حنين القطع الفنية لوطنها الأصلي

جدلٌ حول مقتنيات المتاحف الكبرى في العواصم الأوروبية القديمة
* في وقتٍ تجدد فيه النقاش حول السيطرة وافتراضات التفوق الثقافي في الغرب، أصبح من السهل أن نعي سبب شعور المتاحف حيث تتم محاربتها
* أول ما يتعلمه المرء الحاجة إلى التعاطف الإنساني الأساسي فمن دونه يتساءل المرء كيف يمكنه أن يعطي قيمة للفن أصلاً
* أفضل علاج للحنين إلى الوطن هو معرفة أن «الوطن» قد أصبح مؤخرًا بيئة معادية
* يمكن للمرء أن يكون ممتنًا لوجود بعض الفنون اليدوية في الأماكن التي وضعها فيها القدر أو الذوق أو المال. والشعور بالذنب في مثل هذه الحالات يكون تعذيبًا للنفس ليس أكثر.

لم تعد المتاحف هي تلك المؤسسات الموقرة التي كانت في السابق؛ إذ تتعرض اليوم لضغط متزايد لإعادة كثير من الكنوز التي تعرضها على أساس أنه تم سلبها من البلدان الأصلية أو ربما سُرقت أو تم شراؤها بقيمة كومة من الخرز وأنها تنتمي إلى الدول التي نُقلت منها. وطالبت السلطات المصرية باسترجاع تمثال نفرتيتي في برلين وحجر رشيد في لندن لأن هذه القطع الأثرية تعود في الأصل لأسلافها القدامى. وتم عقد قمة عام 2017 لمناقشة إعادة بنين برونز إلى نيجيريا. ودعا مؤخرًا وفدٌ زائر من جزيرة القيامة إلى إعادة أحد رؤوسها الحجرية إلى موطنها الأصلي. وتطالب مجموعات من السكان الأصليين بإرسال أجزاء أجسام أسلافهم إلى الجزيرة، ومنذ أن تم شحنهم إلى إنجلترا برزت مطالبات لإعادة ما يسمى «رخام إلجين» التي أخذ اللورد إلجين قطعًا منها من معبد البارثينون. وقد يكون الوقت الراهن من أصعب وأكثر الأوقات التي أثير فيها جدلٌ حول مقتنيات المتاحف الكبرى في العواصم الأوروبية القديمة.
اشتكت أليس بروكتر بمرارة من أن المتاحف كانت أوعية من «الخيال الاستعماري والإمبريالي»، وذلك في مقال نُشر مؤخرًا في صحيفة «الغارديان» بتاريخ 20 فبراير (شباط) 2019، ونلاحظ أن الصحيفة دقيقة للغاية في تغطيتها للقضية. وبالإضافة إلى كونها مؤرخة فنية في كلية أوكسفورد الجامعية، تعمل بروكتر كدليل غير رسمي وتدير مؤسسة (Uncomfortable Art Tours) التي تهدف إلى تعريف الزائرين بأصول كل القطع الأثرية التي يرونها من حولهم. ومن غير المستغرب أن لا تتفق جيدًا مع أصحاب المتاحف وتزعم أن ذلك بسبب أنها «مؤسسات حريصة ومصابة بجنون العظمة إلى حد العداء». وكل ما تطلبه أن يكون حراس هذه الآثار صادقين بشأن المصادر والأماكن التي حصلوا عليها منها وكيف فعلوا ذلك، وتقول: «اسمحوا للناس بالرد وسماع الأذى والضرر الذي تخلّده مجموعاتكم فعليًا». وفي وقتٍ تجدد فيه النقاش حول السيطرة وافتراضات التفوق الثقافي في الغرب، أصبح من السهل أن نعي سبب شعور المتاحف حيث تتم محاربتها.
فإذن، إلى أين تنتمي القطع الفنية؟ تنشأ المشكلة في بعض الحالات من السهولة النسبية لنقل القطع الفنية كاللوحة الزيتية مثلاً. فعندما سُرقت لوحة الموناليزا من متحف اللوفر عام 1911. تبين أن الجاني كان إيطاليًا وأخذها بعيدًا إلى فلورنسا لأنه كان يعتقد بأن الفرنسيين سرقوا اللوحة من هناك. وفي الواقع، إذا كان لا بد للوحة الموناليزا أن تكون مسروقة، فالجاني الفعلي هو الفنان نفسه الذي أخذها معه إلى فرنسا عام 1516 وباعها إلى الملك فرنسوا. وسيكون كافيًا لتعذيب أي مواطن إيطالي أن يعلم أن ليوناردو كان نفسه سارق قطعته الفنية. ولتفاقم الخطأ، توفي ليوناردو الغدّار في المكان الخطأ، مما أثار طرح سؤالٍ دقيقٍ حول من يجب أن يخلد ذكرى وفاته بعد 500 عام. لا يكفي أن نسأل إلى أين تنتمي اللوحات. بل يجب أيضًا طرح السؤال نفسه على انتماء الفنانين. وفي 2 فبراير 2019. نشرت صحيفة «الغارديان» أن جهود التفاوض قد تزايدت مؤخرًا لتهدئة الجدل الذي نجم عن عضو حزب الرابطة ونائب وزير الثقافة الإيطالي لوشيا بورغونزوني عندما اقترحت أن تلغي حكومتها «إعارة» بعض اللوحات الرئيسية لدافنشي وسحبها بعد أن كانت المتاحف الإيطالية وافقت على ذلك قبل عامين، متهمة فرنسا بمحاولة الهيمنة على احتفالات ليوناردو و«تهميش إيطاليا في حدث ثقافي كبير». ولتوضح وجهة نظرها، أضافت بورغونزوني قائلة: «ليوناردو إيطالي وكل ما هنالك أنه مات في فرنسا فقط».
ومن المؤكد أنها ليست سوى مسألة وقت قبل أن تتجدد الدعوات لعودة لوحة الموناليزا إلى منطقتها الإيطالية الأصلية بغض النظر عن حقيقة أنها لا تظهر أي علامة واضحة على أنها تشتاق لهم.
وتستمد هذه النبرة وملحوظة القومية المنكوبة من آيديولوجيا مختلفة تمامًا عن تلك التي تتكلم بها أليس بروكتر والتي تعتبر أكثر صخبًا بقليل. وفي الواقع، تأتي هذه الأصوات من اتجاهين مختلفين تمامًا. فالأول قومي متطرّف والثاني مضاد للإمبريالية. وتتعرض المتاحف للهجوم من اليسار واليمين إذ تهدد كلتا الآيديولوجيتين ادعاءات المتاحف التي تصفها بروكتر «بحلم المجمعين النظيف». يجب أن يشعر أمناء المتاحف بأنهم يمشون على طول حافة البحر، حيث يستمر مد التاريخ في الانحسار عن اليابسة مما يفسح المجال لظهور المزيد من الرمال تحت أقدامهم.
ولكن لماذا يخافون فعليًّا؟ سأسلط الضوء على ثلاثة أمثلة مختلفة من القطع الأثرية التي لم تعد متواجدة حيث تم تصنيعها في البداية. أولاً، علي الأخذ بعين الاعتبار الجسم الحجري الضخم الذي يبدو مشتاقًا بالفعل للعودة إلى جزيرة القيامة (موطنه الأصلي). ثم سأعود إلى أقدم قطعة فنية أثير عليها جدل كبير ويعود تاريخها إلى اللحظة التي تمت فيها إزالة تماثيل البارثينون من أثينا. ويخاطب اللورد بايرون اليونان في المقطع الثاني من قصيدة في كتاب «أسفار شيلد هارولد» الذي تم نشره بين سنة 1812 و1818، ويقول:
«ذابلة هي العين التي لا تبكي لرؤيتها جدرانك المشوهة وأضرحتك المدمرة على أيدي البريطانيين..».
وبقيت هذه الحجارة الرائعة، على الرغم من كونها مفتتة، لمدة 200 عام في الغرفة رقم 18 في المتحف البريطاني وهي بالتأكيد من أكثر الأمثلة المعروفة في العالم بحنينها إلى وطنها.
وأخيرًا، سأنظر في لوحة رسمها كارافاجيو ولدي نقطة ضعف تجاهها. وكونها لوحة فنية فمن الممكن أن تكون في أي مكان ولكن آمل فقط، لأسباب أنانية بحتة، أن تظل كما هي.


 
مطالبات سكان جزيرة القيامة
جزيرة القيامة المكان الذي لا يمكن بالتأكيد لمعظم الناس الوصول إليه. وتُعرف الجزيرة بحسب سكانها بـ«رابا نوي»، وهي تابعة لدولة شيلي ولكنها تقع على بعد آلاف الأميال من ساحلها في وسط المحيط الهادي. وقد لمحها الأوروبيون لأول مرة في أواخر القرن الثامن عشر، وكان سكانها ينحدرون من جزيرة بولينيزيا. ولاحظ الأوروبيون أن الجزيرة- التي بالكاد فيها أشجار- مليئة بالرؤوس الحجرية العملاقة المنحوتة من الصخور البركانية المحلية والمنقولة إلى مواقعها الحالية (ويقول البعض إنها مشت إلى هذه المواقع). بعضها متموضع على شكل صف والبعض أعينهم متوجهة نحو البحر والبعض الآخر بلا عيون أصلاً.
وشكل هذه الرؤوس مزعج نوعًا ما وكأنها مسكونة، وبمجرد رؤيتها يصعب نسيانها. وجوههم طويلة وحواجبهم كثيفة وتم تحديد شفاههم وكأنها عابسة وتعابير وجههم كئيبة. ويبدو الأمر كما لو أنهم تخلوا منذ زمن طويل عن المشاعر الإنسانية العادية وكأنهم يشعرون بخيبة أمل من العالم وعقولهم كانت مشغولة بأمورٍ أهم.
ومن الصعب تصديق أن سلفادور دالي لم يرَ أحد هذه الرؤوس وربما كان يتذكرها دون أن يعرف أين شاهدها بينما كان يرسم لوحة النوم. فالرأس المرسوم في هذه اللوحة لديه نفس النظرة الصارمة العميقة وهو معلق بسلسلة من الدعائم الرقيقة التي تبدو وكأنها قد تقع في أي لحظة. الوجه مجرّد والعينان غارقتان في بركة من الظل والأهم من ذلك كله أنه يرتدي نوعًا من الحجاب حيث قد تكون الأذن عبارة عن ستارة صغيرة ذات طيات عمودية.
وإذا نظرت عن كثب إلى رؤوس جزيرة القيامة سترى أنه ليس لديها أذنان، ولكن بعضها لديه طرفٌ متدلٍّ طويل، حيث يجب أن تكون الأذنان. وهذه الأطراف المتدلية أطول من الستارة الصغيرة التي رسمها دالي وغامضة بنفس الدرجة. وعلى الرغم من أن الرؤوس منحوتة من الصخر ولكنها تشبه الرأس الذي رسمه دالي وتسبب عند رؤيتها شعورًا بالشك. وفي الواقع، تؤكد الأسطورة في الجزيرة أنه تم نقل الرؤوس عن طريق سحر امرأة عجوز لأنه لم يكن يوجد واسطات نقل من أي نوعٍ كان. وتقول النظريات التي تم إطلاقها مؤخرًا والتي يصعب تصديقها إنه بالفعل تم نقل التماثيل عبر الأرض عن طريق الحبال من المحجر إلى المنصات الطويلة التي يصطفون عليها. وتحمل بعض هذه الرؤوس حجارة غريبة من لون مختلف ولدى البعض الآخر عيون، كما لو أن الدعائم الضعيفة للنوم قد قُطعت وأيقظتها بوقاحة، وهي تتفحص المشهد المنكوب في جزيرتها. وتفيد نظرية بأنه تم استخدام الأخشاب في نقلها وأدى ذلك بالتالي إلى إزالة الغابات من المكان. كل ما في جزيرة القيامة وما تحمل من الرؤوس الحجرية غامض بما في ذلك تاريخ سكانها الأصليين، وكأنه حلمٌ منسي.
ومنذ أن اكتشف أحد هذه الرؤوس– المعروفة باسم «مواي»– بالقرب من الجزء الخلفي من المتحف البريطاني لم أتوقف عن العودة لرؤيته. ويطلق عليه اسم «هوا هاكانانايا»، ومن غير المؤكد ماذا يعني اسمه. قام البعض بترجمته على أنه «راكب الأمواج» أو «متحدي الأمواج» أو «المتفوق في ركوب الأمواج». وقد أطلق عليه أيضًا «صديق ضائع أو مسروق» وحتى «صديق مخفي» وذلك مع إمعان النظر في الماضي.
من الصعب أن نتخيل كيف يمكن للمرء أن يخبّئ تمثالاً مصنوعًا من الصخور البركانية ويبلغ طوله سبعة أقدام. ومع ذلك، فقد تمكن هذا الِمْثَالٌ الشَامِخٌ من البقاء غير ملحوظ في متحفٍ مليءٍ بالتماثيل العملاقة. ومع ذلك، بمجرد أن يتم إيجاده أو ملاحظته يصعب نسيانه إذ لديه التعبير الصارم نفسه الذي يظهر على وجوه إخوانه في الجزيرة الواقعة في المحيط الهادي. كما أن لديه حلمات غريبة منحوتة أيضًا على القليل من التماثيل الأخرى، ربما لأنها تفتقر إلى جذع الجسم، ويوجد على ظهره صخور منقوشة مرتبطة بعبادة الطيور في رابا نوي. ولديه نفس الأطراف المتدلية حيث يجب أن تكون الأذنان وليس لديه عينان بل يوجد وهجٌ فارغ تحت حاجبيه الكثيفتين تعبران عن استيائه الأبدي من المحيط المتواجد فيه. 


 
الحنين إلى الوطن: وباءُ في المتاحف الكبرى اليوم
إذن، كيف وصل هذا التمثال إلى هذه المنطقة البعيدة جدًا عن موطنه؟ وكيف يمكن أن يتم تقديمه قبل نحو 150 عامًا إلى الملكة فيكتوريا التي، بدورها، قدمته إلى المتحف البريطاني؟ وتم التأكيد على أن طاقم الفرقاطة «HMS Topaze» الذي كان مسؤولاً عن إحضار التمثال الذي يزن أربعة أطنان إلى الشواطئ البريطانية لم يفكر حتى في طلب الإذن. فقد اختاروه ببساطة كواحد من أفضل الأمثلة على نوعه وذهبوا به. وكانت تلك أيام مجد الإمبراطورية. ففي ذلك الوقت، بدا الأمر وكأنه نوع من أنواع الخداع أو القصص التي يمكنك تداولها لسنوات في أندية الرجال فقط في المدينة.
وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2018، حضر وفد من الجزيرة في نفس المدينة وتوجه مباشرة إلى التمثال. وكان من بين أعضائه حاكمة الجزيرة تاريتا ألاركون رابو، التي تقدمت بنداءٍ عاطفي لإعادة التمثال. وقالت رابو: «لم تتح الفرصة لجدتي التي توفيت في عمرٍ يناهز90 عامًا لرؤية أسلافها». وأضافت بعينين دامعتين: «عمري تقريبًا نصف قرن وهذه هي المرة الأولى التي أرى فيها مواي».
وقد يُسأل عن سبب الاشتياق الكبير لهذا التمثال بالتحديد. ففي النهاية، يوجد ما يقرب من 900 تمثال ويقدر البعض وجود أكثر من ألف من هذه التماثيل الموزعة في جميع أنحاء الجزيرة.
أول ما يتعلمه المرء في مثل هذه الحالات الحاجة إلى التعاطف الإنساني الأساسي فمن دونه يتساءل المرء كيف يمكنه أن يعطي قيمة للفن أصلاً. إلا إذا كنا مصرفيين ونتطلع إلى استثمار احتياطيات نقدية ضخمة في أشياء تقدر ماليًا. وكانت الطريقة التي تحدثت فيها الحاكمة عن مواي تبعث إلى الانتعاش نظرًا إلى الحالة الفاسدة التي وصلت لها أسواق الفن في العالم. وقالت لصحيفة «الغارديان» في 20 نوفمبر 2018: «أظن أن أبنائي وأطفالهم يستحقون فرصة أن يشعروا به ويروه. جئنا إلى هنا لكننا لسنا سوى جسم وروحنا موجودة لديكم أيها الإنجليز».
وبالنسبة إلى أمناء المتاحف، يكون يومهم سيئاً للغاية عندما يأتي شخصٌ ما ليطالب بعودة روحه. ومع ذلك، فإن الإشارات الأولية تظهر أن الحاكمة المفجوعة ستصاب بخيبة أمل. وقالت متحدثة باسم المتحف إن أكثر ما يمكن أن يقدمه لها هو قرض عن التمثال. وشرحت قائلة: «يعد المتحف أحد المقرضين الرئيسيين في العالم وسينظر الأمناء دائمًا في طلبات القروض وفقًا للشروط المعتادة». وللأسف، لم ينتظر الوفد الحصول على قرض مقابل تمثالهم.
ومنذ ذلك الحين، نشرت صحيفة «الغارديان» مزيدًا من التطورات وقالت إنه توجد الآن مخاوف من أن الكثير من التماثيل في رابا نوي معرضة لخطر الانهيار تحت ما يسمى الجذام الحزازي الذي يؤثر على أسطح التماثيل ويترك بقعًا بيضاء تؤدي إلى تفتتها. وقالت الصحيفة في 1 مارس (آذار) 2019: «يجب أن تقاوم التماثيل أيضًا التآكل الساحلي وارتفاع مستويات البحر الذي سيزداد سوءًا مع تغير المناخ والرياح الشديدة والأضرار الناجمة عن الماشية المتجولة بحرية وذلك بعد أن صمدت أمام الكثير من العناصر الطبيعية لأكثر من 500 عام».
والأهم من ذلك أن رئيس بلدية جزيرة القيامة بيدرو بابلو آدموندز باواو قد توقف عن المطالبة بإعادة التمثال. وفي المقابل، أشار إلى أنه يمكن لـ«هوا هاكانانايا» أن يكون سفيرًا للجزيرة في بريطانيا مقابل مدفوعات منتظمة تدفعها الحكومة البريطانية لضمان الحفاظ على مظاهرها البعيدة. وقال باواو: «سنربح أكثر من ذلك بكثير».
من يدري، قد يستطيع المتحف اللجوء إلى حجة اللورد الجين الكلاسيكية والادعاء بأنه يحتفظ بالقطعة ليراها العالم، فقط من خلال إبقائها في منطقة بلومزبري. وأن أفضل علاج للحنين إلى الوطن هو معرفة أن «الوطن» قد أصبح مؤخرًا بيئة معادية.
 
رخام البارثينون
احتدم الخلاف بين اليونانيين والاتحاد الأوروبي يوم 12 يوليو (تموز) 2015. وصوتت البلاد ضد شروط خطة الإنقاذ الأوروبية في استفتاءٍ دعت إليه الحكومة الشعبوية الجديدة حينها ويدور اليوم حديث مفتوح عن بيع الأصول اليونانية لإنقاذ البلاد من الإفلاس. وبحسب برنامج «بي بي سي»، المعنون: «أوروبا في الداخل: عشر سنوات من الاضطراب»، فقد تدهورت الأوضاع في اليونان لدرجة أنه «تم اقتراح أن تبيع اليونان حتى البارثينون» مع التشديد على كلمة «حتى».
ويبدو الأمر كما لو أن الفكرة بحد ذاتها كانت مروعة لدرجة أن أحدًا لم يجرؤ على التعبير عنها. والمقرض وحده من يستطيع أن يكون وحشيًا لهذه الدرجة. 
معبد البارثينون: مجرد فكرة تدنيس مثل هذا النصب التذكاري لأثينا التي أسسها بيريكليس ولأول ديمقراطية في التاريخ الأوروبي ولفن فيدياس كافية لإقلاق أي أوروبي. كيف يمكن أن يحصل مثل هذا الأمر؟ ومع ذلك، فمن غير المحتمل وحتى خلال لحظة التفكير فيما لا يمكن تصوره، أن يفكر أي شخص بجدية في أنه سيتم إزالة المعبد بأكمله من أكروبوليس وإرساله، مثل جسر لندن القديم، إلى مكان بعيد لن يراه الأثينيون الفقراء مرة أخرى. كلا، فالمصير المحتمل لهذه الجزر وغيرها من الجزر غير المأهولة أن يشتريها ملياردير ويحولها إلى ربحٍ له مثلها مثل كل أصول الدولة الأخرى التي عولجت بهذا الشكل منذ فجر الليبرالية الجديدة.
ولم يتحقق ذلك أبدًا. لقد تخلى اليونانيون عن نضالهم وقبلوا حزمة تقشف أسوأ من تلك التي رفضوها في استفتائهم وظل المعبد ملكًا لهم. وهو أثرٌ ملموسٌ أكثر من الوضع المالي السيِّئ الذي لم يتخلصوا منه.
ولم يحالف اليونانيين الحظ في الماضي، أي قبل أن يتمكنوا من التخلص من أغلال الإمبراطورية العثمانية. والمعروف أنه قبل أن يسمع أي شخص عن عمليات الإنقاذ وحزم التقشف، قام شخص اسكوتلندي بنقل أجزاء كبيرة من معبد البارثينون باسم اللورد إلجين، سفير القسطنطينية. ولم ير اليونانيون في تلك الفترة الزمنية حتى عائدات البيع لأنها تمت على رشاوى، انتهى بها المطاف في جيوب الأتراك. ووفقًا لتصور شخص من الخارج، قد تبدو عملية سرقة القطع الفنية وكأنها الأكثر جرأة مقارنة بعمليات السرقة في كل العصور، ولكن ذلك سيكون بمثابة حكمٍ مسبق على القضية برمتها وقد يجعل إلجين يبدو أكثر شهرة مما كان أصلاً.
وفي كتابه بعنوان «رخام بارثينون»، يدين الراحل كريستوفر هيتشنز- المعارض بامتياز- إلجين مجددًا، ولكن المفاجئ كان قلة استخدامه لأسلوب المعارضة الحاد. وبدلاً من ذلك، كشف بروية عن القصة المؤسفة لسفير القسطنطينية الذي تجاوز حدود سلطته ونهب أثمن لجواهر من أكروبوليس وذلك بمساعدة فرمان نشرته السلطات العثمانية وبعض المتواطئين معه.
وتحتوي القصة على أكثر من نصيبها العادل من «ماذا لو». فعلى سبيل المثال، ماذا لو ترك إلجين الرخام مكانه؟ هل كان سيبقى فعليًا؟ وماذا لو أخذ الرسام تيرنر إلى أثينا لتسجيل الآثار بدلاً من أخذ المصور الذي لم يكن الحظ حليفه حينها باسم جيوفاني لوزييري؟ واعترف لوزييري بنفسه في رسالة إلى إلجين قال فيها إنه على الرغم من تمكنه من إزالة حقل المنحوتة الثامن (لوحة تصور قنطورًا يحمل امرأة)، فقد «اضطر إلى أن يكون همجيًا قليلاً». وماذا لو كان المتعاونون الآخرون في السرقة- وصي المتحف البريطاني ويليام هاميلتون، ورجل القماش القس فيليب هانت- أقل امتثالاً؟ ويبدو أن هانت على الأقل كان حريصًا جدًا على الإرضاء واقترح في مرحلة ما إزالة تماثيل عذارى كارواي بالكامل من ارخثيون. وفي النهاية، فعلوا ذلك بتمثالٍ واحد. وماذا لو لم يحصل إلجين وعصابته على التصريح الغامض (الفرمان) من القسطنطينية؟ وماذا لو لم يكن الأتراك ممتنين للبريطانيين على فوز نيلسون في معركة النيل؟ وهكذا تتكاثر أسئلة الـ«ماذا لو».
ولكن رغم كل ذلك، توجد حقيقة بسيطة مفادها أن السرقة حصلت وبسبب قانونٍ صادر عن البرلمان منذ ذلك الوقت، فإن المتحف البريطاني ملزم حتى يومنا هذا بالإشارة إلى أن القطع الرخامية تعود لإلجين. ورافق الجدل القطع الأثرية من أول يوم وصلت فيه إلى بريطانيا. وفي الواقع، هذه مسألة طويلة ولدي الوقت لاختيار بعض أبرز ما قيل ونوقش عنها.
كان أحد أشد المنتقدين موجودًا وقت إزاحتهم. ولم يرحم اللورد بايرون المعروف عبر التاريخ بتأييده للإغريق- والذي يسمي اليونانيون أولادهم على اسمه حتى يومنا هذا- زميله اللورد إلجين والذي صادف أنه أسكوتلندي. وكتب بايرون قصيدة بعنوان «لعنة مينيرفا» ، تكلم عن المناخ في اسكوتلندا عندما كتب عن نظرته القاتمة. وهي بالطبع عكس النور الساطع والتسامح المرتبطين بالمهد القديم للحضارة الغربية. ويقول بايرون لأثينا إن من نهبها كان اسكوتلنديًا. وقد رأى أن الأضرار التي لحقت بالبارثينون كانت أكبر من الأضرار التي لحقت بالهمجيين السابقين، مثل القوط. ومن المؤكد أن من كتب هذه الكلمات على جدار معبد ارخثيون كان يقرأ لبايرون. «مالم يقم به القوط، فعله الاسكوتلنديون هنا»
وقام الاسكوتلنديون بما فشل القوط في القيام به. فقد كان اسكوتلنديًا من جاء في هذا الفصل المتأخر من تاريخ المعبد لتمزيق أجزاء منه وشحنها بعيدًا إلى الشواطئ المشؤومة. وربما ظن إلجين أن بإمكانه إجراء تعديلات من خلال بناء بارثينون في إدنبرة. ولكن نفدت أمواله ولم يستطع بناء أكثر من الأعمدة القليلة التي يمكن رؤيتها اليوم.
القصة ليست كلها فظيعة. فيقول هيتشنز في حديثه عن الطريقة التي تم بها تقسيم القطع الرخامية اليوم بين إنجلترا واليونان: «لا تدع أحدًا يقول إنه لم يكن لتقسيم القطع الرخامية بعض النتائج الممتازة». ورأى الشاعر جون كيتس أن عجله يخور باتجاه السماء ليس على جرة يونانية، ولكن في إفريز البارثينون. وعبر ويليام هازليت في كتابه «ذا أكزامينر» الذي نشره في يونيو (حزيران)، عام 1816 عن أمله من أن يساعد وصول القطع الرخامية إلى لندن في «انتشال الفنون الجميلة من مأزق الغرور والتأثير». ويمكن لأي شخص لديه فرصة الاحتفاظ بهذه القطع أن يشعر بهذا الإحساس. حتى وهي في حالتها المزرية، فإن الأعمال تتمتع بحيوية تتنافى مع آثارها القديمة. ومع ذلك، من الصعب قراءة عبارة كيتس عن الجرة التي نهبها إلجين دون التفكير في صوت المنشار. وقد يكون كيتس رأى في أكروبوليس أثينا عروسًا تم اغتصابها.
رغم ذلك، فإن اليونانيين أنفسهم الذين شعروا بهذا الخطأ بشدة. ومن الأمثلة الشهيرة على ذلك، الممثلة اليونانية العظيمة التي أصبحت وزيرة الثقافة ميلينا ميركوري التي تحدثت بحماس خلال اتحاد أكسفورد لصالح إعادة القطع الرخامية إلى بلدها. وتوجد لقطات رائعة لمقابلتها القصيرة مع أمين المتحف البريطاني حينها السير ديفيد ويلسون تتناقس فيها معه حول خطوات المتحف. وصرح ويلسون قائلاً: «تريدين تدمير المتحف البريطاني!» وانتقد في وقتٍ لاحق الأشخاص الذين أرادوا إعادة هذه القطع، واصفًا إياهم بـ«الفاشيين الثقافيين». في حين ظلت ظل ميركوري شجاعة ودافعت عن فكرتها دون تردد.
وتعبر هذه الكلمات القليلة التي كتبها الروائي اليوناني نيكوس كازانتزاكيس في كتابه «إنجلترا» (1939)، عن خيبة الأمل اليونانية. وكان كازانتزاكيس رغم كل شيء من أشد المعجبين بالثقافة الإنجليزية:
«تخزن لندن في مقوماتها المظلمة هذه الآثار الرخامية التابعة للآلهة، تمامًا كما قد يخزّن بعض البروتستانتيين العابسين في أعماق ذاكرتهم بعض اللحظات المثيرة الماضية من خطيئتهم السعيدة».
وقد يكون هذا مبنيًا على تقدير الروائي لذاته الوطنية البحتة. فالأساس هنا هو «لا للجنس من فضلك، فنحن بريطانيون» مقابل العري النقي للجمال اليوناني. وبالتالي، هو صيغة مبتذلة غير مثبتة تلتقي مع مثيلتها. ومع ذلك، فإن الصورة باقية مثل الضمير السيئ.
يتم التلميح منذ سنوات إلى أن الشعب اليوناني لم يكن لديه أي مطالبة فعلية لاستعادة قطعهم الرخامية وأنهم لم يكونوا الوارثين الحقيقيين لحضارتهم القديمة، ولم يعودوا «يونانيين» حقيقيين ولم يهتموا. وتعود القصة الوحيدة التي تدحض هذه التأكيدات إلى عام 1821 وحرب الاستقلال اليونانية. حينها، تمكن اليونانيون من محاصرة الأتراك في الأكروبوليس، لكن قيل لهم إن القوات الحامية كانت تذوب المشابك الرئيسية في المباني للحصول على رصاصات يدوية الصنع. في حين كان العضو البارز في الجيش اليوناني حينها كيرياكوس بيتاكيس يرسل كمية من الرصاص إلى الأعداء «علّهم يوقفون أعمال التدمير». وهذا مثالٌ فريدٌ في سجلات التاريخ العسكري لجيش محاصر يزود عدوه بالذخيرة. وأصبح بعدها بيتاكيس أول أمين عام للآثار اليونانية.
وقد غير مبنى متحف الأكروبوليس الجديد هذا النزاع الحضاري إلى الأبد. والآن بعد أن أصبح هناك منزلٌ عصري مثالي ليتم وضع القطع الرخامية فيه، يتوجب على المتحف البريطاني التخلي عن مطالبته بحماية الأحجار. لن أتطرق إلى مسألة الفرش المصنوعة من الأسلاك النحاسية التي كانت تستخدم في السابق (في الثلاثينات) لتنظيف هذه القطع. فقد أثار هذا القرار غضب جاكوب ابشتاين في ذلك الوقت. ويركز جوهر نقاش هيتشنز على الحصول على الفرصة لإعادة جمع القطع والأحجار الرخامية في اليونان بدل التحدث عن «جريمة» التمسك بالمصنوعات اليدوية وربما حتى الإساءة إليها. وهذا ضروري وصحيح، لأن أثينا تحتفظ بنصف المنحوتات وتم بناء معبد البارثينون في الأساس بهدف الحصول على عمل فني موحد. وهذه الحجة التي تنطبق بشكل فريد على هذه الأعمال بعد فترة طويلة من الجدل حول «ماذا لو» التي لم نصل بها إلى أي نتيجة. ومن الجهل إلى حد الغباء أن نتحدث، كما قال أحد صانعي السلام المحتملين مؤخرًا، عن مشاركة القطع الرخامية بين البلدين. (انظر فلوريان شميت - غابين: «الحل الذي أطرحه حول رخام البارثينون ــ دعنا نقسمهم إلى نصفين»، «الغارديان»، 15 فبراير 2019). تتمحور الفكرة كلها حول عرضهم في موقع جغرافي واحد، ولهذا فإن الأكروبوليس المرشح الواضح. وأضاف هيتشنز إلى المصطلحات المستعملة حاليًا مثل «الاستعادة» و«العودة» و«الإعادة»، مصطلحه الخاص: لم الشمل. وكما أكدت نادين غورديمر في مقدمتها، فهي «استعادة السرد الذي تمت مقاطعته بوحشية».
ويعني تجهيز المتحف الجديد في أثينا أن هذا لم يعد في الحقيقة نقاشًا حول تأييد أو رفض المتاحف، بل أصبح يركز على متحفٍ معين بدلاً من متحفٍ آخر. وأعتقد أن لدى اليونانيين مطالبة أفضل ليس فقط بالقطع الرخامية بل بفنون الإقناع.


 
لوحة كارافاجيو «العشاء في عمواس»
من لديه الجرأة ليتنبأ مع أي طرف سيكون الناقد الفني جوناثان جونز في قضايا الخلاف؟ لا يمكنك أبداً أن تكون وأثقاً. وأظن أن سبب ذلك قيامه، مثل بوريس جونسون، بالدفاع وإدانة الشيء نفسه. وهذا ما تعلمته في المدرسة، وهو أساس نموذج قانون التناقض ويطلق عليه مصطلح تأطير الحجة. وهكذا، يكتب جونز وجهتي نظره اللتين مع وضد الموضوع ثم يرميه في الهواء (أو هكذا أظن) ويؤيد الطرف الذي لم يضرب الأرض. وإذا هبط كلاهما على الأرض أو العكس فيرميهما مرة أخرى. وهذه عملية شاقة ولكنها تعني أن لديه ضعف عدد المقالات التي يمكن أن يساهم في نشرها في نهاية مسيرته المهنية. وسيقول معجبوه إنه دائمًا ما كان منصفًا، بينما سيناقش منتقدوه أنه لم يستطع يومًا حسم رأيه.
وعندما وصل الأمر إلى أكثر الخلافات التي طال أمدها، كتب جونز مقاليه المعتادين. أحدهما المؤيد والآخر المعارض. ولكن كان مؤسفًا في هذه الحالة كيف سقطت مقالتاه بسبب حماقة تلك التي لم تهبط. وهاجم جونز في هذه المقالة الفكرة القائلة إن اليونان القديمة، وهي حضارة ازدهرت قبل 2500 عام، إلى حد ما ملكية ثقافية لليونان الحديثة وأن إنجازاتها تعود إلى اليونان بطريقة قومية ضيقة. فإذا كان هذا صحيحًا، لن يقوم أي شخص خارج اليونان بدراسة الرياضيات أو الفلسفة أو التاريخ أو مشاهدة مسرحية أو القيام بتجربة علمية، لأن كل هذه المساعي الإنسانية الأساسية اخترعها الإغريق القدماء.
وهذا لا يدين الإغريق بمدحٍ خافت بقدر ما يلعنهم بتوصيات متوهجة. ماذا قدم الإغريق لنا؟ حسنًا، قدموا الرياضيات والفلسفة أو التاريخ والدراما...
ومع ذلك، يمكنني أن أسمع جونز وهو يطمئن جمهوره بلطف ويقول: «لا بأس. اهدأوا جميعًا. أعرف أن ما كتبته كان سخيفًا. وأعدكم بأنني سأنشر المقال المنطقي عندما ينتهي كل هذا أي بعد أن أتقاعد».
ويشك المرء في أن الأساس لهذا النوع من السلوك المزدري الذي يصفه هيتشنز بالأناني لأن جونز لا يعطي قراءه إلا ما يريد بغض النظر عما يطلبون فقط لأنه يريد ذلك، ويقول: «أين سينتهي كل هذا؟» ويضيف بأن معظم الرأي العام البريطاني لا يشاركونه هذا القلق.
ولا يعني هذا أنه يمكننا توظيف هيتشنز في الاتجاه الحالي المتمثل في الدعوة إلى الاستعادة والعودة والإعادة إلى الوطن على نطاق واسع، والتكفير عن خطايانا العظيمة وتفريغ المتاحف الخبيثة من غنائمهم غير المشروعة. إذ لم يكن لدى هيتشينز أي فكرة من هذا القبيل لأنه كان من شأنه أن يقلل من مصداقية حجته التي تنطوي على إعادة هذه القطع الرخامية بسبب تفردها.
ومن الممكن تمامًا إبقاء هاتين الفكرتين في رأسٍ واحدٍ معًا على الرغم من خطر محاكاة جوناثان جونز: بعض الفنون اليدوية تظهر بالفعل أن لديها الحنين لتعود إلى وطنها ويجب بالتالي إعادتها، بينما الغالبية الكبرى من القطع الأثرية الفنية لا تحمل مثل هذا التناقض ولذلك يمكنها البقاء حيث هي. ولذلك، يمكن للمرء أن يكون ممتنًا لوجود بعض الفنون اليدوية في الأماكن التي وضعها فيها القدر أو الذوق أو المال. والشعور بالذنب في مثل هذه الحالات يكون تعذيبًا للنفس ليس أكثر، فمن الصحيح والسليم أن تبقى بعض أجمل الأشياء في مكانها.
واسمحوا لي أن أقدم لكم مثالاً. كلما حالفني الحظ لأجد نفسي في المتحف الوطني الواقع في ميدان ترافالغار، أتوجه دائمًا إلى رؤية لوحة كارافاجيو بعنوان «العشاء في عمواس». ولا أتعب أبداً من مشاهدة اللوحة «الجريئة». والغريب كيف أن للوحة تجسد مشهدّا دينيا أن يتم وصفها بالجرأة، ولكنها كذلك بالفعل. وأكمل بدءًا من هذه اللوحة جولتي في المعرض. وأكره أن أذهب يومًا إلى هناك ولا أجدها معلقة أو أعرف أنهم أعادوها إلى وطنها فهي صورة غريبة. حتى إنها تخبرنا عن مسألة إمكانية الوصول. ولكن أولاً، دعوني أصف ما يبهرني فيها.
يهيمن يسوع المسيح بشكلٍ واضح على اللوحة وقد تم تجسيده على هيئة رجل أشقر ممتلئ بدل ذلك الشاب الأشقر ذي اللحية. وجهه ممتلئٌ وشعره أشعث. ويبدو الأمر كما لو أن كارافاجيو قد حاول أن يوضح مدى سهولة تعذُر ملاحظة وجود اليسوع. ولكنه غير هذه النظرة عندما لفت بطريقة خفية إلى البركة التي يقدمها عندما يصل الطعام. ويظهر كذلك الحيرة التي وقع فيها تلامذته عندما بارك لهم طعامهم وعرفوا حينها هويته علما بأنهم قابلوه على الطريق لكنهم لم يعرفوه. وقد يكون الشخص الموجود على يساره قادرًا على رؤية ثقب خلفه مسمار في كف يد الشاب. ويفتح يديه يمينا ويسارًا على نطاقٍ واسع وعلى وجهه علامات الذهول ويقلد بشكلٍ غير واعٍ صلب المسيح، بينما يتجه كوع الآخر باتجاهنا ويبدو أنه على وشك القفز من ذهوله وربما يوقع كرسيه خلال ذلك. وينظر صاحب النزل بحماس، غيرَ مدركٍ أنه يرى شبحًا.
ويجذب انتباهي أمرٌ مختلف في كل مرة أذهب فيها لرؤية اللوحة. أحيانًا شخصياتها وأحياناً أخرى الحياة التي يدبها يسوع المسيح في الطعام الذي يباركه، والذي يقدمه عمل كارافاجيو على رسمه بنوعٍ من الكثافة الفوتوغرافية. ومثل الإيماءة السريعة التي أذهلت تلاميذ يسوع المسيح، فإن خطر وقوع وعاء الفاكهة، الموضوع على حافة الطاولة، يهدد بالتغير في أي لحظة. في حين يبدو الموت (الذي يشكك فيه الشخص البدين الواقف قرب المسيح) ظاهرًا بعناد على الدجاجة المشوية.
لا أعرف لماذا هذه اللوحة في هذا المعرض. وليس لدي أي فكرة عن «أصلها»، كما يحب أمناء المتاحف ومؤرخو الفن أن يقولوا. ولكن أعرف فقط أنني سأجدها دائمًا هنا في البقعة نفسها على سطح الأرض، مثل نقطة ثابتة في الكون. وإذا ذهبت خلال أيام الأسبوع، ربما في وقت مبكر أو متأخر من اليوم، يمكنني التمعن بها وحدي مقابل تكلفة تذكرة القطار إلى العاصمة. إنها قطعة بصرية ساحرة رسمها سيد الفنون المظلمة وتصور ما سماه أسقف دورهام السابق ذات يوم «خدعة مستحضرة مع عظام». عظام الدجاج تحديدًا. الروح وحدها تظهر الحياة في هذه اللوحة.

ووفقًا للوك، فإن الشخصية المرسومة في وسط اللوحة عابرة. فقد اختفى يسوع بعد فترة وجيزة من مباركة الوجبة. ونحن نلقي نظرة خاطفة على رجل وعد بالقيام بعد الموت، وها هو. ولكن بالنسبة للذين كلفوا برسم اللوحة، فإن مسألة «هنا» قد تكون ذات أهمية ضئيلة. فبالنسبة للوحة الداكنة، وبالتأكيد ليست من النوع الذي قد نتوقعه من رسامٍ هولندي، فإن الشخصيات مضاءة جيدًا كما لو أن الضؤء قد سُلِّط عليها من يسار الصورة، ولدى يسوع المسيح (للتأكيد ربما على صلابته الجسدية) تأثير كبير على الحضور. ولا توجد هالات. ولا يوجد ما يخبرنا أن هنا عمواس، بغض النظر عن العنوان. وقد يكون المشهد خارج روما على بعد بضعة أميال من القدس. فالإعداد الدنيوي جزءٌ من رسالة الرسام، إذ إن الشكل الرئيسي للصورة تجاوز الوقت والمساحة.
ونشر كارلو ليفي (الذي نفاه موسوليني من روما) كتابًا في ثلاثينات القرن الماضي بعنوان «توقف المسيح في إيبولي». ويأتي عنوان الكتاب من تعبير أهل غاليانو الذين يقولون عن أنفسهم «توقف السيد المسيح هنا في إيبولي» مما يعني، في الواقع، أنهم يشعرون أن المسيحية والأخلاق والتاريخ نفسه قد تجاوزهم- وأنهم استبعدوا بطريقة ما من التجربة الإنسانية الكاملة. ولا يوجد ما هو مهم حول إبولي– فهي مجرد بلدة صغيرة وكئيبة- باستثناء الإشاعة الوحيدة حول أن المسيح لم يصل إليها أبدًا. ويغلب على جو البلدة الكآبة والوثنية. ويتصرف سكانها الفاسدون والدنيئون والمليئون بالخرافات كما لو أنهم لم يتلقوا الأخبار السارة من عمواس.
وصل المسيح في لوحة كارافاجيو إلى مكانٍ يشبه إيبولي. وفي الواقع، وفي هذه اللحظة من تاريخ البشرية، العالم بأسره يشبه بلدة إيبولي. وليس مهمًا متى وأين تقع إيبولي بالضبط، إذ إنها في كل مكان. تجمعاتٍ شاسعة للحياة والموت الرتيب والخالية من المعنى. إلا أن في هذه الإيبولي بالتحديد تم تعليق عهد الزمن الأرضي والمكان لا يعني شيئا. فقد تغير شيء عن العالم. وتم استبدال عمواس-إيبولي الغريب.
وفي يومٍ من الأيام لن تكون اللوحة هنا. وأنا لا أقول هذا لأن لوحات كارافاجيو عادة ما تكون محط أهداف لصوص الفن. لن تكون اللوحة هنا لأن العالم نفسه لن يكون موجودًا ولكنها تخبرنا أن هذا ليس مهمًا. فموضوع اللوحة بأكمله عن الأبدية. لقد توفي العالم بالفعل. أعلم أنني أبدو وكأنني أتحدث بطريقة غير واقعية هنا. ولكنني أركز فقط على رسالة قطعة فنية واحدة بعينها. كيف يمكن للمرء أن يفرض هذا التفسير غير المنطقي على جميع الأعمال الفنية؟ قد لا تحدث نهاية العالم في الوقت الذي يظنه بعض الأيقونات، وطالما أنا موجودٌ على هذا الكوكب ففرصة بقاء لوحة كارافاجيو في نفس مكانها أيضًا مطروحة.
ومن ناحية أخرى، لم أعر أي اهتمام لمسأله كونها تنتمي إلى هذا المكان أو لا. لماذا أهتم؟ فأنا أعيش على بعد نصف ساعة فقط بالقطار من عمواس. ولكن هذه القضية مهمة بالنسبة للمتاحف. ومع أنها تبدو مملة وبعيدة عن التأملات الخيالية، يمكن تلخيص تجارب المتاحف الحالية بكلمة واحدة: إمكانية الوصول. وإذا كانت لوحة كارافاجيو تخبرني أن لا أهتم بمكان وجودها، فلا بأس، طالما لدي القدرة على العودة للتمعن بها وتذكر ذلك.
 

 


اشترك في النقاش