زلزال تركي

«تراجع الإردوغانية» بعد الانتخابات البلدية
* اكتسبت الانتخابات المحلية أهمية خاصة لكونها آخر استحقاق انتخابي تشهده تركيا بعد فترة مليئة بالاستحقاقات الانتخابية
* تصب نتائج الانتخابات لصالح المعارضة الحزبية، حيث فاز بمنصب بلدية العاصمة مرشح حزب الشعب الجمهوري المعارض، منصور يافاس محمد أوز هسكي بـ50.9 % من الأصوات مقابل 47 % لمرشح حزب العدالة والتنمية
* فاز مرشح حزب الشعب الجمهوري أكرم إمام أوغلو ببلدية إسطنبول، حيث حصل على 4 ملايين و159 ألفاً و650 صوتاً مقابل حصول مرشح حزب العدالة والتنمية، رئيس الوزراء السابق بن علي يلدريم، على 4 ملايين و131 ألفاً و761 صوتاً
* توضح هذه الانتخابات أن السلطة الحاكمة في تركيا قد بلغت الحد الأقصى من حيث الحضور السياسي وأن مرحلة الخفوت التدريجي قد حان موعدها
* إردوغان: «نعرف أننا كسبنا قلوب الناس حيث انتصرنا، ونقر بأننا لم نكن على المستوى حيث انهزمنا»
* حالة الهدوء السياسي قد لا تستمر كثيرا فإردوغان لا يقوى على العمل مع خصومه، وهو أمر قد يجعل من نتائج الانتخابات البلدية زلزالا تركياً ومقدمة لمشهد مختلف عما عايشته الدولة التركية خلال العقد ونيف

الخاليين

أنقرة: لم تأت نتائج الانتخابات البلدية بما توقع حزب العدالة والتنمية، سيما في البلديات التركية الكبرى، حيث خسر الحزب في مفاجأة مدوية - ربما عكستها مسبقا بعض استطلاعات الرأي العام - الانتخابات في مدن تركيا الرئيسية، كأنقرة وإسطنبول وأزمير وأنطاليا. خسارة الحزب بدت مركبة، فهي من ناحية غير مسبوقة منذ عقد ونيف خاليين، ومن ناحية أخرى، جاءت في وقت كان الحزب التركي الحاكم يمني نفسه بسنوات أربع قادمة تتسم بالهدوء، وذلك بعد أن سيطر على الانتخابات الرئاسية والبرلمانية العام الماضي، فيما من المفترض أن لا تشهد البلاد انتخابات أخرى حتى عام 2023. لتدخل تركيا فيما يمكن أن نسميه «بياتاً انتخابياً».

اكتسبت الانتخابات المحلية أهمية خاصة لكونها آخر استحقاق انتخابي تشهده تركيا بعد فترة مليئة بالاستحقاقات الانتخابية؛ وبحسبانها تأتي بعد التحول للنظام الرئاسي بما يجعلها أول امتحان يخوضه الرئيس التركي، بعدما بات يهيمن على كافة الصلاحيات والسلطات. وحسب النتائج الأولية للانتخابات البلدية، فإن حزب العدالة التركي حصل على نحو 51 في المائة من إجمالي الأصوات، بينما حصل حزب الشعب الجمهوري المعارض وحزب «الخير» على 30.25 في المائة.

تشير هذه النتائج، على الصعيد العملي، إلى فوز العدالة غير أنها على الصعيد السياسي تعني «فضيحة انتخابية» للحزب الحاكم، ذلك أن الانتخابات البلدية في تركيا نتائجها تحسب بدلالاتها السياسية أكثر منه بنتائجها الفعلية، لذلك فقد حددت نتائج الانتخابات بمصير اتجاهات الناخبين في مدينتي أنقرة وإسطنبول. وتكفي الإشارة إلى أن المرة الوحيدة التي لم يفز فيها الحزب الحاكم بأغلبية الأصوات في المدينتين في الانتخابات البرلمانية لم يحصد الأغلبية اللازمة لتشكيل الحكومة منفردا بما دفعه للدعوة لاحقا لانتخابات برلمانية مبكرة.

وتصب نتائج الانتخابات لصالح المعارضة الحزبية، حيث فاز بمنصب بلدية العاصمة مرشح حزب الشعب الجمهوري المعارض، منصور يافاس محمد أوز هسكي بـ50.9 في المائة من الأصوات مقابل 47 في المائة لمرشح حزب العدالة والتنمية، هذا فيما فاز مرشح حزب الشعب الجمهوري ببلدية إسطنبول، أكرم إمام أوغلو، حيث حصل على 4 ملايين و159 ألفاً و650 صوتاً مقابل حصول مرشح حزب العدالة والتنمية، رئيس الوزراء السابق بن علي يلدريم، على 4 ملايين و131 ألفاً و761 صوتاً، بعد فرز 31 ألفاً و102 من صناديق إسطنبول، بينما يتواصل فرز 84 صندوقاً بسبب الاعتراضات والطعون الانتخابية.

 




الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يلقي خطابًا وبجانبه ديناصور نموذجي خلال حفل افتتاح متنزه العجائب أوراسيا في أنقرة في 20 مارس 2019.(غيتي)

 

محركات نتائج الانتخابات البلدية

تتعدد محركات خسارة حزب العدالة للانتخابات رغم أن الرئيس التركي سعى إلى تعبئة طاقة الدولة وإمكانياتها لخدمة مرشحي الحزب، وذلك على نحو ينبني على أهمية الانتخابات، سيما في المدن التركية الرئيسية.

وقد اتهم إردوغان في خطاباته معارضيه بالارتباط بـ«الإرهاب». وافتقدت شروط الحملات الانتخابية التوازن، إذ قامت المحطات التلفزيونية بنقل جميع خطابات إردوغان اليومية بكاملها، من غير أن تخصص الكثير من الوقت لمعارضيه، بما أوضح أن حزب العدالة والتنمية لم يعد قادرا على الفوز في انتخابات عادلة، ربما يكون غيابها أحد أسباب هزيمة الحزب التركي الحاكم إضافة إلى الكثير من المحركات الأخرى، ومن أبرزها:

 

أولا - سقوط أسطورة «الرئيس المنتصر»

عهد الناخب التركي على مدى سنوات خالية تركيا متعددة الألوان السياسية والقوى الحزبية التي يتنافس فيها الجميع على مقاليد السلطة بمستوياتها المختلفة، بيد أن تحول النظام السياسي التركي من برلماني إلى رئاسي قد أنهى تعددية تركيا وجعلها ذات لون سياسي واحد، وعلى الرغم من أن قطاعا عريضا من الناخبين قد ساهم في صنع هذه الحالة المركزية التي لم تعهدها تركيا، غير أن تشكلها وخبراتها أوضحت مساوئها على الصعيدين السياسي والاقتصادي، سيما أنها لم تصنع استقرارا سياسيا ولا تنمية اقتصادية إن لم تكن أسهمت في تعزيز التوتر وعدم الاستقرار على المستويين معا.

فلم تفض هذه الحالة إلى خلق بيئة داعمة لها جماهيريا، بل أوجدت حالة رفض لسياسات الرئيس التركي التقليدية، والتي طالما وظف فيها قضايا الخارج وصبغها بصبغة دينية، وقضايا الداخل التي دائما ما طبعها بطابع قومي. فبدا وكأن الرئيس في خطاباته وتصريحاته وتكتيكاته يعيد استنساخ ذاته ويستخدم ذات أوراقه وربما تعبيراته لخلق حالة شعبية مواتية وبيئة انتخابيه يتركز انتباهها نحو الرئيس ليسيطر عليها إردوغان وكأن الانتخابات رئاسية وليست محض بلدية.

وأقدم الرئيس التركي (65 عاما) على قيادة الحملة الانتخابية لمرشحي حزب العدالة والتنمية، فعقد أكثر من مائة مهرجان انتخابي خلال خمسين يوما، وألقى ما لا يقل عن 20 خطابا في إسطنبول، وذلك على نحو جعل من هزيمة الحزب في هذه الانتخابات تمثل هزيمة لإردوغان نفسه.

وعلى الرغم من أن أنماط التصويت في الانتخابات البلدية طالما تعلق بالتصويت على أساس شخصية المرشح وليس موقفه السياسي، بل قدرته على تقديم الخدمات للمواطنين، بيد أنه من الواضح أن هذه الانتخابات شهدت اتساع أنماط «التصويت العقابي» بسبب سياسات الرئيس التي لا تزال تنتقد المعارضة رغم أنها خارج دائرة التأثير السياسي، وربما ذلك ما أكسبها تعاطفا شعبيا متزايدا، سيما مع تنامي الإدراك بأن تحسين أداء السلطة الحاكمة قد يستوجب تأييد المعارضة حتى تُعيد السلطة السياسية تقويم سياساتها وتوجيهها.

 




مرشح عمدة حزب الشعب الجمهوري في إسطنبول أكرم إمام أوغلو يتحدث إلى وسائل الإعلام خلال مؤتمر صحفي في 03 أبريل 2019 في إسطنبول، تركيا. (غيتي)

 

ثانيا - انكشاف «استراتيجيات» إردوغان الانتخابية

لن تفضي هذه الانتخابات ونتائجها على نحو مباشر إلى المساس بسلطات الرئيس التركي وصلاحياته. وقد عبر عن ذلك إردوغان بقوله إن الناخبين «جعلونا الحزب الأول للمرة الـ15 في التصويت، وإنه سيبقى رئيساً لتركيا 4.5 سنة إضافية، وإن حزب العدالة سيستمر في حكمه بنفس الطريقة التي أتى بها للسلطة». وأشار إلى أنه لا يوجد «ما يقلقنا، سنفكر في إخفاقاتنا بالانتخابات وتعويضها والمضي في طريقنا متفائلين بأعمال أخرى».

بيد أنه على جانب آخر فإن هذه الانتخابات قد أضرت بسمعة الرئيس، كونها أول هزيمة لحزب العدالة والتنمية الحاكم بعد أن عاد إليه إردوغان رئيسا فعليا. ورأس الرئيس التركي حزبه منذ تأسيسه عام 2001 باستثناء ما بين 2014 (تاريخ انتخابه رئيساً) و2017 (تاريخ الاستفتاء على النظام الرئاسي)؛ ذلك أن الدستور كان يحظر ذلك. وربما يوضح ذلك أن تكتيكات الرئيس البالغ من العمر 65 عاما باتت مكشوفة ولم تعد تجذب قطاعات واسعة من الناخبين الأتراك، ومن ضمنهم الكتل التقليدية المؤيدة لحزب العدالة والتنمية، فـ16 عاما من الحكم كفيلة بأن تخلق خبرات عظيمة لدى المواطن في فهم ديناميات تحرك السلطة الحاكمة وأدواتها.

لذلك، ربما توضح هذه الانتخابات أن السلطة الحاكمة في تركيا قد بلغت الحد الأقصى من حيث الحضور السياسي وأن مرحلة الخفوت التدريجي قد حان موعدها، وفي هذا الإطار تقول تشيرايسي أياتا أستاذة العلوم السياسية في جامعة الشرق الأوسط التقنية في أنقرة، إن هذه النتائج مؤشر على «بداية النهاية» للنخبة السياسية الحالية. مضيفة: «لقد لاحظ إردوغان خلال الشهور القليلة الماضية تراجع حزبه لذلك نزل شخصيا وبقوة إلى المعركة مشاركا بكثافة في التجمعات الانتخابية».

ويبدو أن العامل الحاسم في خسارة الرئيس وحزبه رغم قيادة إردوغان الحملات الانتخابية أن تكتيكاته لم تعد مقبولة، من حيث التصريحات الدائمة عن المؤامرة التي تتعرض لها تركيا والحديث المستمر على أن «بقاء الأمة» على المحك والدعوة التقليدية إلى «دفن» أعداء تركيا «في صناديق الاقتراع»، وأن تركيا تدافع عن الأمة الإسلامية لا حدودها الجغرافية وحسب، وذلك بالتزامن مع سياسات تستهدف توظيف أحداث العالم الإسلامي لخدمة أجندة الحزب السياسية على الصعيد المحلي.

وعلى الرغم من الانتقادات الدولية لسياسات تركيا التي وظفت أحداث نيوزيلندا الأخيرة، إلا أن التوظيف السياسي لها لم يتراجع، واستمر إردوغان في بث فيديو الهجوم الذي تعرض له مسجدا مدينة كرايست تشيرش النيوزيلندية، بالتزامن مع شن هجوم على الدول الغربية، وفي تجمع انتخابي في ولاية زونجولداغ، غربي البحر الأسود شمالي تركيا طالب إردوغان بالالتفاف حول قيادة الدولة وقائدها.

عكست تصريحات إردوغان وقيادات حزبه وأنماط تكرارها وسط الجماهير على نحو شبه يومي أن ثمة «تجارة سياسية» بقضايا أخلاقية وذات طبيعة دينية بما أجج من الغضب الشعبي، وذلك في وضع أشارت تقديرات إلى أنه كان يستدعي معالجة مغايرة بحسبانها تتعلق بقضايا الإرهاب والتطرف على الصعيد الدولي، وترتبط بتصاعد حضور تيارات اليمين المتطرف عالميا، والذي يعزز حضوره ويوسع قاعدته الشعبية الخطاب الشعبوي في بعض البلدان الإسلامية كتركيا، التي وجهت لها دوائر غربية كثيرة اتهامات صريحة بالتورط في دعم جماعات إرهابية على أكثر من ساحة شرق أوسطية.

وتقول غونول أيديمير الناخبة في أحد مراكز الاقتراع في إسطنبول «عمري 57 عاماً وأعتقد أنها أسوأ (حملة)، يبدو الأمر وكأننا ذاهبون إلى معركة»، مضيفة: «لكن الوضع ليس كذلك، ليست سوى انتخابات، حقّ الناس في الديمقراطية». وسعياً منه لتحفيز قاعدة حزبه المحافظة، أعلن إردوغان أنه سيحول متحف آيا صوفيا إلى مسجد، معتبرا أن تحويل الكنيسة التي تعتبر تحفة هندسية من القرن السادس الميلادي إلى متحف كانت «خطأ كبيرا جدا». وقال برك ايسين الأستاذ المساعد في جامعة بيلكنت في أنقرة: «حتى الآن كان إردوغان يحصل على دعم قواعده الشعبية استنادا إلى المقولة التي تعتبر أن الاستقرار السياسي يجلب الازدهار الاقتصادي لكنه في النهاية لم يجلب الاستقرار السياسي ولا الازدهار الاقتصادي».

 




رجل يلوح بالعلم التركي المطبوع في داخله صورة مصطفى كمال أتاتورك بينما يتجمع الناس خارج ضريح مؤسس تركيا الحديثة مصطفى كمال أتاتورك في أنقرة في 2 أبريل 2019. (غيتي)

ثالثا - الاقتصاد «ورقة» إردوغان التي أسقطته

شكل التطور الاقتصادي التركي الذي شهدته تركيا منذ وصول حزب العدالة والتنمية أحد محركات بقاء الحزب في الحكم طيلة السنوات الخالية، وذلك بعد أن أسهم الاقتصاد ذاته في إسقاط نخب ما قبل مرحلة العدالة والتنمية بأغلب أحزابها بسبب الأوضاع الاقتصادية التي عانت منها الدولة قبيل وصول الحزب إلى السلطة. ويبدو أن الورقة التي لعبت أدوارا كثيرة لصالح إردوغان باتت تلعب ضده ولصالح منافسيه، وذلك في ظل استمرار تزايد مؤشرات التراجع الاقتصادي وتصاعد مظاهر انخفاض مستويات معيشة الأتراك، حيث تواجه تركيا أول انكماش اقتصادي منذ عشر سنوات وتضخما قياسيا وبطالة متزايدة.

وقالت ايمري إردوغان الأستاذ في جامعة بيلغي في إسطنبول إن الاقتصاد «لعب بالتأكيد دورا» في تراجع حزب العدالة والتنمية؛ فقد واجه الرئيس التركي انتخابات بلدية محفوفة بالمخاطر وسط عاصفة اقتصادية، بعدما خاض حملة انتخابية مرهقة سعيا لتفادي هزيمة كانت بمثابة زلزال له في مدن مثل أنقرة وإسطنبول.

وفور إعلان النتائج تراجعت الليرة التركية 1.2 في المائة مقابل الدولار، وذلك بعد أن كانت قد شهدت تراجعا بنحو 30 في المائة خلال العام الماضي، وبعد سنوات من النمو المتزايد، دخلت تركيا في حالة ركود، وتجاوز نسبة البطالة 10 في المائة، وتصل بين الشباب لـ30 في المائة، وبلغ التضخم نحو 20 في المائة خلال الأشهر الأخيرة.

وقال محللو الاستثمار إن تركيا كانت تستنزف احتياطياتها الدولية لتعزيز الليرة في الفترة التي تسبق الانتخابات، ووعد وزير المالية بيرت البيرق بالإعلان عن حزمة من التدابير المالية الجديدة بعد الانتخابات، بيد أن الثقة في تصريحات إردوغان وصهره بدا أنها وصلت إلى مرحلة متدنية على نحو غير مسبوق.

ورغم تعدد الكتابات الغربية في هذا الإطار، فإن تصاعد الغضب الشعبي بسبب الأوضاع الاقتصادية دفع عددا من كتاب الأعمدة في الصحف المؤيدة للحكومة إلى التحذير من أن الفساد والمحسوبية في البلديات يحولون الناخبين عن الحزب الحاكم إلى دعم أحزاب المعارضة انتقاما من الحزب الحاكم وليس حبا في أحزاب المعارضة.

ويمكن القول، إن الوضع الاقتصادي المتراجع أثر على نحو دراماتيكي على شعبية حزب العدالة والتنمية في المدن الكبيرة، بعدما اعتمد طويلا منذ العام 2002 على ارتفاع مضطرد لنسبة النمو في البلاد ما أتاح له تحقيق انتصارات انتخابية متتالية. بيد أنه بدل أن يتناول الصعوبات الاقتصادية التي ينسبها إلى «مؤامرة الغرب على تركيا»، ركز إردوغان حملته على المسائل الأمنية، محذرا من خطر إرهابي يحاصر البلاد. وربما يعكس ذلك حديث إردوغان خلال تجمع انتخابي قبل يوم واحد من بداية الاقتراع في إسطنبول حين قال: «إن التصويت لن يكون على «سعر الباذنجان أو الطماطم أو الفلفل إنها انتخابات من أجل بقاء البلاد».

 

رابعا - رفض سياسات «تدوير» النخب الإردوغانية

تعبر نتائج الانتخابات عن رفض شعبي لسياسات الرئيس التركي المتعلقة بتوظيف نخب العدالة وتدوير مواقعهم بما يخدم مصالح سلطاته وصلاحياته السياسية ليس وفق ما تقتضيه الحاجات العملية والضرورات السياسية، وإنما بمقتضى مصالح إردوغان، فقد أوضحت ذلك سياساته حيال الرئيس التركي السابق عبد الله غول ومن بعده رئيس الوزراء أحمد داود أوغلو، وفي الوقت الذي قام فيه إردوغان بتصعيد صهره بيرات البيرق من وزارة الطاقة والموارد الطبيعية إلى وزارة المالية ليسيطر على الجهاز المصرفي في تركيا، فإنه قام باستبعاد الكثير من الشخصيات التي طالما تمتعت بثقل سياسي ودعم شعبي، وضح ذلك مع رجل السياسة بولنت أرنيج ورجل الاقتصاد على باباجان.

وحاول إردوغان خلال الانتخابات الأخيرة انتهاج الاستراتيجية ذاتها، فبعد أن قام بتعديل الدستور وألغى منصب رئيس الوزراء لكي يسيطر على السلطة منفردا قام بترشيح رئيس الوزراء السابق، بن علي يلدريم لرئاسة البرلمان، ورغم ممانعة الرجل أقدم على ترشيحه مرة أخرى لرئاسة بلدية إسطنبول الكبرى بعد أن «سحبه» من رئاسة البرلمان التركي.

وفي انتخابات 2014. اختار الحزب بن علي يلدريم مرشحاً لرئاسة بلدية أزمير، ظناً منه أن فوز يلدريم بمقعد البرلمان عن أزمير مرتين متتاليتين، ونجاح مشاريع القطار السريع وتطوير البنية التحتية والإنترنت وخدمات الخطوط الجوية التي اقترحها في زيادة شعبية العدالة والتنمية في أزمير، ستمكن يلدريم من التغلب على حزب الشعب الجمهوري في معقله. لكن عزيز كوكا أوغلو، في معقله الذي شغله منذ عام 2004، خالف نتائج الاستطلاعات، ونجح في الاحتفاظ بمنصبه ليحل يلدريم في المرتبة الثانية.

هذه المرة، أقدم إردوغان مرة أخرى على استدعاء ثاني أهم شخصية في النظام السياسي التركي لكي يترشح عن حزبه وحزب الحركة القومية لبلدية إسطنبول، في مواجهة أكرم إمام أوغلو، الرئيس السابق لبلدية قضاء بيليك دوزو، ومرشح حزب الشعب الجمهوري وحزب الخير، وهو شخصية تتسم بالتدين والحياد والبعد عن التعصب الحزبي. وقد استطاع إبطال سياسات «تدوير المناصب» التي يتبعها إردوغان، هذا على الرغم من أن إسطنبول لم تشهد رئيساً للبلدية من خارج حزب العدالة والتنمية أو سلفه حزب الرفاه منذ أكثر من عقدين.

 




الناس يأكلون في برجر كنغ في أسفل ملصق انتخابي يظهر صورة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في 19 يونيو 2018 في إسطنبول ، تركيا. (غيتي)

خامسا - تزايد خبرات المعارضة في مواجهة «العدالة»

على الرغم من أن هزيمة العدالة قد تعود إلى تزايد مظاهر ضعفه بعد أن تحول من مؤسسة حزبية إلى حزب يعبر عن محض قيادته السياسية الممثلة في الرئيس، غير أن المعارضة السياسية بدورها تظهر هذه الانتخابات أنها راكمت الخبرات والدروس من سلسة هزائمها السياسية والانتخابية التي منيت بها خلال السنوات الخالية في مواجهة العدالة والتنمية. وربما يكون «تحالف الأمة» الذي خاض هذه الانتخابات يعكس ذلك، حيث خاض حزبا الشعب الجمهوري و«الخير» الانتخابات الرئاسية، ورغم أنهما خسرا هذه الانتخابات غير أنهما ظهرا أكثر تماسكا ونضجا في الانتخابات البلدية، التي شهدت على جانب ثان، تنسيقا مع حزب الشعوب الديمقراطية الموالي للأكراد، دون أن يُعلن عن ذلك رسميا من أجل الرغبة في اكتساب دعم قطاعات من الناخبين الموالين للأحزاب القومية الذين سعى حزب العدالة لاستقطابهم عبر «تحالف الشعب» الذي ضم إلى جانبه حزب الحركة القومية.

وقد قرر حزب الشعوب الديمقراطي الموالي للأكراد تقديم مرشحين في جنوب شرقي البلاد حيث غالبية السكان من الأكراد، ولم يقدم مرشحين في المناطق الأخرى لتجنب تشتيت الأصوات المناهضة لإردوغان. وقد أوضحت نتائج الانتخابات أن الأرقام بشكل عام تكشف أن مرشحي المعارضة نجحوا في اجتذاب غالبية ناخبي حزب الشعوب الديمقراطي، سيما في البلديات الكبرى، وأبرزها أنقرة وإسطنبول، ومُساندة مرشحي المعارضة في المناطق الغربية، غير أن الطرفين ابتعدا عن الدخول في تحالفٍ رسمي تجنباً لرد فعل غير محسوب من قواعدهما نظراً للاختلافات الآيديولوجية بين القوميين التركيين والقوميين الأكراد، وأيضاً بفِعل الحملة الشرسة على الأحزاب الكردية، والتي شملت سجن نواب بالبرلمان وكوادر حزبية على خلفية اتهامات بـ«الإرهاب».

 

ارتدادات الانتخابات البلدية في تركيا

إن خسارة حزب العدالة الانتخابات في كل من إسطنبول وأنقرة تعني أن شعبية الحزب قد تراجعت على نحو دراماتيكي، بما قد يعزز من الشعور بعدم شرعية استحواذ الحزب على مختلف المسؤوليات التنفيذية في الدولة، وعلى نحو قد يخلق توترا قد تتضاعف آثاره مع تصاعد مظاهر الضعف الاقتصادي وتراجع الاستقرار السياسي وتنامي السياسات التي تستهدف قمع وإسكات المعارضين.

وحسب بعض الأكاديميين الغربيين فإن خسارة إردوغان غير قابلة للتعويض كونها جاءت في توقيت تشهد فيه تركيا تحديات خارجية ومشكلات داخلية مركبة، بالتزامن، بما دفع البعض إلى القول إن «خسارة إردوغان إسطنبول وأنقرة تمثل خسارة ليست سياسية وإنما هزيمة نووية» كونها تمثل خسارة مركز السلطة السياسية ومعقل القوة الاقتصادية.

وقد يدفع ذلك بارتدادات كثيرة على الحياة الحزبية التركية، ربما يكون أبرزها تصدر حزب الشعب الجمهوري المشهد السياسي خلال المرحلة المقبلة، وربما يكون الأرجح ظهور حزب سياسي جديد يخرج من رحم العدالة والتنمية، ويقوده عدد من كوادر العدالة المستبعدين من قبل إردوغان بسبب ما سماه «التعب» أو «الصدأ»، الذي أصاب من يصفهم الرئيس «غادروا القطار ولن يركبوه ثانية»، ومع شريحة من المتحفظين داخل الحزب على الإدارة المركزية للحزب والدولة، ومع عوامل أخرى كثيرة، يبدو أن فكرة تأسيس حزب جديد بقيادة أو بمساندة الرئيس السابق عبد الله غول ورئيس الوزراء الأسبق أحمد داود أوغلو وبقيادة وزير المالية الأسبق على باباجان، قد وضعت على مسار التسخين والتفعيل.

وعلى الرغم من تعدد السيناريوهات بشأن مستقبل الأوضاع السياسية في تركيا بعد الانتخابات البلدية، غير أنه من الواضح أن البلاد قد تشهد أزمات متلاحقة خلال المرحلة المقبلة، فالغموض السياسي يزداد على نحو غير مسبوق، سيما بعد أن أقدم الرئيس التركي على تغيير كثير من القوانين التي تربط ميزانية البلديات بوزارة المالية، وتعزز من قدرته على إحكام قبضته على مختلف البلديات التركية، بما قد يدفع الرئيس إلى أن يستغل أحداثا داخلية طارئة قد يصنعها هو ذاته ليقوم بإقالة نواب حزب الشعب الجمهوري من مناصبهم سيما في إسطنبول وأنقرة، بما قد يدخل البلاد في أزمة سياسية وأمنية قد تُعرف بداياتها بيد أن سيناريوهات نهاياتها لن تكون محدودة.

لذلك فحينما قال إردوغان «نعرف أننا كسبنا قلوب الناس حيث انتصرنا، ونقر بأننا لم نكن على المستوى حيث انهزمنا» موجها حديثه لناخبيه قائلا: «من فضلك لا تحزن.. سنرى كيف سيديرون»، فإنه كان يدرك جيدا محركين رئيسيين أولها أنه يستطيع أن يتحكم في أداء البلديات عبر سلطاته الواسعة، وثانيها، أنه يعي خطورة الوضع الاقتصادي الذي يتطلب حالة من التهدئة، قائلا إنه رغم الهزيمة «لا يزال يملك غالبية الأحياء في إسطنبول» بيد أن حالة الهدوء السياسي قد لا تستمر كثيرا فإردوغان لا يقوى على العمل مع خصومه، وهو أمر قد يجعل من نتائج الانتخابات البلدية زلزالا تركيا ومقدمة لمشهد مختلف عما عايشته الدولة التركية خلال العقد ونيف الخاليين.


 


اشترك في النقاش