حزب الله ليس مفلساً

يصعب على المتابع أن يقتنع بالأخبار المتداولة في الصحافة عن صعوبة الوضع المالي لـ«حزب الله»، فليس هناك بوادر واضحة أنه بصدد أزمة مالية. كل التقارير التي تكتب عن هذا الموضوع مستندة على كلام أمين عام «حزب الله» إنْ كان في اعترافه بتأثير العقوبات الأميركية على مالية الحزب أم في ندائه إلى جمهوره بالشروع في «جهاد المال»،
فهل الوضع مأساوي فعلا كما يردد البعض؟
دعونا نبدأ من مكانة وأهمية «حزب الله» عند النظام الإيراني. من دون شك «حزب الله» من الأهمية لدى فيلق القدس والنظام الإيراني لينيطه بمهام بالغة الدقة، إن كانت أمنية أو عسكرية أو تجارية في الداخل اللبناني أو في الخارج. الأمثلة لا تنتهي. في المسائل الأمنية أنيطت به مهام تفجير المارينز في بيروت، والمركز اليهودي في بوينس أيريس على سبيل المثال لا الحصر طبعا. أما مهماته العسكرية فتتنوع من القتال المباشر، كما في سوريا مثلا، إلى التدريبات وإرسال الخبرات للمساعدة كما في اليمن والعراق. أما في المسائل التجارية فليس للمرء إلا أن يراجع العقوبات الأميركية المفروضة على «حزب الله» ليدرك مدى أهميته في مجال تهريب المخدرات والأسلحة والاتجار بالبشر.
وطبعا يبقى «حزب الله» من الأهمية لإيران ليصرف عليه النظام الإيراني مئات الملايين من الدولارات.
«حزب الله» في قلب الاستراتيجية التوسعية للجمهورية الإسلامية في إيران، لا بل أحد أعمدتها التي تواجه بها الغرب والولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل.
ثم إن الكلام الذي تكتبه التقارير والمعلومات التي تتناقلها الصحافة حول حجم الأزمة المالية التي تعصف بالحزب لا نرى له ترجمة فعلية على الأرض. فمثلا لم نسمع حتى الساعة عن استغناء الحزب عن أي موظف في مؤسساته وهي كثيرة، من إعلامية إلى خدماتية إلى أمنية. لم نسمع عن إغلاق أي من المؤسسات التي تعنى بالخدمات الاجتماعية، من المستوصفات إلى الجمعيات التي تهتم بعوائل الشهداء... إلخ. في بلد صغير مثل لبنان هذه الأخبار سريعة الانتشار، خاصة أن كثيرين في انتظارها. العمل داخل الحزب وداخل مؤسساته يبدو منتظماً.
من دون التقليل من أهمية العقوبات الأميركية ومدى تأثيرها خاصة مع المحاولة الجدية لتجفيف منابع المال يبقى خبر أزمة «حزب الله» المالية بالشكل المتداول غير منطقي. إذن لماذا كل هذه الضجة التي أثارها أمين عام «حزب الله» نفسه وبنت عليها الصحافة في تحليلاتها؟
في العام 2013 أعلن أمين عام «حزب الله» انخراطه بالحرب الأهلية السورية. هذا الانخراط فتح باب التوظيفات لدى الحزب من غير الحزبيين ولكنهم مقربون منه. لم تنحصر التوظيفات في الجانب القتالي فقط، فهناك ماكينة لوجستية مواكبة لعمل المقاتلين، من مأكل ومشرب وملبس، وصيانة مركبات ومعدات، إلى مسعفين، وكل ما يدور لوجستيا في فلك الجيوش.
هذا النمط استمر حتى انخفاض وتيرة المعارك في سوريا بشكل كبير، أي مع بدايات العام 2018. فكان من الطبيعي أيضا أن تنخفض معها الوتيرة اللوجستية ومتطلباتها. ومن الطبيعي حينذاك أن تنتفي الحاجة للعدد الكبير الذي رافق الماكينة الحربية لـ«حزب الله»، وكنتيجة ربما يكون قد صار إلى خفض رواتب الطاقم الذي استعان به «حزب الله» من خارج الإطار الحزبي وسيصار إلى صرف من لم يعد الحزب بحاجة لخدماتهم. وقد يكون هذا الشاب الذي صرّح لصحيفة «نيويورك تايمز» بتخفيض راتبه وبعض مخصصاته إحدى تلك الحالات.
ربما استبق أمين عام «حزب الله» تلك القرارات التي اتخذت أو ستتخذ في حق بعض الموظفين من خارج الإطار التنظيمي للحزب في مستقبل قريب جدا واعترف بضائقة ما جرّاء العقوبات الاقتصادية المفروضة من قبل إدارة ترامب قبل أن يطالب بيئته بالقيام بجهاد مالي لدعم الحزب في ضائقته.
وبهذه الحالة يكون الأمين العام لـ«حزب الله» قد حصّن بيئته من أي انتقاد كي يطال الحزب في حال استغنى عن خدمات البعض، وجيّشها لصالحه وأعطاها مهمّة أخرى وعنواناً لانتصار آخر عبر التصدي للعقوبات الأميركية.
إن لم نر حالات طرد جماعية، وتسكير لمؤسسات الحزب الخدماتية المجانية، وانشقاقات واسعة، واحتجاجات شعبية في قلب الضاحية الجنوبية، فكل كلام عن أزمة أو ضائقة أو إفلاس للحزب يكون من خارج إطار الواقع.
ناهيك أن إيران التي تحارب في المنطقة كلها من أجل تثبيت وجودها ونفوذها في الشرق الأوسط بمساعدة أساسية من «حزب الله» لا يمكنها أن تتركه يتخبط في أزمة مالية ليس وقتها حالياً. ففي النهاية إذا أخذنا الرقم الذي قدمه بومبيو عن ميزانية الحزب، فماذا تعني 800 مليون دولار سنوياً بالنسبة لميزانية الحرس الثوري؟