الفضاء الخارجي... ساحة للتعاون أم ميدان للقتال؟

القوة العسكرية الفضائية الأميركية... حرب نجوم جديدة أم سيطرة أميركية منفردة؟
* يأتي المسعى الأميركي لبناء القوة الفضائية تطبيقاً عملياً للمبدأ القائل: «من يملك الفضاء يملك الأرض»
* إجمالي الأقمار الصناعية الموجودة في الفضاء حتى عام 2017 بلغ 1419 قمراً، منها 146 قمراً يمارس مهام وأغراضاً عسكرية
* الولايات المتحدة الأميركية في صدارة الدول التي تمتلك أقماراً صناعية بإجمالي 576 قمراً، أما الصين فتأتي في المرتبة الثانية، بـ181 قمراً، في حين تمتلك روسيا 140 قمراً
* خطوة الولايات المتحدة بإنشاء قوة عسكرية فضائية من شأنها أن تثير التخوفات الدولية، وتحديداً لدى روسيا والصين بما ينقل الصراع من الأرض إلى الفضاء

باكو:«حين يتعلق الأمر بالدفاع عن أميركا، فليس كافياً أن يكون هناك وجود أميركي في الفضاء، بل يجب أن يكون لدينا سيطرة أميركية على الفضاء»، بهذه الكلمات التي جاءت على لسان الرئيس الأميركي دونالد ترامب، خلال اجتماعه مع مجلس الفضاء الوطني الأميركي في 18 يونيو (حزيران) 2018، وكانت بمثابة التوجيه لإنشاء قوة عسكرية فضائية كفرع سادس جديد للقوات المسلحة الأميركية بعد القوات البرية والبحرية والجوية ومشاة البحرية وحرس تسليح الفضاء، محدداً عام 2020 لتشكيل هذه القوة، الهادفة إلى المواجهة الفضائية لكل من الصين وروسيا باعتبارهما خطرين استراتيجيين على أمن الولايات المتحدة، كما عبر عن ذلك نائب الرئيس الأميركي مايك بنس، بقوله: «الصين وروسيا تجريان نشاطات عالية التطور في المدارات يمكن أن تمكنهما من جعل أقمارهما الاصطناعية تقترب من أقمارنا وهو ما يشكل أخطاراً جديدة غير مسبوقة على أنظمتنا الفضائية»، وهو ما أكده كذلك وزير الدفاع الأميركي بالوكالة باتريك شاناهان، بقوله: «تشكيل القوة الفضائية الجديدة يمثل لحظة تاريخية للولايات المتحدة وخطوة استراتيجية مهمة تضمن مصالح الولايات المتحدة في الفضاء، وتقدم فهما أكبر وأكمل للتهديدات الفضائية المتوقعة». ولم يقتصر الأمر على ذلك فحسب، بل ما تضمنه التقرير الصادر عن وكالة الاستخبارات العسكرية الأميركية «سي آي إيه» والمعنون بـ«تحديات للأمن في الفضاء»، وهو تقرير سنوي يصدر بشكل غير سري جاء فيه أن روسيا والصين بدأتا تنفيذ خطوات لتطوير قدرات عسكرية في الفضاء الخارجي للأرض.
وجدير بالذكر أن فكرة إنشاء قوة عسكرية فضائية ليست بجديدة، حيث سبق أن اقترحت لجنة برئاسة دونالد رامسفيلد، قبل أن يتولى منصب وزير الدفاع في إدارة الرئيس الأميركي الأسبق جورج دبليو بوش، لتقديم مقترحات لإصلاح القوة العسكرية الأميركية في عام 2000، إنشاء قوة مهمتها تعزيز الهيمنة الأميركية على الفضاء الخارجي، لكن الفكرة لم تنل نصيبها من المناقشة بسبب أحداث الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) 2001، وخوض الولايات المتحدة حربي أفغانستان 2001 والعراق 2003، ليعاود الرئيس ترامب البدء في اتخاذ الخطوات العملية نحو إنشاء هذه القوة الفضائية العسكرية.
وإذا كان صحيحا أن الإقدام على هذه الخطوة ليس بالأمر السهل في ظل وجود بعض الأصوات المعارضة خاصة داخل أروقة الكونغرس، إذ تنقسم الآراء بين معارض للفكرة يرى أن مثل تلك القرارات سوف تستهلك ميزانيات مادية كبيرة وأن إنشاء قوة فضاء لا داعي لها ومكلفة وعديمة الجدوى، إذا ما قورنت بتأسيس سلاح الجو الأميركي عام 1947، أما المؤيدون للفكرة فيرونها خطوة نحو بسط النفوذ والهيمنة، وأنه يجب تخصيص مزيد من الموارد لقوة فضاء أو قيادة فضاء لمواجهة منافسي الولايات المتحدة مثل روسيا والصين اللتين تستعدان على نحو متزايد فيما يبدو لضرب القدرات الأميركية في الفضاء في حال نشوب صراع. وإذا كان هذا الانقسام من شأنه أن يؤجل تصويت الكونغرس على هذه الخطوة، إلا أنه لم يمنع البيت الأبيض وبالتعاون مع قيادات الأمن القومي في البدء باتخاذ خطوات لإنشاء هذه القوة، وذلك من خلال أربع خطوات محددة، تتمثل فيما يأتي:

  • إنشاء قيادة جديدة باسم قيادة الفضاء العسكري لتكون ذراع البنتاغون الرئيسية في تولي مهمة كل العمليات القتالية في الفضاء.
  • إنشاء قوة عمليات الفضاء التي ستضم في عضويتها نخبة من أفراد الجيش الأميركي يكون تركيزها على الصراع في الفضاء.
  • إنشاء وكالة تطوير الفضاء مهمتها مساعدة البنتاغون في الحصول على الأسلحة المؤهلة للقتال في الفضاء.
  • ضمان توفير القيادات المؤهلة وفريق العمل الداعم لتولي المهام اليومية لعمليات البنتاغون في الفضاء.

 
القوة العسكرية الفضائية... قوامها وتكلفتها المتوقعة
يأتي المسعى الأميركي لبناء القوة الفضائية تطبيقا عمليا للمبدأ القائل إن: «من يملك الفضاء يملك الأرض»، ولذا يتشكل قوام القوة الفضائية – طبقا لما هو معلن في التشريع المقترح والمقدم إلى الكونغرس الأميركي - من حزمة متنوعة من الأقمار الصناعية تتعدد وظائفها ما بين الاستطلاع بالتصوير الرقمي، أو الأقمار الصناعية المختصة بالإنذار المُبكر، والأخرى المزودة بنظام القصف المداري التي يطلق عليها مُصطلح القنابل المدارية. وذلك بموازنة حدها الأدنى مليارا دولار تتولى التعامل مع التهديدات خارج الغلاف الجوي، على أن تصل قوة عمل هذه القوة إلى حدود 15 ألف شخص خلال السنوات الخمس الأولى، ويخصص مبلغ قدره 73 مليون دولار لبناء مقر لهذه القوة.
 
القوة العسكرية الفضائية الأميركية... خطوة نحو عسكرة الفضاء
لم تكن الخطوة الأميركية الأخيرة هي الأولى من نوعها نحو عسكرة الفضاء إذ شهدت ثمانينات القرن المنصرم حلبة أولى من الصراع الأميركي الروسي، حينما تسابق الطرفان فيما بينهما للسيطرة على الفضاء وبسط أقمارهما الصناعية، ذلك التسابق الذي بدأت خلال مرحلة الحرب البادرة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي سابقا عندما أعلن الرئيس الأميركي الأسبق رونالد ريغان عن وضع برنامج للدفاع الصاروخي في الفضاء، يحمل اسم «مبادرة الدفاع الاستراتيجي» لاستخدام الأرض والنظم الفضائية لحماية الولايات المتحدة من هجوم بالصواريخ الباليستية النووية الاستراتيجية، الأمر الذي دفع الاتحاد السوفياتي لتطوير واختبار أسلحة مضادة للأقمار الصناعية. صحيح أن هذه الحرب كانت لها انعكاساتها السلبية على قوة الاتحاد السوفياتي بل كانت واحدة من العوامل الأكثر بروزا في انهياره لتنتهي الحرب الباردة ببروز القطب الأوحد ممثلا في الولايات المتحدة. إلا أن التحولات التي شهدتها روسيا منذ مجيء الرئيس فلاديمير بوتين، عام 2000، وإعادة بناء دولته على أسس جديدة تمكّن خلالها من استعادة جزء كبير من الدور الروسي عالميا، وكانت العودة الروسية للاهتمام بالفضاء ضمن أولويات الدولة بإعادة برامجها الفضائية، لتطلق 15 قمراً صناعياً عسكرياً، منذ عام 2005، مملوكة لوزارة الدفاع، ومخصصة للتجسس والإنذار المُبكر، فضلاً عن منظومة أقمار تتشكل نواتها من 24 قمراً صناعياً تحلق جميعها حول الكرة الأرضية في 3 مدارات بهدف احتلال مساحات من الفضاء الكوني. ولم يقتصر الأمر على ذلك فحسب، بل مثل عام 2014 نقطة تحول في الاهتمام الأميركي بالقدرات الفضائية الروسية وذلك تزامنا مع إطلاق روسيا قمرا صناعيا وصف «بالغامض»، تحت اسم «Object 2014 - 28E» والذي يعد بمثابة عودة الروح إلى القوة الفضائية الروسية التي تأسست عام 1992 كفرع من فروع القوات المسلحة الروسية، واشتركت وقتها مع وكالة الفضاء الروسية في السيطرة على الميناء الفضائي «باكينور» في جنوب كازاخستان، وهو أول وأكبر منشأة تشغيل ومركز عمليات فضائي في العالم، قبل أن يتم حلها في 1997، لتعود جزءاً من قوات الصواريخ الاستراتيجية. وبعد توقف دام أربعة أعوام، عادت القوات الفضائية الروسية للحياة كقوة مستقلة عام 2001 ولكن باسم جديد وهو قوات الدفاع الفضائي، لتستمر في تنفيذ برامجها لمدة 10 أعوام، قبل أن تتوقف عن العمل مرة أخرى عام 2011. ليتم مؤخرا اتخاذ قرار بإعادة تشكيل قوات الفضاء الروسية بعد دمجها مع قوات الدفاع الجوي، لتعاود تنفيذ مهامها وتستأنف برامجها من جديد، كفرع خامس مستقل من فروع القوات المسلحة الروسية الأساسية الأربعة، وهو ما أشار إليه رئيس لجنة الدفاع والأمن بمجلس الاتحاد الروسي «فيكتور بونداريف» بقوله: «قمنا بتشكيل هذا الفرع من خلال توحيد القوات العسكرية الجوية وقوات الدفاع الجوي والقوات الفضائية، أي عن طريق تغييرات هيكلية» نافيا ما يتردد على أن هذا الأمر يدخل ضمن ما يسمىـ: «عسكرة الفضاء».
وفي السياق ذاته وتزامنا مع الخطوة الروسية عام 2014. نشرت كثير من التقارير التي تتحدث عن إقدام الصين على إنشاء قوة عسكرية فضائية، لتكون بمثابة الفرع الخامس للقوات المسلحة بعد القوات البرية والجوية والبحرية والمدفعية، خاصة مع نجاح بكين في إرسال القمر «جاوفن 4» إلى الفضاء، في ديسمبر (كانون الأول) 2015. وهو ما قوبل بالنفى من جانب الصين التي أكدت على أن الهدف الرئيسي من القمر هو التنبؤ بالكوارث الطبيعية، إلا أن إمكانياته المتقدمة تسمح له بأن يرصد بشكل دائم مساحة تبلغ نحو 7 آلاف كيلومتر مربع، وتتخذ من الصين مركزاً لها، الأمر الذي يتيح للقمر مراقبة التحركات في جميع الدول المحيطة بالصين، والمحيطين الهادي والهندي، وصولاً إلى الشرق الأوسط، وشرق أوروبا، وهو ما أشار إليه تقرير مجلة «بوبيلر ساينس» العلمية الأميركية، والمنشور في يناير (كانون الثاني) 2017. جاء فيه أن «هذا القمر الجديد سيسمح للصين بمراقبة المواقع الاستراتيجية لعدد من الدول، مثل مرافق أسلحة الدمار الشامل والقواعد البحرية، كونها تقع داخل نطاق رصد القمر».
ولكن لا يعني هذا النفي الصيني وقوفها مكتوفة الأيدي أمام ما يجري في الفضاء، وهو ما أشارت إليه صحيفة «تشاينا ديلي» التابعة للحكومة الصينية، نقلا عن خبير عسكري، من قلق الصين من تحركات أميركية ودولية نحو عسكرة الفضاء، مشيراً إلى ضرورة أن تتخذ الصين إجراءات تمكنها من التعامل مع العمليات العسكرية في الفضاء. وقد بدأت الصين بالفعل في انتهاج هذا المسار، إذ دخلت الصين خلال العقد الأخير الساحة الفضائية، محققة طفرة في امتلاكها الأقمار الصناعية العسكرية القادرة على العمل بكفاءة على جميع المستويات المدارية، حيث زاد عدد الأقمار الصناعية والمركبات الفضائية الصينية في الفضاء على 36 مركبة، وصلت إحداها في يناير (كانون الثاني) 2019 إلى سطح الجانب البعيد من القمر في سابقة هي الأولى من نوعها.


 
عسكرة الفضاء... مخاطر غير متوقعة
ليست مبالغة القول إن إقدام الولايات المتحدة الأميركية على خطوة إنشاء قوة عسكرية فضائية تؤكد على أن الفضاء واستخداماته وإن ظل ساحة للبحث والاكتشاف العلمي، إلا أنه في الوقت ذاته مثل ميدان للتنافس العسكري منذ نهاية خمسينات القرن المنصرم، مع استخدام الأقمار الصناعية في التجسس، وتوفير المعلومات للحكومات والجيوش المختلفة، أي منذ أن أطلق الاتحاد السوفياتي قمر «سبوتنيك 1»، كأول قمر صناعي للأغراض العسكرية، وردت عليه الولايات المتحدة الأميركية في منتصف 1959. حينما أرسلت قمرها التجسسي الأول الذي كان يحمل اسم «ديسكفر» وذلك في إطار برنامجها المعروف باسم «كورونا».
الأمر الذي يطرح التساؤل من جديد بشأن مستقبل الفضاء العالمي في ظل إنشاء القوة العسكرية الفضائية الأميركية هل سيتحول الفضاء إلى ميدان لحرب ثلاثية الأطراف (الولايات المتحدة الأميركية وروسيا والصين) أم ستدرك هذه الأطراف مدى الانعكاسات السلبية المدمرة للبشرية جمعاء إذ ما انتقل مسرح الحرب إلى الفضاء الخارجي؟ خاصة أن ما جرى في ثمانينات القرن المنصرم فيما عرف آنذاك بحرب النجوم ظل في بدايته حيث تراجعت الإدارة الأميركية آنذاك عن استكمال برنامجها مع انهيار الاتحاد السوفياتي وتفككه، وهو ما يعني أن الحرب السابقة في الفضاء لم تكتمل، الأمر الذي يفتقر فيه الجميع إلى خبرة تاريخية تسهم في التحذير من مغبة الإقدام على مثل هذه الخطوة التي تشهد تطورا أكثر خطورة في اتساع ساحة المعركة لتضم فاعلا ثالثا جديدا إلى جانب الفاعلين السابقين، الأمر الذي يجعل من الصعوبة بمكان وضع سيناريوهات لما يمكن أن تؤول إليه الأوضاع إذا لم تدرك تلك الأطراف مجتمعة خطورة التمادي في مثل هذه السياسات التصادمية.

ملخص القول: إن الفضاء سيصبح في ظل القرار الأميركي الأخير بإنشاء القوة العسكرية الفضائية، ميداناً للقتال، الأمر الذي ترفضه كل من روسيا والصين اللتين تقدمتا بمعاهدة حول الوقاية من نشر السلاح في الفضاء، واستخدام القوة ضد أجسام في الفضاء أو التهديد بذلك، مطالبين برفضهما تحويل الفضاء الخارجي لساحة حرب كما جاء على لسان هوا تشون يينغ، المتحدثة باسم وزارة الخارجية الصينية، بأنه: «من المثير للقلق والجدير بالانتباه إليه على وجه الخصوص أن الولايات المتحدة وصفت الفضاء الخارجي بأنه منطقة حرب وأعلنت تأسيس قوة مستقلة للفضاء الخارجي في محاولة لمواصلة تدريبات القتال الخاصة بها... وأدت هذه الخطوات إلى خطر متزايد من تسليح الفضاء الخارجي وتحويله إلى ساحة معركة»، وهو الموقف ذاته الذي تبنته روسيا في رفضها لإقدام الولايات المتحدة على هذه الخطوة محذرة من انعكاساتها على الأمن والسلم الدوليين.
ولكن من الواضح أن الخطابات المتبادلة بين الأقطاب الثلاثة مجرد شعارات يسعى كل طرف منهم إلى اتخاذ الاستعدادات كافة لمواجهة المخاطر التي تمثلها الأطراف الأخرى، بما يعني أن قادم الأيام سيشهد مزيدا من الصراع بين الأقطاب الثلاثة دون توقف كما يشير إلى ذلك تقرير إحصائي صدر حديثا عن اتحاد أميركي مهتم بالفضاء يطلق عليه «اتحاد العلماء المهتمين» (UCS)، أشار إلى أن إجمالي الأقمار الصناعية الموجودة في الفضاء حتى عام 2017 بلغ 1419 قمراً، منها 146 قمراً يمارس مهام وأغراضاً عسكرية، وتأتي الولايات المتحدة الأميركية في صدارة الدول التي تمتلك أقماراً صناعية بإجمالي 576 قمراً، أما الصين فتأتي في المرتبة الثانية، بـ181 قمراً، في حين تمتلك روسيا 140 قمراً.
من كل ما سبق، يمكن القول: إن الخطوة التي أقدمت عليها الولايات المتحدة بإنشاء قوة عسكرية فضائية من شأنها أن تثير التخوفات لدى الأطراف الدولية الأخرى وتحديدا روسيا والصين للإسراع بامتلاك قدرات مماثلة بما ينقل الصراع من الأرض إلى الفضاء ليبدأ سباق عسكرة الفضاء، انتظارا لتوافق هذه الأطراف على كيفية التسوية السلمية لمشكلاتهم في الفضاء وإلا كانت البشرية على موعد جديد مع حرب لا يقدر أحد مخاطرها وتهديداتها.
 
 


اشترك في النقاش