بومبيو وعدم استقرار لبنان

* تظن الإدارة الأميركية أن الاستثمار بالدولة اللبنانية قد يطيح بـ«حزب الله». وهذا أحد أهم الأسباب وراء رغبتهم في الحفاظ على استقرار لبنان

جاء بومبيو إلى لبنان، ولكنه لم يهدّد ويتوعد كما توجس الجزء الأكبر من اللبنانيين، تبعاً لما سوّقه الإعلام الممانع وغير الممانع، بضرب استقرار لبنان وإنزال العقوبات الاقتصادية عليه، إن لم تتمايز مؤسساته الرسمية عن «حزب الله». ظن اللبنانيون وهم يستمعون لنشرات الأخبار وتغريدات معظم المطلعين على الشؤون السياسية لوهلة أن بومبيو آت على ظهر المدّمرة «نيو جيرسي» التي شاركت اللبنانيين حربهم الأهلية، فمنهم من ظن أنه آت ليحررهم من سطوة إيران و«حزب الله»، ويقيم لهم الدولة الفاضلة، ومنهم من بدأ يعد العدة ليفجر نفسه بأول مقر سيقيمه المارينز في بيروت.
لكن بومبيو جاء ماسكا العصا من وسطها. فهو أعلن أن «حزب الله» يعمل بعكس مصلحة اللبنانيين ووصفه بالإرهابي المسلح وصنفه كمنظمة إجرامية في قلب تجارة المخدرات في العالم، كما قال إن الحزب يأتمر بأوامر قاسم سليماني، فيرسل الشباب ليموتوا في اليمن والعراق وسوريا. ولكنه في الوقت نفسه رسم إطار المواجهة، عندما أعلن في مؤتمره الصحافي من قصر بسترس مقر وزارة الخارجية اللبنانية، أن الولايات المتحدة الأميركية سوف تستمر باستخدام جميع الأساليب السلمية المتاحة لها لتضييق الخناق على التمويل والتهريب وشبكات الإرهاب الإجرامية وإساءة استخدام المناصب، والنفوذ التي يستفيد منها «حزب الله»، مشددا على أن الولايات المتحدة الأميركية لن تتوانى عن الإعلان عن الجهات الداعمة سلبا أو إيجابا لهذه النشاطات.
الطبقة السياسية في لبنان على مجمل أطيافها سارعت إلى التأكيد للزائر الأميركي أن «حزب الله» مكوّن أساسي من المجتمع اللبناني، له نواب ووزراء وقاعدة شعبية كبيرة لا يمكن تجاهلها. حتى القوى التي كانت تمثل فيما مضى فريق 14 آذار المطالب بالسيادة والاستقلال والمعارض لتمسك «حزب الله» بسلاحه تحت أي حجة أو ظرف، لم يحد عن تلك اللازمة. حتى القوات اللبنانية المطالبة بحصرية السلاح بيد الجيش قالت بلسان وهبي قاطيشا، إن «حزب الله مكون لبناني أساسي نتعامل معه بالقطعة في السياسة الداخلية ككل المكونات الأخرى، أما ما يقوم به في الإقليم وخارجه، فهذا لا يعنينا كدولة لبنانية». الاستنتاج للمواقف التي أعلنتها معظم القوى السياسية يفضي إلى أن الطبقة السياسية في لبنان لا تمانع من التعامل مع «حزب الله» رغم امتلاكه سلاحا لا يخضع لإمرة الدولة أو إحدى أجهزتها. المؤسف أن هذا المكون اللبناني أي «حزب الله» لا يكتفي بممارسة فائض قوته على الداخل بل يذهب إلى خارج الحدود حاملا مقاتليه، وسلاحه وخبراته لدعم ما تراه إيران ضروريا لفك طوق عزلتها. مع هذا يقول أركان الدولة اللبنانية أن هذا الأمر لا يعنيهم.
على كل الأحوال، توقع اللبنانيون أن موقف بومبيو من «حزب الله» سيتبعه تهديد يطال لبنان كله حكومة وشعبا، باعتبارهما في قارب واحد مع الحزب، وهذا ما لم يحصل. وزير الخارجية عرض مساعدة بلاده لمن يريد معارضة هيمنة إيران و«حزب الله» على لبنان. وأكد أن الولايات المتحدة ستستمر في دعم المؤسسات العسكرية لا سيما مؤسسة الجيش اللبناني.
في اليوم التالي وبعد المؤتمر الصحافي الذي عقده وما تلاه من تحليلات صحافية أوضح الوزير مايك بومبيو في تغريدة أن العقوبات على «حزب الله» لن تؤثر على الاستقرار أو الاقتصاد اللبناني.
لم يهدد، لم يتوعد، حذر اللبنانيون، وحثّهم على الوقوف بوجه إيران و«حزب الله».
كذب المنجمون مرّة أخرى.
فماذا حصل؟
بشكل مبسط، يرفض الغرب عموما المس باستقرار لبنان، لأسباب منها ما يتعلق بعدم رغبته في استقبال نازحين سوريين وغير سوريين في حال اندلاع حرب في لبنان، ومنها ما يتعلق برفضه مبدأ الفوضى الخلاقة التي لم تنجح إلا بخلق المزيد من الفوضى ويرى بعض المحللين أنها ساهمت في خلق بعبع «داعش».
أما بالنسبة للأميركيين تحديدا فهم يفرقون بين الدولة اللبنانية ومؤسساتها وبين «حزب الله»، رغم سماعهم من المسؤولين اللبنانيين أن «حزب الله» هو جزء أساسي من تلك الدولة والمؤسسات. تظن الإدارة الأميركية أن الاستثمار بالدولة اللبنانية قد يطيح بـ«حزب الله». وهذا أحد أهم الأسباب وراء رغبتهم في الحفاظ على استقرار لبنان.
وهذا بالتحديد ما عبر عنه وزير الخارجية الأميركي عندما قال: «بصراحة شعب لبنان ولبنان يواجهان خيارا أساسيا إما أن يمضوا قدما كشعب أبي وإما أن يسمحوا لطموحات إيران و«حزب الله» أن تسيطر وتهيمن عليكم. جميعكم يعرف التاريخ».
مجددا يقع عاتق تحرير لبنان على اللبنانيين أنفسهم، فهل يلتقطون تلك الفرصة؟