منتدى السلم في أبوظبي... ضوء في العتمة

ميثاق مراكش العالمي لحماية الأقليات الدينية
* التأسيس على «صحيفة المدينة» في الإسلام المبكر... وإعادة الاعتبار لمفهوم المواطنة من زاوية التجديد الديني
* إعلان «مراكش»، أسس لحوار جاد وصادق بين الفاعلين الدينيين من علماء الإسلام، وآخرين من كل الأديان والثقافات الأخرى

جدة: منذ عقود وعالمنا غارق في تحولات متسارعة على المستوى السياسي والاجتماعي، محمولاً على تقدم هائل في وسائل التواصل، وتكنولوجيا الاتصالات، وسيولة متدفقة للمعلومات، ومع ذلك كله؛ فإن من بداهة القول إنه ولج في نفق من العتمة المتمثلة في صعود أعمال العنف، وحوادث الإرهاب، وخطابات الكراهية والتمييز الديني والعرقي، مختبرًا أبشع صور المذابح والقتل والأزمات والدمار التي انكفأت فيها كثير من المجتمعات على ذاتها منقسمة إلى جزر من التعصب والانشقاقات بين أبناء المجتمع الواحد والدولة القُطرية التي تعاني من أزمة «المواطنة» على حساب تحديات للأقليات الدينية، والعصبيات القومية والعرقية.
 
تسامح مغيّب
البشرية تعاني اليوم من غياب «التسامح» الذي لا يحضر إلا في البروتوكولات الدبلوماسية، وشعارات الإعلام، والخطب العصماء في المناسبات الوطنية في حين أن نقائضه من التعصب والعنف جعلتنا نشهد قرنًا ألقى بظلاله القاتمة مخلفًا حربين عالميتين، وعشرات الحروب بين الدول، وحروبا أهلية، واضطهادًا للأقليات الدينية، أو خوفا متناميًا في المجتمعات الآمنة من الآخر المختلف بعد موجات النزوح للمهاجرين والناجين من الكوارث والنكبات والباحثين– وهم بالملايين- عن ملاذات آمنة ولو في أماكن نائية عن بلدانهم الأصلية.
 
من الخطاب إلى الممارسة
التسامح تلك الفضيلة التي تنشدها المجتمعات الحديثة لم تعد مجرد قيمة إنسانية عليا أو فريضة دينية، وواجبا ملحا لنداءات الضمير، بل باتت في عالم مضطرب ومعقد ومتشابك مطلباً ملحاً لاستقرار المجتمعات، وأمن الدول يجب أن تبنى على الاعتراف القانوني والدستوري والأخلاقي والديني بحق الآخر المختلف المتساوي في المواطنة على مستوى الحقوق والواجبات في ظل التنوع البشري الهائل تحت كنف الدولة الواحدة متعددة الأعراق والأجناس والمذاهب والأديان والأهواء لكنهم كذلك لا يمكن أن يعيشوا بكرامة وسلام دون الوصول إلى صيغة توافقية لتحويل التسامح من خطاب إلى ممارسة عملية وواقع معاش وليس مجرد تنظير فكري.
في لحظات سابقة كان غياب التسامح وما يخلفه من تعصب وتمييز وإقصاء ظاهرة تخص الدول النامية، لكنه بفعل الاتصال البشري، والهجرات الجماعية، صار أحد أهم تحديات الدول المتقدمة التي تعاني هي أيضا من نزعات تقويضية ضد تسامح مواطنيها، فالتسامح هنا ضرورة معيشية لضمان كبح جماح التطرف، وتشمل نطاقات أوسع، منها التسامح السياسي، والديني، والاجتماعي، والفكري، والعرقي، بمعنى آخر قبول للآخر غير مشروط.
 
تطور السياق الغربي
التطور التاريخي لمفهوم التسامح في الإطار الغربي جاء نتيجة سياق معقد وطويل لإيقاف التشرذم الذي عاشته تلك المجتمعات إبان الحروب الدينية الطاحنة، ومن هنا تم طرحه ضمن إطار فلسفي ومفاهيمي محدد، كان الفيلسوف جون لوك واحدًا من أبرز مفكريه في القرن السابع عشر عبر أطروحته التأسيسية «رسالة حول التسامح» التي صدرت 1688م ورافقت تأسيس الدولة المدنية الحديثة التي يصف مهمتها الأساسية «لوك» بـ: حماية حقوق المواطنين، ليطوره من بعد فولتير الفيسلوف الفرنسي كضمانة ملازمة للوجود الإنساني الطبيعي، فقانون الطبيعة وفقا لرؤيته هو المؤسس لذلك الاختلاف والتنوع الهائل بين البشر كما الكائنات والمخلوقات، وتتوالى الأطروحات لمفكري النهضة الأوروبية التي تمخضت لاحقا عن إعلان المنظمات الدولية بإعلان عالمي للتسامح كمبدأ عالمي حتى على الصعيد الدولي يطبع العلاقات المتكافئة بين الدول، ويضع حدا لنزعات الهيمنة والاستعمار، واستعمال القوة.

 
الإرث التاريخي
تلك التجربة الغربية الناتجة عن سياق خاص لتاريخ من العنف والحروب الدينية، كانت بحاجة إلى تأسيس قانوني ودستوري مماثل للحضارة العربية والإسلامية التي عرفت مفهوم التسامح مبكرا منذ لحظة التأسيس للإسلام كما تؤكده الوثيقة التاريخية الهامة «صحيفة المدينة».
ضوء في نفق عتمة العالم اليوم انبثق بما عرف بـ«ميثاق مراكش» المبادرة الطموحة لمنتدى السلم في أبوظبي عاصمة الإمارات التي وسمت هويّتها الثقافية بعام التسامح، وقدمت مشروعا يتجاوز الخطاب والنظرية إلى تفعيل «صحيفة المدينة» كإطار مرجعي لعلماء المسلمين، من شأنه المساهمة في اجتراح حلول عملية لأزمات غياب التسامح في صيغته القانونية والدستورية والتي ساهمت بتحديات هائلة مع صعود موجات التطرف والإرهاب والتطرف الديني، وما يقابله من التطرف اليميني والتفوق العرقي والإسلاموفوبيا الذي يحاول أن ينخر جسد المجتمعات الأوروبية اليوم.
 
توافق الفرقاء
إعلان «مراكش» بعيدا عن مؤتمرات الدبلوماسية الثقافية، أسس لحوار جاد وصادق بين الفاعلين الدينيين من علماء الإسلام، وآخرين من كل الأديان والثقافات الأخرى، ليجمعهم تحت سقف واحد فيما يشبه ورش العمل التحضيرية للخروج بصيغة توافقية بناء على إعادة تفعيل «صحيفة المدينة»، بروح عصرية ومدنية تعترف بشكل مبدئي وقانوني بمفهوم المواطنة وحقوق المواطنين مهما تمايزت خلفياتهم الدينية والعرقية والمذهبية، ورأس هذا المنتدى العالمي الشيخ العلامة عبد الله بن بية رئيس منتدى تعزيز السلم ومفتي الإمارات، وحضره أبرز الشخصيات الدينية على اختلاف تنوعها من كل العالم أكثر من 350 شخصية مؤثرة، وتوج لاحقا بحضور قداسة البابا فرانسيس بابا الفاتيكان والذي قام بزيارة تاريخية ثانية للمغرب عقب زيارته للإمارات، وتحدث من ساحة مسجد الملك الحسن الثاني بحضور العاهل المغربي جلالة الملك محمد السادس، مؤكدا على أهمية ذلك الضوء والأمل بتأسيس مشروعية جديدة للتسامح تعلي من قيمة النفس البشرية أو بحسب عبارته: الاعتتراف الكامل بحق الإنسان والمواطن المدعوم بالتشريعات القانونية وسلطة الدولة.
 
المواطنة الفاعلة
«إعلان مراكش» الذي كان تتويجا للمؤتمر العالمي الذي ضم أهم الشخصيات الدينية عبر ثلاثة أيام 25 يناير (كانون الثاني) تحت عنوان «الأقليات الدينية في الديار الإسلامية: الإطار الشرعي والدعوة إلى مبادرة عالمية» أكد في ثنايا نصه على مبادي أساسية ترسخ قيم المواطنة والتعايش المشترك بين كل المواطنين في المجتمعات الإسلامية من خلال اعتماد آليات بحث واجتهاد داخل المنظومة الإسلامية وانطلاقا من وثيقة «صحيفة المدينة» عبر نظرية شمولية وتجديدية للدين ومقاصد الشريعة، كما حث الإعلان على أهمية التعاون بين جميع الأديان والتعايش بين كل أطياف المجتمع المتنوع كحتمية تؤكدها المخاطر المحدقة بالسلم اليوم، كما دعا علماء المسلمين بشكل خاص إلى ضرورة تبني تأصيل مفهوم المواطنة كضامن وحيد في ظل الدولة الحديثة لاستيعاب مختلف الاتجاهات والانتماءات على مبدأ المساواة وليس الإحسان إلى الآخر أو وسمه بالأقليات، وضرورة أن يقوم الفاعلون في المجتمعات الإسلامية وفي مقدمتهم علماء الدين والمثقفون على تكريس خطاب التعددية والمساواة والمواطنة والتسامح وتصحيح المفاهيم المغلوطة التي ارتهن إليها دعاة الكراهية وخطابات التطرف لتأجيج أوار نار الفرقة والتعصب... وجاء في البيان الختامي: «لا يجوز توظيف الدين في تبرير أي نيل من حقوق المواطنين مهما كانت انتماءاتهم الدينية». ولا شك أن هذه خطوة كبيرة يجب تثمينها والبناء عليها، صحيح جدا أن الطريق طويل لكن الأكيد أن «ميثاق مراكش» بقعة ضوء ساطعة ستنير متى ما تم تبنيها واستثمارها أنفاق العتمة والكراهية التي شقها التطرف وأساء لصورة الإسلام وتسامحه الذي جسدته الحضارة الإسلامية باعتراف الجميع في فترات استثنائية تحاول هذه المبادرة جاهدة وصل ما انقطع وليس ذلك إذا صح العزم بمحال.


اشترك في النقاش