل في كل مناسبة متاحة له للتعبير أو التصريح.
الفساد هو أحد المواضيع التي يتناولها ويتحدث عنها صهر الجنرال عون إلى جانب أزمة الكهرباء وملف النازحين.
في موضوع الفساد يريد باسيل محاربته مع مفارقة غريبة، تكمن في استثناء «حزب الله» من هذه الحرب، ومن أي اتهام بالفساد، وهو الفاسد الأكبر في لبنان والعالم، مآثره لا تنتهي من غسل أموال إلى تهرب جمركي وضريبي. هذا لا يعني باسيل أبداً، بل تراه يهاجم الفريق الذي عمل على إعادة إعمار ما هدّمه أمراء الحرب ومن بينهم عمّه رئيس جمهورية لبنان. هذا لا يعني أن من كان في السلطة أيامها لم يتجاوز حدّها في بعض الأحيان، إنما المحاسبة لا يمكن أن تكون انتقائية كما يريدها وزير الوزراء والحكومات والرؤساء والأحزاب. لا. هذا يعني أن هذا الوزير من حيث يدري أو لا يدي يساهم في توتير البلد طائفياً.
وفي موضوع الكهرباء، بغض النظر عن الحلول المطروحة من قبل وزارة تسلمها تياره السياسي منذ سنوات وحتى يومنا هذا من دون انقطاع، إن كان استجرار الطاقة من خلال بواخر يتم استئجارها بمبالغ مكلفة لخزينة الدولة - اتهم باسيل من قبل نائب في البرلمان اللبناني بتقاضي عمولة من أصحاب البواخر- أو الشروع في بناء معامل تغطي حاجة لبنان، يجدر على اللبناني السؤال ماذا فعل باسيل كل تلك السنوات في تلك الوزارة التي ما زالت تكلف مالية الدولة اللبنانية ثلث ميزانيتها تقريبا؟ ولماذا لم يقم وهو المصلح الأكبر بالتخلص من الفائض الوظيفي في وزارته أولا؟
أما في الملف الأكثر حساسية وهو ملف الهاربين من أتون الحرب السورية، فيريد باسيل التخلص منهم بأي ثمن وإرسالهم إلى سوريا. في هذا الموضوع بالذات لا المجتمع الدولي يريد تلك العودة الآن، ولا الرئيس الأسد نفسه، ولا السوريون اللاجئون عندهم الرغبة في العودة، خاصة بعد ورود أخبار من سوريا عن تعامل السلطات مع العائدين بشكل عنيف. مع هذا وكله يصرّ باسيل على التهديد بفرط عقد الحكومة إن لم تلب رغباته في إجبار اللاجئين السوريين على العودة إلى بلادهم. ولكن في إثارة هذا الموضوع من قبل باسيل والتيار الوطني الحر كثير من العنصرية والانتهازية. أما العنصرية فتبدو جلية في الخطاب والتغطية الصحافية التي تتحامل على الهاربين من براميل الأسد المتفجرة التي تلقى عليهم كل الأزمات التي يعيشها لبنان، مالية، اجتماعية واقتصادية. أما الانتهازية عند باسيل هذا، فهي ومن أجل التأثير على الناخب المسيحي ومحاكاة هواجسه من مغبة إبقاء السوريين في لبنان أو توطينهم ما قد يؤثر على الديموغرافية اللبنانية. من هنا يطرح باسيل نفسه وتياره على المسيحيين الحل لتلك المشكلة، من دون أن يأبه لتأثيرات خطاباته وملاحظاته العنصرية على البلد.
المشكلة عند باسيل تتخطى تلك المواضيع التي يقاربها لتصل للأداء بشكل عام، حيث يعتقد وفريقه أن مع عودة الجنرال من المنفى وانتخابه رئيساً للجمهورية عادت الأمور إلى نقطة ما قبل بداية الحرب الأهلية التي عصفت بلبنان منذ 44 عاما.
صحيح أن كل شيء كان مختلفا آنذاك بالمعايير الطائفية التي تتحكم بالبلد، من ناحية أعداد المسيحيين وتواجدهم في وظائف الدولة، وموقعهم الاقتصادي، ولكن هذا الأمر تغير مع انتهاء الحرب الأهلية لسببين، أولا هجرة المسيحيين الكثيفة من لبنان وبالتالي تضاؤل عددهم بشكل كبير وتقلص دورهم الاقتصادي نتيجة الهجرة، وثانيا بروز الطائفة الشيعية التي تمايزت عن الطائفة السنية وفرضت نفسها على المعادلة التي كانت قائمة قبل 1975 على تفاهمات سنية مارونية بوصفهما يمثلان المسلمين والمسيحيين. لا عودة الجنرال من المنفى ولا انتخابه رئيسا للجمهورية قد يغيران من واقع الأمور أو يبدلان في موازين القوى.
هذا الواقع المستجد منذ أعوام الطائف يتطلب مقاربة مختلفة من قبل باسيل وتياره تخفّ فيها لغة التهديد والوعيد وأحلام العظمة التي عاشها الموارنة بشكل أو بآخر منذ إعلان لبنان الكبير عام 1920 وحتى اندلاع الحرب الأهلية عام 1975. مقاربة تأخذ بعين الاعتبار المتغيرات الاجتماعية، والديموغرافية والسياسية التي أفرزتها الحرب الأهلية، كما إخفاقات الطائف من أجل وضع تصور يؤمّن للبنان استقراراً سياسياً واقتصادياً لجميع أبنائه.
هذا ما لن يتحقق لا مع عون ولا مع باسيل، لأنهما من أكثر المستفيدين من الواقع الطائفي في لبنان.