الدول العربية تجاوزت حد «الفقر المائي»

«المجلة» تدق ناقوس الخطر
* الدول العربية تفقد نحو 5.8 مليار متر مكعب من شبكات المياه المنزلية
* متوسط استنزاف الموارد المائية المتجددة نحو 136 % وهو ما يؤدي إلى استهلاك الموارد غير المتجددة مثل المياه الجوفية
* 63 مليون نسمة من العرب محرومون من مياه الشرب النقية.. و17 دولة عربية تحت خط الفقر المائي

القاهرة: مع احتفاء العالم في شهر مارس (آذار) سنويا باليوم العالمي للمياه، تزداد المخاوف في الوطن العربي من التسارع الرهيب في انخفاض حصة الفرد السنوية من المياه والتي بلغت حاليا حدودا غير آمنة، تدنت إلى أقل من 500 متر مربع أي أقل من نصف حد الفقر المائي الذي تقدره الأمم المتحدة بنحو 1000 متر مكعب للفرد في العام (المعدل العالمي 6000 متر مكعب للفرد سنويا)، وفي ظل معاناة المنطقة العربية (التي تعد ضمن المناطق الأندر عالميا في المياه) من النزاعات المستمرة، والتغيرات المناخية، والزيادة السكانية التي تزيد من حدة الأزمات الاقتصادية، ظهرت الحاجة لاستشراف موقعنا في الوطن العربي من قضية المياه أو التي يطلق عليها قضية «الحياة أو الموت» بالنسبة للإنسان والحيوان والنبات.
 
عقد دولي
ومع تواصل العقد الدولي في الأمم المتحدة بعنوان «المياه من أجل التنمية المستدامة»، إدراكا من المنظمة الدولية بخطورة قضية المياه والذي بدأ عام 2018 ويستمر الإشارة إلى مستجداته سنويا حتى عام 2028. وتحذيرها كل عام من محدودية الحصول على المياه النظيفة والآمنة للاستخدام، وتفاقم خطر الجفاف والفيضانات وكذلك قضية مرافق الصرف الصحي، أوضحت «المجلة» خطورة الوضع من خلال تقرير الجمعية العمومية للمجلس العربي للمياه الذي يصدر تحت مظلة جامعة الدول العربية، بالإضافة إلى آراء بعض الخبراء. 

 




الدكتور خالد محمود أبو زيد


 
خطورة بالغة
الدكتور خالد محمود أبو زيد عضو مجلس المحافظين بالمجلس العربي للمياه، والمدير الإقليمي للموارد المائية بمنظمة سيداري (مركز البيئة والتنمية للإقليم العربي وأوروبا) ألقى الضوء على الخطورة التي باتت تكتنف الوضع المائي بالمنطقة العربية من واقع تقرير الجمعية العمومية للمجلس العربي للمياه والذي انعقد منذ أيام قليلة (مارس/ آذار)، مؤكدا على تدشين التقرير الثالث لحقيقة الوضع المائي في الدول العربية الذي يصدر تحت مظلة المجلس الوزاري العربي للمياه بجامعة الدول العربية، وهو نتاج جهد من التعاون لمدة ثلاث سنوات مع نقاط الاتصال بالوزارات المعنية بالمياة في 22 دولة عربية.
 
فقر مائي
وأشار الدكتور أبو زيد إلى أن الموارد المائية (السطحية والجوفية) المتجددة العذبة تقدر بنحو (91 مليار متر مكعب في العام)، وأن المياه التي تنبع من خارج المنطقة العربية تصل إلى نحو (145 مليار متر مكعب سنويا)، والتي ساهمت مباشرة في الزراعة التي تعتمد على الأمطار بلغت نحو (150 مليار مكعب سنويا)، في حين وصلت المياه غير التقليدية إلى 74 مليار متر مكعب سنويا وهي التي تعتمد على (المياه المحلاه والصرف المنزلي والصرف الصناعي والزراعي، والمياه الجوفية المعاد استخدامها وشبه المالحة، ويستخدم من هذه الموارد المائية غير التقليدية نحو 29 مليار متر مكعب في العام، بالإضافة إلى ما تستخدمه الدول العربية من المياه العذبة التي تصل إلى نحو 235 مليار متر مكعب سنويا.
وأشار أبو زيد إلى أن الدول العربية تفقد نحو 5.8 مليار متر مكعب من شبكات المياه المنزلية والحضرية نتيجة لتهالك هذه الشبكات، وحاجتها للإحلال والتجديد بالإضافة إلى الفواقد التجارية من عدم المحاسبة نتيجة الوصلات غير الرسمية أو الفواتير غير المحصلة والتي تصل إلى نحو 3.2 مليار متر مكعب، فيما يبلغ متوسط استنزاف الموارد المائية المتجددة نحو 136 في المائة والذي يدفع إلى استهلاك الموارد غير المتجددة مثل المياه الجوفية.
 
17 دولة عربية تحت خطر الفقر المائي
وتابع أبو زيد: «نتيجة للشح المائي في المنطقة فقد وصل نصيب الفرد من المياه العذبة المتجددة سنويا إلى (نحو 565 متر مكعب سنويا) علما بأن حد الفقر المائي المعروف هو 1000 متر مكعب للفرد سنويا، ويوجد نحو 17 دولة عربية تحت خط الفقر المائي، فيما يبلغ المحرومون في الدول العربية من مياه الشرب النقية نحو 63 مليون نسمة، ومن خدمات الصرف الصحي الآمن نحو 79 مليون نسمة».
وأضاف: «الزحف العمراني على الغطاء الأخضر أدى إلى استبدال المياه المستخدمة وتقدر بنحو مليار متر مكعب في العام في الاستخدامات المنزلية وهو ما زاد من حدة شح المياه»
 
فجوة غذائية
ويوجد عامل آخر مهم– بحسب الدكتور أبو زيد- وهو مؤشرات المياه الافتراضية (وهو استيراد الطعام لسد الفجوة الغذائية) نظرا لقلة الموارد المائية المتاحة، فقد استوردت الدول العربية ما يقدر (بنحو 288 مليار متر مكعب من المياه الافتراضية من المنتجات الزراعية تقدر قيمتها بنحو 70 مليار دولار)، وصدرت (نحو 33 مليار متر مكعب من المياه الافتراضية في صورة منتجات زراعية مقدرة بنحو 57 مليار دولار)».

 




الدكتور خالد محمد غانم


 
حلول عاجلة
ومن جانبه، وضع الدكتور خالد محمد غانم أستاذ ورئيس قسم البيئة والزراعة الحيوية جامعة الأزهر والمتخصص في دراسات المياه، من خلال حديثه مع «المجلة» بعض الحلول، بعد تفاقم الظاهرة، ومنها البحث العلمي، لتطوير نظم الري، وإدارة المياه وإعادة استعمالها بعد معالجتها، بالإضافة إلى التدريب على المستجدات الزراعية، والتوعية من خلال الإعلام بأهمية ترشيد المياه، وأن يكون على رأس عملية البحث العلمي استنباط أصناف جديدة من المحاصيل الزراعية تتحمل الحرارة العالية والملوحة والجفاف بسبب التغيرات المناخية، وتمتاز بقصر موسمها الزراعي لتقليل احتياجاتها المائية، وإجراء دراسات لاستكشاف أحواض مياه جوفية جديدة في ظل تأثير السحب الحالي من الخزانات الجوفية، بالإضافة إلى عمل دراسات حول تحليه مياه البحر بالطاقة الشمسية بواسطة تكنولوجيات بسيطة، وكذلك تطوير نظم الري، لتشمل نظما أقل استهلاكا للمياه مثل الري بالتنقيط والاستفادة من المياه التي تم توفيرها في زراعة مساحات أخرى من الأراضي الجديدة، وإنشاء هيئات بين الدول الصحراوية المتماسة لاستغلال هذه المياه بشكل عادل.
 
مصادر غير تقليدية
وتابع الدكتور غانم: «يجب تنمية المصادر غير التقليدية للمياه، كاستخدام تكنولوجيات الاستشعار لاستكشاف المياه الجوفية، والتصوير الفضائي لإعطاء معلومات قيمة حولها، وأماكنها، بالإضافة إلى إعادة استخدام مياه الصرف بعد معالجتها سواء مياه الصرف الزراعي أو الصناعي، أو مياه الصرف الصحي، والعمل على إعادة تدويرها بخلطها بمياه أخرى عذبة إذا كانت ملوحتها أقل من 2000 جزء في المليون، وفي مصر مثلا يعاد تدوير نحو 5.5 مليار متر مكعب من هذه المياه، بالإضافة إلى استغلال المياه الرمادية والتي يمكن أن تعالج ليعاد استخدامها في أغراض كثيرة منها الزراعة المنزلية، وهناك عدد من التجارب العربية في كيفية معالجة المياه الرمادية الناتجة عن المطابخ وغسل الملابس وأحواض الاستحمام وإعادة استخدامها في زراعة المسطحات الخضراء.


اشترك في النقاش