توظيف سياسي لـ «مجزرة» نيوزيلندا

قبل أيام من الانتخابات البلدية في تركيا
* صعّدت الحكومة التركية من موقفها، ليس انطلاقا من رفض كافة أشكال الأعمال الإرهابية، وإنما باعتبار أن الهجوم وجّه رسالة إلى تركيا ومواطنيها
* لم تتم إدانة ما كتبه الإرهابي الأسترالي من قبل السلطات التركية، بحسبانه يعكس تطرفاً متنامياً، وإنما باعتبار أنه يعكس حالة من التربص الغربي بالدولة التركية
* لدعم حظوظ حزب العدالة والتنمية الحاكم في الانتخابات البلدية... استحوذت هذه القضية، على أجندة الرئيس التركي رجب طيب إردوغان ، وغابت بالمقارنة بذلك قضايا الشأن المحلي وأزماته
* أفضى التصعيد التركي على المستويين الإعلامي والسياسي إلى تأجيج حدة التوتر بين تركيا من جانب وأستراليا ونيوزيلندا من جانب آخر
* يملأ الرئيس التركي الدنيا ضجيجاً، بتصريحات انتخابية، وذلك وفق استراتيجية تستغل قضايا الخارج لدعم منظومة الحكم في الداخل
 

أنقرة: تنوعت السياسات التركية وتعددت أدواتها ولكنها في الغالب عكست على مدى العقد ونيف الخالي تكتيكات متشابهة تقوم على الجمع بين الحسابات الداخلية والمحركات الخارجية لصوغ تحركاتها التي تصبغها في معظم الأحيان بغطاء آيديولوجي، وفي أوقات كثيرة بصبغة دينية وقومية بهدف ضمان استقرار الحكم والسيطرة على المعادلة السياسية والنيل من الخصوم وتبرير السياسات إذا ما أفضت إلى توترات أو صراعات مع أطراف دولية طالما اتسمت العلاقات معها بالاستقرار النسبي.

واحدة من القضايا التي تحولت مؤخرا من قضية خارجية ذات طبيعة دينية إلى حادثة داخلية ذات صبغة قومية تعلقت بالهجوم الإرهابي الذي اقترفه الأسترالي برينتون تارانت على المصلين بمسجدي مدينة كرايست تشيرش النيوزيلندية. وبينما كانت الحادثة الإرهابية مسار انتقادات وإدانات من مختلف دول العالم والمنظمات الدولية المعنية، فإن الوضع بدا مختلفا في الحالة التركية، بالنظر إلى تزامنه مع الاستعدادات لإجراء الانتخابات المحلية في 31 مارس (آذار) الحالي، وهي انتخابات محورية في معادلة الحكم التركية.

هذه المعادلة، على ما يبدو، ساهمت في تحول مجزرة نيوزيلندا من قضية دولية إلى حادث تركي محلي يتم توظيفه لدعم حظوظ حزب العدالة والتنمية الحاكم في الانتخابات البلدية، إذ تشهد التجمعات الانتخابية التي يشارك فيها الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان بصورة متكررة إذاعة مقاطع فيديو للهجوم الإرهابي، بالتزامن مع إذاعة تصريحات لمنفذه، بما يخلق حالة من الغضب لدى الحشود، يتبعها تصريحات للرئيس التركي، الذي وجه حديثه مؤخرا لمنفذ الهجوم الأسترالي برينتون تارانت، قائلا: «ستدفع ثمن هذا. إذا لم تحاسبك نيوزيلندا، فسنحاسبك بطريقة أو بأخرى»، مضيفا أن اعتداء كرايست تشيرتش جزء من هجوم أكبر على تركيا، وأن أي متشدد معاد للإسلام من أستراليا أو نيوزيلندا يحاول مهاجمة تركيا سيعود إلى بلاده «بأكفان».

 

خلفيات التوتر التركي وتوجيهه

حاولت الحكومة التركية جعل موقفها متصاعد التوتر منطقيا، ليس انطلاقا من كونه يتأسس على رفض كافة أشكال الأعمال الإرهابية ولكونها مُدانة من قبل جميع الشرائع والأديان، وإنما أيضا تأسيسا على أن الهجوم لم يستهدف المصلين وإنما وجه رسالة إلى تركيا ومواطنيها، ذلك أن مقطع الفيديو الذي بثه برينتون تارانت، وأسفر عن مقتل العشرات من المصلين، أظهر كتابة عبارات عنصرية على سلاحه، هاجم فيها الدولة العثمانية، ومن بين العبارات التي كتبها «Turcofagos» وتعني باليونانية «آكلي الأتراك»، وهي عصابات نشطت باليونان في القرن التاسع عشر الميلادي، وكانت تشن هجمات دموية ضد الأتراك.

وكتب برينتون مخاطبا الأتراك قبيل الحادث: «يمكنكم العيش في سلام في أراضيكم... في الضفة الشرقية للبوسفور، لكن إذا حاولتم العيش في الأراضي الأوروبية، سنقتلكم وسنطردكم من أراضينا... نحن قادمون إلى القسطنطينية وسنهدم كل المساجد... آيا صوفيا ستتحرر من المآذن وستكون القسطنطينية بحق ملكا مسيحيا من جديد. ارحلوا إلى أراضيكم طالما لا تزال لديكم الفرصة لذلك»، وذلك وفقا لما نقلته وكالة «الأناضول».

كما كتب كلمات وأرقاما كثيرة تشير إلى معارك انهزم فيها المسلمون أو أسماء قادة مسيحيين قاتلوا ضد الجيوش الإسلامية، مثل ملك جورجيا ديفيد الرابع الذي حارب ضد الأتراك السلاجقة، وملك بلغاريا قسطنطين الثاني الذي قاد تمردا ضد الدولة العثمانية، والصربي ميلوس أوبيليتش الذي قتل السلطان مراد الأول، والملك سيغيسموند الذي حارب ضد السلطان مراد الثاني. وشملت العبارات والأرقام المكتوبة على السلاح أسماء أخرى لقادة حاربوا ضد الدولة العثمانية، وتواريخ معارك انهزم فيها العثمانيون.

لم تتم إدانة ما كتبه الإرهابي الأسترالي من قبل سلطة الحكم التركي، بحسبانه غير مقبول ويعكس تطرفا متناميا، وإنما باعتباره يمثل حالة من التربص الغربي بالدولة التركية، والأهم من ذلك أنه ربما يعكس حالة غربية تستهدف الرئيس إردوغان ذاته باعتباره ضمانة لبقاء الدولة التركية واستقرارها. فقد أقدمت الصحافة التركية على استخدام عبارات شديدة اللهجة وتأويلات كثيرة في وصف هذه المسألة ومدلولاتها، بل إن البعض قال إن الإرهابي الأسترالي أشار إلى أن غياب رئيس الجمهورية التركي رجب طيب إردوغان عن المشهد سيؤدي إلى تقلص نفوذ الأتراك. وأظهر نمط تعاطي الإعلام التركي مع هذه القضية، تحولها من حادث إرهابي إلى هجوم على الدولة التركية ورئيسها شخصيا.

وفي هذا السياق، قال المتحدث باسم حزب العدالة والتنمية التركي عمر جليك إن «منفذ هجوم نيوزيلندا الإرهابي، استهدف تركيا وماضينا وحاضرنا، ورئيسنا رجب طيب إردوغان». هذا فيما قال وزير الدفاع التركي خلوصي أكار، إن «مذبحة نيوزيلندا كشفت مرة أخرى أمام العالم إرهاب الإسلاموفوبيا الفاشي». ولفت أكار إلى أن أبرياء اجتمعوا من أجل العبادة فقط، تعرضوا لمذبحة همجية، قائلا: «باسمي وباسم منتسبي وزارة الدفاع والجيش، أدين بأشد العبارات هذا الإرهاب العنصري».

وقد استحوذت هذه القضية، على أجندة الحملة الانتخابية التي يخوضها الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بنفسه، وغابت بالمقارنة بذلك قضايا الشأن المحلي وأزماته، وذلك في مسعى لتثبيت شعبية الحزب الحاكم في الانتخابات المحلية التي تشهدها تركيا ويواجه فيها الحزب موقفًا صعبًا بسبب الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تمر بها البلاد والتي لم تشهد مثيلاً لها منذ عام 2001.

وعلى الرغم من الانتقادات الدولية، لم يتوقف التوظيف التركي للحادث الإرهابي، ذلك أن الانتخابات البلدية لم تنته بعد في تركيا، وذلك حسب المعارضة التركية. فبعد نحو ثلاثة أيام على هجوم نيوزيلندا وبالتحديد يوم 18 مارس (ذكرى يحتفل فيها الأتراك بمعركة جناق قلعة) قال إردوغان: «سنبقى هنا إلى يوم القيامة، ولن تجعلوا من إسطنبول قسطنطينية.. حال استهداف تركيا، فإن شعبها لن يتردد في جعل جناق قلعة مقبرة للأعداء كما فعلت قبل 104 أعوام... يمتحنوننا عبر الرسالة التي بعثوا بها لنا من نيوزيلندا التي تبعد عنّا 16 ألفا و500 كم، ويواصلون اختبار صبر وعزم تركيا منذ نحو قرن مضى».

وأضاف إردوغان: «لدينا تاريخ سنسطره ضد كل يد ترفع في وجه المسلمين والأتراك.. إنهم يختبروننا بإحداث الفوضى في بلادنا والقيام بمحاولات انقلاب وتشكيل تحالفات ظلامية». وأضاف الرئيس التركي: «إنهم يختبروننا باستهداف اقتصادنا ورغيف أمتنا». وطالب الرئيس التركي، في تجمع انتخابي في ولاية زونجولداغ، غربي البحر الأسود شمال تركيا بالالتفاف حول قيادة الدولة وقائدها.

وأردف، وسط حشوده: «نخاطبكم مجددًا من جناق قلعة، وبعد 104 أعوام، ونقول إننا تسلمنا رسالتكم! وأدركنا مشاعركم، وإن حقدكم وكراهيتكم لا يزالان ينبضان بالحياة.. نحن موجودون هنا في جناق قلعة.. أجدادكم جاءوا ورأوا ذلك، وبعدها عاد بعضهم على قدميه والبعض الآخر داخل توابيت».

عكست تصريحات إردوغان وقيادات حزبه وأنماط تكرارها وسط الجماهير على نحو شبه يومي أن ثمة «تجارة سياسية» بقضية أخلاقية وذات طبيعة دينية بما أجج من الغضب الشعبي، وذلك في وضع أشارت تقديرات إلى أنه كان يستدعي معالجة مغايرة بحسبانها تتعلق بقضايا الإرهاب والتطرف على الصعيد الدولي، وترتبط بتصاعد حضور تيارات اليمين المتطرف عالميا، والذي يعزز حضوره ويوسع قاعدته الشعبية الخطاب الشعبوي في بعض البلدان الإسلامية كتركيا، التي وجهت لها دوائر غربية كثيرة اتهامات صريحة بالتورط في دعم جماعات إرهابية على أكثر من ساحة شرق أوسطية.

 

تركيا والدعوة لمؤتمر قمة منظمة العالم الإسلامي

لجأت تركيا كالعادة إلى الدعوة لعقد مؤتمر لمنظمة المؤتمر الإسلامي، كما فعلت من قبل في مايو (أيار) من العام الماضي، حينما أقدمت على دعوة لانعقاد مؤتمر قمة المنظمة احتجاجا على القرار الخاص بنقل السفارة الأميركية إلى القدس المحتلة، من دون أن تتبع ذلك بإجراءات تؤثر سلبا على علاقاتها بواشنطن أو إسرائيل. وقد أشارت مصادر دبلوماسية تركية، إلى أن 20 دولة أكدت حضورها الاجتماع المزمع عقده في مدينة إسطنبول التركية للنظر في الهجوم الإرهابي الذي استهدف مسجدين في نيوزيلندا.

وحسب المصادر التركية، فإن إردوغان من المقرر أن يلقي خطابا بصفته رئيس الدورة الحالية لمنظمة التعاون الإسلامي. وأوضحت المنظمة في بيان أصدرته، أن الاجتماع الطارئ يأتي عقده «بناء على طلب جمهورية تركيا التي ترأس القمة الإسلامية واللجنة التنفيذية، وتتكون اللجنة من ترويكا القمة الإسلامية - تركيا ومصر وغامبيا - وترويكا مؤتمر وزراء الخارجية - الإمارات وبنغلاديش والنيجر - ودولة مقر المنظمة المملكة العربية السعودية، والأمين العام للمنظمة».

وقد أشار كثير من الكتاب الأتراك في هذا السياق إلى أن العملية التي وقعت في نيوزيلندا لم تكن منفردة وليست عشوائية، بل منظمة، وربما تم دعمها من أجهزة استخباراتية. وقال أحد الكتاب الأتراك إن الحقد الموجه ضد تركيا لم يكن من باب الصدفة، مضيفًا أنه على الرغم من وقوع الحادثة في نيوزيلندا واستهداف المسلمين الأبرياء هناك، فإن «السلاح كان موجها بالأساس نحو تركيا، وهذا واضحٌ من كتابات المجرم على أسلحته، التي تُعبّر تماما عن روح الحملات الصليبية».

هذا فيما أشارت بعض وسائل الإعلام التابعة للحزب الحاكم في تركيا إلى أن الهجوم الإرهابي على المصلين يعكس مدى الحقد على المسلمين عامة وعلى تركيا والرئيس رجب طيب إردوغان خاصة. وأشارت إحداها إلى أن سبب هذه الحادثة أن «تركيا الجديدة تعود يوما بعد يوم لقوتها التي سُلبت منها قبل نحو 100 عام، وأن هذا الهجوم يستهدف إردوغان شخصيا وتهديده عبر رسالة سوداء، لكونه أعاد لتركيا مجدا ضاع قبل نحو 100 عام، وبحسبانه يسير بتركيا على الطريق القويم الذي لا يرضي الغرب ولا يسعدهم».

توتر في علاقات تركيا الخارجية

أفضى التصعيد التركي على المستويين الإعلامي والسياسي إلى تأجيج حدة التوتر بين تركيا من جانب وأستراليا ونيوزيلندا من جانب آخر، فأستراليا التي يحمل جنسيتها منفذ الهجوم الإرهابي، استدعت السفير التركي لديها على خلفية تصريحات رجب طيب إردوغان. وقال رئيس الوزراء الأسترالي إنّه يستدعي السفير التركي في كانبيرا، لشرح التصريحات «المسيئة للغاية» التي أدلى بها الرئيس التركي.

هذا فيما احتج نائب رئيسة الوزراء النيوزيلندية وينستون بيترز، على تصرفات الرئيس التركي، محذّرا من أنّ تسييس المجزرة «يعرض مستقبل وسلامة الشعب في نيوزيلندا والخارج للخطر، وهو غير منصف إطلاقا». وأثارت تعليقات وتصريحات الرئيس التركي غضب حكومة نيوزيلندا، التي اعتبرت أن إردوغان يوظف المجزرة البشعة التي شهدتها البلاد، توظيفًا سياسيا لكسب الأصوات لصالح حزبه في الانتخابات المحلية. واستنكر وزير الخارجية النيوزيلندي وينستون بيترز، تصرف إردوغان واستخدامه فيديو الهجوم على المسجدين، الذي اعتبره نوعًا من التحريض ضد بلاده.

وقال إنه أخبر وزير خارجية تركيا مولود جاويش أوغلو، معلنًا أنه سيتوجه إلى تركيا هذا الأسبوع بدعوة من تركيا لحضور اجتماع لمنظمة التعاون الإسلامي. على جانب آخر، كانت تركيا قد أقدمت على إرسال نائب رئيسها مع وزير خارجيتها لزيارة نيوزيلندا، لتقديم العزاء لذوي الضحايا، وللوقوف على ملابسات الجريمة الإرهابية.

وتعرّض الوفد التركي الذي سافر إلى نيوزيلندا، لموقف محرج بعدما رفض مسلمو نيوزيلندا استقبالهم. وأشارت تقديرات إلى أن أعضاء الوفد التركي لم يجدوا أي ترحيب بهم، بما دفعهم إلى المغادرة بصحبة طاقم سفارة تركيا، وبعض ممثلي وسائل الإعلام التركية والتوجه لزيارة بعض المصابين في الهجوم الإرهابي ولقاء عائلاتهم والتصوير معهم. ولم يتوقف إردوغان في تعليقاته على الهجوم الإرهابي في أوساط الناخبين، على نيوزيلندا فقط، بل وسّع دائرة الهجوم إلى الدول الأوروبية، مشيرًا إلى الحوادث الإرهابية التي تقع فيها، وقال: إنهم «يدفعون الثمن لكونهم غير صادقين».

كما لمّح بشكل مباشر إلى أميركا بقوله: «الذين يلطخون منطقتنا بالدماء ويشعلونها بالنيران تحت ذريعة محاربة (داعش) الإرهابي، يحملون الغاية نفسها». هذا فيما قال رئيس الوزراء الأسترالي جون موريستون في كانبيرا: «سأنتظر لأرى رد الفعل من الحكومة التركية قبل اتخاذ المزيد من الخطوات، لكنني أخبركم أن جميع الخيارات مطروحة على الطاولة». وأضاف أن تصريحات الرئيس التركي رجب طيب إردوغان حول اعتداء كرايس تشيرش: «متهورة ومشينة». وذلك بعد أن حذر إردوغان «الأستراليين المعادين للإسلام من أنهم سيلقون مصير الجنود الأستراليين الذين قُتلوا بأيدي القوات العثمانية في معركة غاليبولي خلال الحرب العالمية الأولى».

وقد وجهت السلطات النيوزيلندية تهمة القتل العمد إلى الأسترالي برينتون تارانت (28 عاما) المتعصب لتفوق العرق الأبيض، وتعهدت رئيسة الوزراء النيوزيلندية جاسيندا آردرن، في خطاب مؤثر ألقته في البرلمان، بمحاكمة الجاني بأقصى درجات الحزم، ووصفته بأنه إرهابي ومتطرف لا يستحق حتى ذكر اسمه لكي لا ينال شهرة سعى إليها من فعله المتطرف، وفي مقابل ذلك دعا الرئيس التركي نيوزيلندا، إلى إعادة العمل بعقوبة الإعدام.

ويرى محللون غربيون أن الرئيس التركي يسعى إلى استغلال الحادث لزيادة شعبيته وكسب تعاطف ودعم الأتراك، كما أنه يروج لنفسه بحسبانه «حامي الإسلام والمسلمين» في كل مكان، من خلال تأكيده على أنه لن يقف صامتًا إزاء ما حدث في نيوزيلندا.

وترى صحيفة «التايمز» البريطانية أن نية إردوغان من وراء عرض الفيديو في كل المؤتمرات الانتخابية الأخيرة كانت إقناع جمهوره بأن الغرب يعادي المسلمين، وبدا كما لو كان يلمح إلى أن الحكومات الغربية قد تكون مسؤولة عن الهجوم، وأن «وسائل الإعلام الغربية» أعدت بيان الإرهابي الأسترالي. وكان إردوغان قد دعا، العالم للتحرك بشكل فوري ضد الفكر المتطرف الذي بدأ بالتفشي كالسرطان بالمجتمعات الغربية. جاء ذلك في كلمة ألقاها إردوغان، خلال مراسم وفاة السيدة «بريل ده أوغلو» عضو مجلس الأمن والسياسة الخارجية بالرئاسة التركية، بمدينة إسطنبول. وشدد الرئيس التركي على أنه «من الواضح أن الفكر الذي يمثله المجرم منفذ المذبحة استهدفني واستهدف بلادنا وبدأ في التفشي كالسرطان بالمجتمعات الغربية».

وفيما قال رئيس الحكومة الأسترالية «يمكنني أن أقول لكم إن كل الخيارات مطروحة» ردا على التصعيد الشعبوي التركي، فإن مسؤول الإعلام في الرئاسة التركية أشار إلى أن تصريحات الرئيس التركي رجب طيب إردوغان في أعقاب المذبحة التي وقعت في نيوزيلندا «أُخرجت من سياقها» بعد أن استدعت أستراليا مبعوث تركيا للاحتجاج عليها. وكتب فخر الدين التون على موقع «تويتر»: «كلام الرئيس إردوغان أُخرج للأسف من سياقه».

الانتخابات البلدية التركية وواقعة «كرايس تشيرش»

على الرغم من الانتقادات الدولية لعملية التوظيف السياسي للحادث الإرهابي، فلا تزال مقاطع الفيديو الخاصة بالهجوم، والتي تم بثّها مباشرة عبر «فيسبوك»، تتم إذاعتها خلال المؤتمرات الانتخابية للرئيس التركي، رغم حجبها على منصات التواصل الاجتماعي المختلفة، بما يعكس رغبة إردوغان في استغلال الحادث لتعظيم شعبيته.

ورغم أن الانتخابات البلدية السابقة كانت قد شهدت فوز حزب العدالة والتنمية الحاكم بنسبة تصويت لمصلحته بلغت نحو 43 في المائة، فإن تحركات الحزب، وتصريحات قادته، وتقلبات تحالفاتهم، ونمط مرشحيهم في هذه الانتخابات فضلا عن محاولة توظيف قضية الهجوم الإرهابي يعكس تنامي القلق والمخاوف من نتائجها وارتداداتها، سيما فيما يخص البلديات الكبرى مثل إسطنبول، وأنقرة، وأزمير، تأسيسا على أن استطلاعات الرأي حتى الآن لم تمنح الحزب الحاكم الأغلبية المريحة، وبعضها لا يمنحه أكثر من 38 في المائة من جملة أصوات الناخبين، التي تقدر بنحو 57 مليون ناخب.

يرتبط ذلك بتنامي المشكلات الاقتصادية، وتفاقم حدة الاستقطاب السياسي على أسس آيديولوجية وعرقية. وفي الوقت الذي تتصاعد فيه وتيرة الاعتقالات داخل تركيا، وطلبات اللجوء التركي في البلدان الغربية، فإن سلطة الحكم تستخدم محض إجراء الانتخابات لخلق شعور بشرعية النظام التركي وجدارته على الساحة الدولية، والتي تُوظف الكثير من قضاياها على الساحة المحلية لتعبئة المواطنين وإلهائهم عن مطالبهم اليومية، عبر تصعيد حدة الاستقطاب السياسي محليا، ومن خلال إتقان «فن» صناعة العدو والتهديد الذي يستهدف الدولة وقياداتها السياسية.

وقد استغل إردوغان التصعيد الإعلامي حيال حادث نيوزيلندا لمهاجمة المعارضة. وفي هذا السياق، رصدت وكالة الصحافة الفرنسية في تقرير لها، استراتيجية إردوغان الانتخابية، مشيرة إلى أنه منذ وصوله إلى الحكم يعتمد على مهاراته الكلامية، مستخدمًا تعبيرات محبوكة وقصائد وطنية وحكمًا بليغة، يحسده عليها خصومه، والغناء أيضًا لاجتذاب الناخبين.

وفي أوجّ حملة الانتخابات المحلية التي ستُجرى يوم 31 مارس (آذار) الحالي، أضاف أمرًا جديدًا لترسانته الكلامية وهو الغناء، حيث يبدأ إردوغان المعروف بكلامه شديد اللهجة، منذ أسابيع، يبدأ تجمعاته الانتخابية بالترنم بأغنية لإشاعة الحماسة بين أنصاره. ومع أن الموسيقى مستخدمة منذ أمد بعيد من قِبل السياسيين من كل المشارب في تركيا، فإن حزب العدالة والتنمية بزعامة إردوغان جعل منها سلاحًا أساسيا. وفي وقت تمر فيه تركيا بأزمة اقتصادية حادة، مع دخولها مرحلة ركود للمرة الأولى منذ عشر سنوات، يرفع حزب الرئيس التركي وتيرته أملاً باجتذاب ناخبين تأثرت قدراتهم الشرائية، حسب التقرير.

ودفع تكرار توظيف إردوغان لبعض القضايا الدينية في حملاته الانتخابية، المعارضة إلى توجيه انتقادات حادة إليه، مشيرة إلى أنه يتغافل عن الأزمة الاقتصادية الخانقة في البلاد، ويتحدث عن قضايا أخرى ليتهرب من المسؤولية ويخدع الشعب. ولفت مسؤولون في حزب الشعب الجمهوري، أكبر أحزاب المعارضة، إلى أن إردوغان يشعر بالخوف الشديد من الخسارة في الانتخابات المحلية المقبلة، ولذلك يقوم بزيارة ولايتين أو ثلاثًا من ولايات البلاد كل يوم مع أن ما يجري الإعداد له هو مجرد انتخابات محلية وليست برلمانية أو رئاسية.

يملأ الرئيس التركي الدنيا ضجيجا بتصريحات تهدف لاستغلال الحادث في الدعاية الانتخابية الداخلية، وذلك وفق استراتيجية تقليدية تستهدف استغلال قضايا الخارج لدعم منظومة حكم العدالة والتنمية في الداخل ولإشغال المواطنين وإلهائهم عن قضايا حياتية تتعلق بأزمات تركيا الاقتصادية والسياسية جراء تصاعد الاستقطاب الآيديولوجي وانتهاك حقوق الإنسان بدعوى تورط الآلاف من الشعب التركي في المحاولة الانقلابية.

وفيما يقول إردوغان إن الغرب يدعم الجماعات الإرهابية، ثمة دول أخرى ترى أن منبع المشكلة يرتبط بسياسات تركيا، التي تدعم التطرف بما يوجد تطرفا مضادا، وربما عبر عن ذلك مؤخرا الرئيس التشيكي حينما قال: «إن تركيا تمثل الصديق الحقيقي لتنظيم داعش»، وهو ما خلق أزمة دبلوماسية بين البلدين تضاف إلى ملف علاقات تركيا الخارجية المكتظ بالأزمات مع كثير من دول العالم.

 


اشترك في النقاش