«ملامح عهد»... معرض يروي تاريخ مصر في ظل الأسرة العلوية

يضم مقتنيات ملكية عمرها أكثر من 150 عاماً
* تماثيل من البرونز والرخام ولوحات زيتية تعرض لأول مرة
* المعرض يكشف عن تمثال للخديوي إسماعيل ظل مختفياً في ظروف غامضة... ويسلط الضوء على أنظمة الحكم في مصر من ولاية إلى سلطنة ثم مملكة
* من بين المعروضات طقم الشاي الملكي الذي أهدي للوالدة باشا بمناسبة افتتاح قناة السويس

 

القاهرة:حكام سطروا صفحات من تاريخ مصر الحديث كانت لهم رؤية وأهداف، أهواء وهفوات، لكنهم تركوا تراثا وإرثا لا يزال يثير الفضول حوله، هذا ما ترويه مقتنيات معرض «ملامح عهد»، الذي أقيم بقصر عائشة فهمي المنيف، بحي الزمالك (مجمع الفنون) الذي يمثل بانوراما للتاريخ المصري الحديث عبر حكام أسرة محمد علي.
يحتوي المعرض الذي يمتد لنهاية مارس (آذار) الجاري، على لمحات من عهد ملكي امتد على مدار قرن ونصف القرن، من تماثيل ولوحات ونياشين وميداليات وصور فوتوغرافية ومقتنيات ملكية موزعة في أرجاء القصر المعماري ذي الطراز المعماري، وبموقعه المطل على صفحة النيل.
التقت مجلة «المجلة» الفنان إيهاب اللبان، مدير مجمع الفنون بالزمالك، للحديث عن فكرة وأهمية المعرض، يقول: «يأتي هذا المعرض ليكون الثالث ضمن سلسلة كنوز متاحفنا، وسبقه معرض النسيج القبطي والإسلامي الذي ضم قطعا ومنسوجات نادرة عمرها مئات القرون وحقق نجاحا مدويا».
وجاءت النسخة الثالثة عقب فترة من البحث والتنقيب؛ ليكشف المعرض عن 120 قطعة تعتبر كنوزا منسية في متاحفنا المصرية.
 




إبراهيم باشا نجل محمد علي

ويروي اللبان: «بدأت التنقيب في متحف الجزيرة للفنون المغلق منذ عدة سنوات عن قطع ذات جودة عالية لم تعرض من قبل، وتكون ذات موضوع مفاجئ ومختلف، فوجدت مجموعة من القطع التي لم تعرض من قبل تعود لفترات مختلفة من حكم أسرة محمد علي، وبدأنا بالدراسة وتنسيق العرض وفقا للمعايير الفنية والعلمية».
وعن أهمية المعرض، يضيف: «يعبر عن فترة مهمة من تاريخ مصر عبر 150 سنة أثرت في السلوك المصري والعمارة المصرية وجوانب كثيرة من جوانب الحياة في مصر المعاصرة، لا تزال شواهدها أمامنا في كل مكان. نقدم المعرض كجزء من تاريخ مصر لكن من منظور فني بحت وموجه للأجيال الجديدة التي لم تعايش هذه الحقبة».
ويشير: «يركز المعرض على الأعمال التصويرية والنحتية التي تجسد أسرة محمد علي، ولم تعرض من قبل، وتم تخزينها منذ فترات طويلة جدا. والمغاير في هذا المعرض أن معظم المعارض أو المتاحف التي تتحدث عن محمد علي وأسرته تركز اهتمامها على الأشياء المادية، ولكن هذا المعرض يقدم صورا ولوحات خاصة للأسرة تم استقدام أهم الفنانين العالميين آنذاك لتنفيذها، ومن هنا؛ فإن المعرض يعكس اهتمام الأسرة بالفنون واستقدامهم لكبار الفنانين الأجانب في الرسم كما في العمارة».
ويتابع اللبان: «المعرض يبرز ملامح هذا العصر بداية من مؤسس الأسرة محمد علي وحتى الملك فاروق، ولا يتطرق لكيفية حكمهم لمصر ولكن لما أنتجه هذا العهد من ملامح فنية ينبغي أن نفخر بها».
ويلفت: «لقي المعرض إعجابا من قبل فئات مختلفة من الشعب المصري إلى جانب الجاليات المختلفة التي تعيش في مصر وزاره غالبية الدبلوماسيين والسياسيين المصريين، كما زاره عدد من أفراد أسرة محمد علي، ومنهم، الأمير محمد علي حفيد الملك فاروق، والنبيلة ملك بير، حفيدة الأمير عمر طوسون، وهو الابن الثاني للأمير طوسون بن محمد سعيد بن محمد علي». ويضيف: «حضور عدد كبير من الشخصيات البارزة والفنانين يؤكد أن الفنون لا تزال جاذبة للمجتمع والمهم هو اختيار المشروع وتقديم الفنون بشكل مدروس».

 




صورة للملك فاروق بملابس الصيد حيث كانت هوايته المفضلة


 
بانوراما لتاريخ مصر
زيارة واحدة للمعرض لا تكفي، فالمعروضات النادرة تم توزيعها بأسلوب عرض احترافي لتروي صفحات من تاريخ مصر عبر هذه القطع الفنية، كما أن المعرض يثير الفضول لمزيد من التفاصيل عن حياة تلك الأسرة العلوية: «لسنا في معركة مع التاريخ» يضيف اللبان: «لا بد أن نفخر بتاريخنا وما يرتبط به ونبني عليه».
بعض اللوحات أو المنحوتات تعود لأكثر من 150 عاما، وفي مقدمة المعرض يتوسط بهو القصر، وفي بداية المعرض، تمثال نصفي من الرخام الإيطالي لمحمد علي فيما تحيطه لوحات ضخمة لملوك مصر، ومنها لوحة لإبراهيم باشا بالزي الرسمي، ولوحة للخديوي إسماعيل تقابلها لوحة الملك فؤاد بزي التشريفة، وبعد خطوات استوقفتني لوحة زيتية ضخمة لمحمد علي باشا، مرسومة ببراعة شديدة، وهي تجسد المشهد الخاص بمحمد علي في قصر رأس التين بالإسكندرية حينما التقطت أول صورة فوتوغرافية في أفريقيا في نوفمبر (تشرين الثاني) 1839. فسألت الفنان إيهاب اللبان هل هي مؤرخة في نفس التوقيت أم تم رسمها قبل عصر الفوتوغرافيا؟ ويؤكد: «لا يمكن أن نجزم لأن كثيرا من اللوحات غير موقعة أو مؤرخة».
كما يكشف المعرض لأول مرة عن تمثال للخديوي إسماعيل، ويوضح اللبان أهمية وقيمة هذا التمثال، قائلا: «هو تمثال من البرونز بالحجم الطبيعي تم نحته في الأربعينات من القرن الماضي وكان يفترض أن يزين ميدان التحرير، على يد فنان مصري، لكن لظروف غامضة فُقد وظل طي النسيان لسنوات طويلة، لذا يعد وجود هذا التمثال مفاجأة كبرى للآثاريين والباحثين الذين ظنوا أنه اختفى».
 




لوحة للخديو اسماعيل

من بين معروضات «ملامح عهد» نسخة مصغرة أصلية من تمثال محمد علي باشا وهو يمتطي جواده، مبهرة في تفاصيلها الدقيقة، نحتها أشهر النحاتين الفرنسيين جاكمار (1824 – 1896)، الذي صمم تمثال محمد علي بميدان المنشية، وهو من نحت أسدي قصر النيل، وتمثال لاظوغلي بوسط القاهرة.
كذلك يضم المعرض تمثالا نصفيا للخديوي إسماعيل نحته النحات الفرنسي الشهير شارل كوردييه (1827 – 1905)، وأيضا سنجد عدة لوحات تنطق بهيبة وقوة الملك فؤاد رسمها الرسام المجري دي لاظلو، كما سنجد تمثالا ممهورا بتوقيع النحات الإيطالي أرنستو جازيري يجسد الملك فؤاد حاملا لفافة ملكية تمثل أول نسخة من الدستور المصري، يشير اللبان: «هذه شواهد على اهتمام الدولة بالفن وقيمته».
وخلال الجولة يلفت الفنان إيهاب اللبان إلى أن المعرض يستعرض معلومة تاريخية هامة، ألا وهي أن مصر مرت بها أحداث عظام لكنها ظلت صامدة قوية، وتحول نظام الحكم بها عبر قرن ونصف من نظام الولاية (حيث كانت تابعة للسلطنة العثمانية)، ثم نظام السلطنة، فالحكم الخديوي، ثم المملكة قبل أن تتحول فيما بعد للنظام الجمهوري. وهنا تنتهي بك الجولة أمام ركن حكام مصر محمد علي وفؤاد باشا رموز القوة في الحكم، وعلى الجانب الآخر من العرض فرصة حقيقية لإعادة الاحتفاء بمراحل أساسية من تاريخنا المصري الحديث، بعيدًا عن أي اعتبارات تخرج عن حدود القيمة الجمالية والتراثية والتاريخية المجردة.
 




طقم الشاي الذهبي المهدى للوالدة باشا بمناسبة افتتاح قناة السويس

ويلفت إلى أنه «لطالما كانت من أهم دلائل قوة الدولة منذ العهد الفرعوني الاهتمام بالفنون والعمارة، كما أن منتج الحضارة الفرعونية غالبه منتج فني». وفي الطابق العلوي من القصر في البهو الرئيسي تستقبلك لوحات عدد من أبناء محمد علي باشا وأحفاده وتتضمن لوحة أحمد رفعت، الأمير الذي فقد حياته شابا في حادث غرق غامض، يعتقد أنه كان مدبرا لكي يتولى الحكم الأمير إسماعيل أو الخديوي إسماعيل فيما بعد، ولوحات أخرى لعدد من أمراء مصر في ريعان الشباب وقبل تولي الحكم. فضلا عن قاعة مخصصة للوحات الأميرات والملكات والصور الجماعية للأسر الملكية، ولوحة بورتريه لآخر ملكات مصر الملكة ناريمان.
لا يقتصر المعرض على اللوحات والتماثيل فحسب، بل، يضم كذلك وثائق وصوراً فوتوغرافية نادرة ورسما تفصيليا لشجرة أسرة محمد علي منذ عام 1805 حينما تولى حكم مصر، والتي توضح الزوجات والأبناء والأحفاد، فضلا عن ميداليات تذكارية تخلد مناسبات رسمية، منها: تنصيب ملوك، أو افتتاح قناة السويس، ومن أبرز الميداليات المعروضة ميدالية نقش على أحد وجهيها صورة للقائد الفرنسي نابليون أمام الأهرامات إلى جانب طقم شاي مطلي بالذهب تم إهداؤه إلى الوالدة باشا بمناسبة افتتاح قناة السويس عمره قرن ونصف القرن. ونماذج من الأثاث الملكي لم تتح لغالبية المصريين أو السياح رؤيتها من قبل، لا سيما أن الكثير من القصور الملكية لأسرة محمد علي مغلقة؛ إما للترميم وإما لأنها لا تسمح بزيارات الجمهور فيها حفاظا على المقتنيات التي لا تقدر بثمن.
وتنتهي الجولة بك لتقع عيناك على لوحة (اسكتش) لم يكتب لها أن تنتهي للملك فاروق، كما لم تنته فترة حكمه لمصر، حيث تم ترحيله لمنفاه في إيطاليا مع اندلاع ثورة يوليو (تموز) 1952. وهنا ستجد لوحات للملك فاروق بزي البحرية المصرية، وأخرى بملابس الصيد... وفي ختام جولتك يمكنك الولوج لقاعة عرض صغيرة تعرض فيلما تسجيليا لوقائع الاستعدادات للمعرض، وما تضمنته من عمليات ترميم دقيقة للوحات والتماثيل النصفية الرخامية لكي يخرج المعرض بهذا المستوى العالمي للعرض المتحفي.
 


اشترك في النقاش