كتابة مغايرة في قلب المأساة والعبث

«قيام وانهيار الصاد شين»... رواية التحولات والسخرية من العالم

* يحيلك العنوان إلى «قيام وانهيار آل مستجاب»، المجموعة القصصية للكاتب الراحل محمد مستجاب


* الصاد شين أو أبناء الصحراء الشرقية جنسية اخترعها القذافي، حقيقةً لا خيالاً، وتعتبر هي والكتاب الأخضر والنهر الصناعي العظيم من بنات أفكاره
 

القاهرة: بتاج مكسور ووجه يختلط فيه الواقعي بالسيريالي يشبه القذافي، وثمرة فلفل حمراء تعلو التاج (الفلفل الأحمر يرمز في دلالته الاجتماعية إلى القسوة والشظف ومرارة العيش)، يأتي غلاف رواية «قيام وانهيار الصاد شين» للكاتب الروائي المصري حمدي أبو جليل، والصادرة في القاهرة حديثا عن دار (ميريت) للنشر، والتي يحيلك عنوانها إلى «قيام وانهيار آل مستجاب»، المجموعة القصصية للكاتب الراحل محمد مستجاب، غير أنه في «قيام وانهيار الصاد شين» نحن بإزاء زمن يتداعى، وتحولات مرعبة تخص الأمكنة والبشر على كافة المسارات السياسية والثقافية، لنصبح أمام مؤشرات زمانية تتصل بالزمن الداخلي للرواية، من جهة، وترتبط بالسياق العام من جهة ثانية، خاصة فيما يتعلق بالسبعينات التي شهدت تحولا عاصفا في بنية المجتمعات العربية، غير أن رصد تجليات السبعينات هنا لا يتطرق للمدلول السياسي القح، قدر ما يتعلق بالتغيرات الاجتماعية العاصفة التي أوقعت هذه المنطقة من العالم في قبضة الرجعية المدعمة بسطوة المال ومظاهر التدين الزائف، التي استشرت في التسعينات من القرن الماضي مع تغول جماعات الإسلام السياسي، ويدرك الروائي هنا تلك الصلة الفكرية بين عقدي السبعينات والتسعينات التي كانت ارتفاعا لوتيرة النغمة الدينية المسيسة في محاولتها لالتهام العالم العربي، ليتحرك النص في تلك المساحة الجدلية التي أسميها بتحولات المكان - تحولات البشر.
تعتمد الرواية في بنائها على آلية التوالد الحكائي، وهي ابنة وفية لصيغة الحكاية الشفاهية، وتتواتر الفصول السردية المُشَكِّلة للرواية، وتستمر من الفصل الأول (اتضح أن الزعيم نفسه صاد شين)، ووصولا إلى الفصل الأخير (سان فيكتوريا)، ولنصبح أمام جغرافيا سردية متسعة باتساع خبايا ليبيا وأراضيها الشاسعة، وبالتداخلات بين صحراء الفيوم وليبيا، بين بدو الغرب وبدو الشرق، بين (الصاد شين) الممثلين لتلك المنزلة بين المنزلتين، فلا هم ليبيون خلص، ولا هم غير ذلك، تبدو جنسيتهم المخترعة من قبل الزعيم، اللفظة التي تتواتر على نحو كاريكاتيري في النص، وبمدلولات أخرى أيضا، منها المدلول الشعبي حينما يخاطب مثلا الكاتب قارئه مباشرة، موظفا تقنية كسر الإيهام، ومحطما ذلك الجدار الوهمي بين النص والمتلقي، فيقول: (الزعيم ولد في الفيوم يا زعيم)، حيث الانحراف بلفظة الزعيم عن مسارها المألوف إلى مسار شعبوي، ومتداول في الحياة اليومية، يحدده النص ذاته وفقًا للسياق السردي.
فبدو الصحراء الغربية في مصر الذين يفدون إلى ليبيا ليحصلوا على جنسية الصاد شين (وهي اختصار لمفردتي الصحراء الشرقية)، والذين يوثق الكاتب حكايتهم، وينحو أحيانا منحى تسجيليا معنيا بالإخبار عنهم، كما يفعل في فصله «مصدر الصاد شين» على سبيل المثال، أو في فصله المركزي المتماس مع عنوان الرواية أيضا «الصاد شين»، عبر لغة تقريرية لا تخلو من سخرية: «الصاد شين أو أبناء الصحراء الشرقية جنسية اخترعها الزعيم القائد، حقيقة لا خيالا، تعتبر هي والكتاب الأخضر والنهر الصناعي العظيم من بنات أفكاره، بل إنها الفكرة الوحيدة التي اكتملت وتحققت، فالنهر الصناعي العظيم ما زال لم يجرِ نهائيا، أو أنه لم يجرِ الجريان اللائق بعظمته، ومقولات الكتاب الأخضر تهاوت واحدة تلو الأخرى على صخرة إباء الشعب الليبي العظيم، وهو نفس الإباء الذي أودى بالزعيم نفسه في نهاية المطاف» (ص60).
وما بين التقلبات والارتحالات القلقة للراوي البطل وأشياعه وخصومه، وذويه من أبناء الصاد شين (الصحراء الشرقية)، أو أقربائه من الليبين الخلص، وما بين البدو والفلاحين، والمهاجرين والوافدين، ما بين الإخفاق في الهجرة إلى إيطاليا، وما بين السفر بعيدا والعودة فرارا، تتشكل ملامح التغريبة السردية التي تغاير المستقر من التغريبات، لكنها تحتفظ بروحها القلقة، روحالفتى (الصِّيد)، أي ذلك الفتى الذي يعدو سريعا، الخطّاف، الذي يقنص الأشياء، ولم يزل يحتفظ بسذاجة ريفي عايشه، أو بدوي كانه.
يحيل الكاتب في استهلاله السردي إلى الشاعر المصري أسامة الدناصوري، وتبدو محاولة استعادة الدناصوري هاجسا لدى حمدي أبو جليل، فهو يبثه نجواه تارة، ويحكي عنه تارة ثانية، كما فعل من قبل في كتابه (الأيام العظيمة البلهاء- طرف من خبر الدناصوري).
لا يلبث أن يكسر الكاتب إيقاعه اللغوي منذ اللحظة الأولى، وكأن ثمة إصرارا على مواصلة الحكي بطريقته ذات الطابع الشفاهي، إن الأسلوب هنا يبدو ابنا لروح الكتابة والأنساق الفكرية والجمالية التي ينطلق منها الكاتب ذاته، ويصدر عنها، معتمدا على ذلك العقد السردي بينه وبين متلقيه، منذ المفتتح وحتى الختام.
تعد السخرية تيمة مركزية في الرواية، وبنية مهيمنة عليها، وتتجاوز السخرية هنا مساءلة العالم والواقع المحيط إلى السخرية من الذات نفسها، والتندر الدائم عليها، وتتعدد مستويات السخرية من توظيف المفارقات الساخرة مثل مشهد العم الذي يحرص على امتهان زوجة أخيه بعبارة (يا ولية)، وبأن ابنها (الراوي- البطل) ليس أكثر من «تربية ولية»، مع أن زوجة العم التي يأتمر بأمرها ليست أكثر من «ولية» أيضا بتوصيف النص!
تأخذ السخرية بعدا آخر، يتجلى في تلك العلاقة المضمرة الرهيفة بين الأم والراوي: «أمي كانت تقول لي: إنت مش ماشي على قدك.. وكنت بأقول لها بغيظ: أنا لو مشيت على قدي تماما هنام، هاغطس تقريبا، مش هاتحرك أساسا» (ص11).
تدخل السخرية في صلب الرواية وتصبح بنية مهيمنة بالفعل حين تتجلى المفارقة الساخرة في كون أبناء «الصاد شين» يبدون مهمشين وحاكمين في نفس الآن، ومبعدين ومقربين من السلطة معا.
تعد السخرية ابنة الموقف السردي في الرواية، وتحضر كثيرا في الحكايات الفرعية داخلها مثل حكاية (أبو النيد) المصري من بدو الفيوم والذي لا يجيد سوى اللهجة البدوية ويعتقد الليبيون الذين احتجزوه أنه من بنغازي من أعداء «الزعيم»، وكلما يطلب منه الراوي أن يتحدث باللهجة المصرية كي يدركوا أنه مصري لا يستطيع أن يدير حوارا معهم!
يكسر الكاتب أفق الإيهام بين المتلقي والنص دائما، ويضع ذلك في إطار الحكي الشفاهي الذي يعتمد عليه في بناء نصه، ويوهم أحيانا متلقيه بالتداعي الحر، وفي النص ما يسمى بأرق الهويات وتصارعها، وحضور مساءلة الذات على نحو يتسع طول الرواية من قبيل: «دائما أنا الروح الساذجة في المحفل اللئيم» (ص17).
يصحب الإخفاق الراوي في رحلته في ليبيا وإيطاليا معا، ولا تلبث الأيام التي تبتسم أن تدير ظهرها ليعود فارًّا من الألبان مواصلا هوايته في الضحك على كل من يعرفهم وآخرهم «كريم» المغربي، الذي يعده بأنه سيطير إلى فرنسا ليجلب المال من أقاربه، ويطير بالفعل، ولكن إلى مصر، تاركا كريم لمصيره المحسوم تقريبا، وما بين أجواء الارتحال القلق في بلدان وأمكنة مختلفة، تلوح روح الشطار والعيّارين القادرين على التخفي، مثلما يهرب هنا الراوي البطل من الأفارقة، ومن الشرطة الليبية، ومن خفر السواحل، ومن البوليس الإيطالي، حياة تبدو خشنة وقاسية ومتصعلكة لكنها لن تعدم قارئها سخرية من العالم الذي يقرؤه، سواء بوصفه شريكا في إنتاجه، أو متفرجا عليه، أو نائيا بنفسه فيشاهده عبر زجاج، لكن التورط في هذا العالم سيلاحق متلقيه الذي سيكون هنا في قلب المأساة، قلب الفوضى، قلب العبث.


اشترك في النقاش