الانتخابات الإندونيسية الرئاسية والبرلمانية 2019

قراءة أولية في مخرجاتها
* يتم اختيار الرئيس ونائبه من خلال التصويت المباشر لمدة خمس سنوات ويجوز أن يحكم فترتين متتاليتين، وقد كان قبل 2004 يتم انتخابه من جانب البرلمان
* وضع المشرع الإندونيسي نظاماً محدداً لضمان كفاءة العملية الانتخابية ونزاهتها، من خلال إنشاء هيئتين؛ إحداهما مسؤولة عن إدارة العملية الانتخابية، والأخرى مسؤولة عن الرقابة على تلك العملية
* النتيجة النهائية للانتخابات لن تظهر إلا في شهر مايو المقبل. إلا أن استطلاعات الرأي الإندونيسية أشارت إلى ترجيح فوز الرئيس الحالي جوكو ويدودو بولاية ثانية لا يحق له الترشح بعدها
* لم تسجل اللجنة العامة للانتخابات وقوع أي حوداث انتخابية بين أنصار المرشحين، وهو ما يعطي دلالة على ما يتمتع به الشعب الإندونيسي من درجة عالية من التسامح

جاكرتا:للمرة الأولى في تاريخ الحياة السياسية الإندونيسية منذ استقلالها عام 1945 تشهد الدولة أول انتخابات مشتركة رئاسية وبرلمانية تُجرى في ذات الوقت مع إجراء انتخابات لبعض مجالس الولايات، وذلك في السابع عشر من أبريل (نيسان) 2019. حيث تدخل إندونيسيا (ذلك الأرخبيل المكون من 17 ألف جزيزة)، مرحلة جديدة تستكمل بها تجربتها الديمقراطية التي بدأت ما بعد سوهارتو عام 1998. حيث تُجرى واحدة من أعقد الانتخابات في العالم في أكبر دولة إسلامية من حيث عدد السكان والذي يصل إلى 260 مليون مواطن (230 مليون مسلم، والباقى ينتمون إلى ديانات أخرى)، حيث يختلف هذا الاستحقاق عما سبقه من استحقاقات شهدتها البلاد خلال الفترة الممتدة (1945 - 2018) وصل مجموعهم إلى (16 عملية انتخابية) موزعة على النحو الآتي:

  • الانتخابات التشريعية وعددها (11 انتخابا) للبرلمان بغرفتيه (مجلس النواب DPR) ومجلس الأقاليم (DPD).
  • الانتخابات الرئاسية وعددها (3 انتخابات) خلال أعوام (2004 - 2009 - 2014)، حيث ينتخب الرئيس ونائبه. في حين كان ينتخب قبل عام 2004 من جانب مجلس الشورى.
  • الانتخابات الإقليمية وعددها (انتخابان) خلال أعوام (2015 - 2017-2018)




رئيس واعضاء اللجنة العامة للانتخابات فى المؤتمر الصحفى عقب قفل باب الاقتراع (تصوير: المجلة)



ويرجع تباين هذا الاستحقاق عما سبقه إلى كونه من أعقد الاستحقاقات التي شهدتها البلاد كما سبقت الإشارة، وهو ما يجد تفسيره في ضوء عاملين: الأول، ارتفاع الأعداد المشاركة في هذا الاستحقاق سواء على مستوى الناخبين الذين يصل عددهم إلى 192.866.254 ناخبا، أو على مستوى المرشحين سواء في الانتخابات البرلمانية بمجلسيها أو انتخابات مجالس الولايات، إذ يتنافس في هذه الانتخابات ما يزيد على ربع مليون مرشح، فعلى مستوى مجلس النواب بلغ عدد المرشحين (7.968مرشحا) وعلى مستوى مجلس الأقاليم بلغ عدد المرشحين (28.912 مرشحا) أما على مستوى مجالس الولايات المحلية فقد بلغ عدد المرشحين (207.860 مرشحا) هذا فضلا عن مرشحى الرئاسة (الرئيس ونائبه).
أما الأمر الثاني، فيرجع إلى حدة المنافسة واتساع نطاقها بين المرشحين بدءا من الانتخابات الرئاسية مرورا بالانتخابات التشريعية وصولا إلى انتخابات مجالس الولايات. وهو ما ألقى بعبء كبير على اللجنة الوطنية للانتخابات (KPU) لتنظيم هذه العملية متزامنة وعلى المستويات كافة في ظل تعددية القوانين والقواعد المنظمة لكل مستوى من هذه المستويات الانتخابية، إذ يحكم هذه الانتخابات أربعة تشريعات تمثل المرجعية القانونية الناظمة لعمل اللجنة، وهم: القانون رقم 7 لسنة 2017 بشأن تنظيم الانتخابات العامة، والقانون رقم 10 لسنة 2016 والمعدل للقانون رقم 1 لسنة 2015، والقانون رقم 2 لسنة 2011 والخاص بتنظيم الأحزاب السياسية، والقانون رقم 2 لسنة 2018 المعدل للقانون رقم 17 لسنة 2014 والخاص بالانتخابات الإقليمية.
وفي ضوء ذلك، يستعرض هذا التقرير الانتخابات الوطنية التي شهدتها إندونيسيا لانتخاب رئيسها وبرلمانها بمجلسيه (النواب والأقاليم) من خلال هذه المحاور:
 



اللجان الانتخابية تبدأ عملية فرز الاصوات فى مقرها (تصوير: المجلة)



 
أولا: الرئيس في النظام السياسي الإندونيسي... واستحقاق 2019 
يعتبر الرئيس رأس السلطة التنفيذية ورأس الدولة والقائد العام للقوات المسلحة، والمسؤول عن الإدارات المحلية. ويعين الرئيس الوزراء ويمتلك سلطات واسعة تمكنه من إدارة البلاد بشكل مستقل في حالات الطوارئ.
ويتم اختيار الرئيس ونائبه من خلال التصويت المباشر لمدة خمس سنوات ويجوز أن يحكم فترتين متتاليتين، وقد كان سابقا (قبل 2004) يتم انتخابه من جانب البرلمان.
ولم يشهد الاستحقاق الرئاسي هذه المرة (2019) جديدا، إذ انحصرت المنافسة بين المرشحين ذاتهما، حيث خاض كل من الرئيس جوكو ويدودو (57 عامًا) الذي بدأ مشواره السياسي قبل نحو 14 عامًا برئاسة بلدية مدينة صغيرة ثم حاكمًا للعاصمة جاكرتا ونائبه معروف أمين (76 عامًا) الذي يعد من القيادات الدينية البارزة ويشغل منصب رئيس جمعية العلماء الإندونيسية وهي أعلى هيئة دينية في البلاد. المنافسة ضد الجنرال السابق برابوو سوبيانتو (67 عامًا) الذي خسر في الانتخابات السابقة (التي جرت عام 2014) بفارق 6 في المائة فقط من الأصوات، وقد اختار رجل الأعمال البارز ساندياغو أونو البالغ من العمر 49 عاما نائبا له.
 
ثانيًا: الأحزاب السياسية والحياة البرلمانية
طبقا للقانون رقم 7 لسنة 2017 الخاص بتنظيم الانتخابات العامة، يحق لكل حزب سياسي أو ائتلاف لأحزاب سياسية أن تقدم مرشحا في الانتخابات الرئاسية، إذ كان لها عدد من المقاعد في البرلمان لا يقل عن 20 مقعدا أو 25 في المائة من الأصوات التي حصلت عليها هذه الأحزاب في الانتخابات الأخيرة، إذ إن النظام السياسي يسمح بتشكيل الأحزاب السياسية على نطاق واسع، حيث تضم الساحة الإندونيسية طيفا واسعا من الأحزاب السياسية تختلف في أحجامها وخلفياتها الفكرية والآيديولوجية. وقد بلغ عدد الأحزاب التي شاركت في انتخابات 1999 نحو 48 حزبا، فيما بلغت 44 حزبا في انتخابات 2004 و2009 ولم ينجح منها سوى 9 أحزاب استطاعت أن تحصل على النصاب القانوني الذي يسمح لها بالدخول إلى البرلمان وهي النسبة البالغة 2.5 في المائة (العتبة البرلمانية). أما في الانتخابات التي جرت عام 2014 فقد بلغ عدد الأحزاب التي شاركت (12) حزبا وقد حصل كل حزب على عدد من المقاعد على النحو الموضح بالجدول الآتي: 

وشارك في الانتخابات الأخيرة (2019) عددا أكبر من الأحزاب بلغ 16 حزبا سياسيا، حيث إن ائتلافا من 8 أحزاب يؤيد الرئيس جوكو ويدودو، بجانب حزبه (الحزب الديمقراطي الإندونيسي للنضال)، في مقابل 5 أحزاب أخرى تدعم الجنرال سوبيانتو، كما تتنافس 4 أحزاب إقليمية مستقلة من إقليم آتشيه ذاتي الحكم شمال غربي البلاد.
 




ذوى الاحتياجات الخاصة يشاركون فى الانتخابات فى لجان خاصة بهم (تصوير: المجلة)



 
ثالثا: إدارة العملية الانتخابية وضمانات النزاهة
وضع المشرع الإندونيسي نظاما محددا لضمان كفاءة العملية الانتخابية ونزاهتها، وذلك من خلال إنشاء هيئتين؛ إحداهما مسؤولة عن إدارة العملية الانتخابية، والأخرى مسؤولة عن الرقابة على تلك العملية، وهما:

  1. اللجنة الانتخابية العامة (Komisi Pemilihan Umum - KPU)، وهي هيئة مستقلة مسؤولة عن إدارة العملية الانتخابية على المستويين الوطني والإقليمي. وتضم في عضويتها سبعة مفوضين على المستوى الوطني، بما في ذلك كبير مفوضي الانتخابات، وذلك لمدة خمس سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة. ويتم اختيارهم وفقا لمجموعة من الضوابط الصارمة تتعلق بالكفاءة والشفافية والنزاهة والخبرة. وقد تم اختيار اللجنة الأخيرة في أبريل 2017. ويكون للجنة الانتخابية أمانة تمثل الذراع التنفيذية لـKPU، وهي مسؤولة عن إدارة المنظمة على المستوى الوطني. كما يكون للجنة كذلك مكاتب دائمة في جميع المحافظات والمناطق - البلديات، يتباين عدد أعضاء هذه المكاتب استنادا إلى حجم السكان في تلك المناطق الإقليمية، حيث يتراوح عدد أعضائها بين خمسة وسبعة مفوضين على مستوى المقاطعات، وثلاثة وسبعة مفوضين على مستوى الولاية - البلدية، ويتم تحديدهم من خلال عملية اختيار تنظمها أمانة اللجنة العامة.
  2. هيئة مراقبة الانتخابات (Badan Pengawas Pemilihan Umum - Bawaslu)، وهي هيئة تشرف على تنفيذ الانتخابات. وتتكون هذه الهيئة على المستوى الوطني من خمسة مفوضين يتم اختيارهم لولاية مدتها خمس سنوات بنفس الطريقة التي يتم بها تعيين مفوضي KPU. ونظراؤها على مستوى الأقاليم هي مؤسسات دائمة تتألف من خمسة أو سبعة مفوضين في كل مقاطعة، وثلاثة أو خمسة مفوضين في كل بلدية أو أقل من مستوى البلدية، وثلاثة أعضاء على مستوى المنطقة الفرعية ومشرف ميداني واحد على مستوى القرية. وعضوية هذه الهيئة ليست دائمة كذلك وإنما يتم تجديدها كل خمس سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة. وتختص هذه الهيئة بالنظر في المنازعات الانتخابية، حيث يتم تصنيفها وتوجيهها إلى الهيئات القضائية المسؤولة. ويذكر أن الهيئة لديها سلطة قضائية في حل النزاعات وإصدار أحكام بشأن الانتهاكات الانتخابية الإدارية.




اللجنة العامة للانتخابات تشرح اجراءات العملية الانتخابية لمراقبى الانتخابات (تصوير: المجلة)



وفي ضوء قيام هاتين الهيئتين بدورهما في هذا الاستحقاق الانتخابي، تم اتخاذ حزمة من الإجراءات المنظمة للعملية الانتخابية على غرار ما هو متبع، تتمثل أبرز هذه الإجراءات فيما يأتي:

  1. إعداد الكشوف الانتخابية بشكل مهني واحترافي، حيث تراوح عدد الناخبين في كل مركز اقتراع ما بين (300 - 400) ناخب، بل لم يتجاوز عدد الناخبين في بعض هذه المراكز 300 ناخب، بما يمنح الناخب الفرصة للإدلاء بصوته دون مزاحمة أو طول فترات الانتظار، حيث تمتد ساعات التصويت من السابعة صباحا وحتى الواحدة ظهرا.
  2. إرسال إشعارات مكتوبة إلى جميع الناخبين في مختلف أنحاء البلاد على مقارهم السكنية، تدعوهم فيها للمشاركة في العملية الانتخابية، حيث يتضمن هذا الإشعار اسم الناخب ومقر انتخابه ورقمه في الكشف الانتخابي.
  3. توزيع مراكز الاقتراع بالقرب من التجمعات السكنية، إذ إنه رغم بعد المسافات واتساع المساحات، فإن اللجنة حرصت على أن تقيم في كل حي أو تجمع مركزا للاقتراع بما يسهل على الناخبين الذهاب إليه دون الحاجة إلى وسائل للانتقال الداخلي، وقد بلغ عدد مراكز الاقتراع في هذه الانتخابات 810.352 لجنة انتخابية، عمل بها (5.672.464 موظفا).
  4. السماح لممثلي الأحزاب المرشحة بالحضور داخل المقر الانتخابي لمتابعة عملية التصويت التي تتم على مرأى ومسمع من الجميع. وكذلك عملية الفرز التي تتم بدورها في مقر اللجان الانتخابية وبحضور ممثلي المرشحين وممثلي بعثات المراقبة الدولية والوطنية والتي تتولى المتابعة من خارج مقار تلك اللجان، وذلك كله لضمان نزاهة العملية الانتخابية وشفافيتها.
  5. استخدام صناديق كرتونية ذات جانب شفاف، مع وضع ورقة بلون محدد لتمييز الصناديق الخاصة بكل مستوى من المستويات الانتخابية، فكان اللون الرمادي للانتخابات الرئاسية، في حين أن اللون الأصفر يخص انتخابات مجلس النواب، أما الأحمر فيخص مجلس الأقاليم، في حين يخص اللون الأرزق مجلس محلي العاصمة.
  6. السماح بالرقابة الوطنية والدولية، إذ إنه في إطار الحرص على ضمان النزاهة والشفافية، وضعت اللجنة نظاما سمح لمراقبي الانتخابات الدوليين والوطنيين مراقبة هذه الانتخابات والذين بلغ عددهم (250 مراقبا) من ممثلي مؤسسات إندونيسية حكومية وغير حكومية، إضافة إلى ممثلي بعثات دولية لكل من: الولايات المتحدة، وبريطانيا، وروسيا، وماليزيا، وتايلاند، ومصر، والاتحاد الأوروبي، فضلا عن بعض الممثلين الدبلوماسيين المعتمدين لدى إندونيسيا.




كشوف المرشحين على أبواب لجان الاقتراع (تصوير: المجلة)



 
رابعًا: النتائج الأولية والولاية الثانية للرئيس «جوكو ويدودو»
كما هو معلوم، فإن النتيجة النهائية للانتخابات لن تظهر إلا في شهر مايو (أيار) المقبل 2019. إلا أن استطلاعات الرأي الإندونيسية أشارت إلى ترجيح فوز الرئيس الحالي جوكو ويدودو بولاية ثانية لا يحق له الترشح بعدها، فعلى سبيل المثال، نشرت شركة بولينجينج لاستطلاعات الرأي، أن مرشح الحزب الديمقراطي الإندونيسي للنضال (ويدودو) حصل على 56.36 في المائة من الأصوات بعد فرز 53.25 في المائة من الصناديق. كما أشارت شركة شارت للأبحاث السياسية، إلى أن النتائج الأولية كشفت عن حصول ويدودو على 54.88 في المائة، وسوبيانتو على 45.12 في المائة من الأصوات، بعد فرز 56.88 في المائة من الصناديق.
وعلى الرغم من أهمية الحذر مما تكشفه هذه المراكز والتي يحق لها وفقًا لقوانين المحكمة الدستورية نشر نتائج استطلاعاتها بعد غلق صناديق الاقتراع بساعتين، وذلك خشية أن يكون ثمة ارتباط بين بعض مراكز استطلاع وأحزاب سياسية أو مصالح تجارية واقتصادية، بما يجعلها منحازة في تقديراتها، إلا أن النتائج التي أوردتها مراكز الاستطلاع ثبتت دقتها في الانتخابات السابقة التي جرت عام 2014 بين المرشحين ذاتهما، وذلك رغم طعن برابوو آنذاك على النتيجة أمام المحكمة الدستورية التي أكدت فوز ويدودو آنذاك.
وفي ضوء كل ما سبق، يمكن القول إن الانتخابات الوطنية التي شهدتها إندونيسيا على المستويات الثلاث رئاسيا وتشريعيا ومحليا، تظل خطوة تمهيدية لانتخابات شاملة عامة تشهدها البلاد عام 2024، وهو ما يميز التجربة الإندونيسية في تحولها التدريجي نحو ترسيخ الديمقراطية التمثيلية وإن كانت بنكهة إندونيسية، إذ حرصت إندونيسيا على بناء نظام سياسي يأخذ الشكل الديمقراطي على النموذج الغربي والمتمثل في ضرورة احترام حقوق المواطن وترسيخ مشاركته الفعلية في إدارته لشؤونه مركزيا ومحليا، إلا أنها في الوقت ذاته حرصت على أن يكون لهذا النظام طابع إندونيسي يراعي الخصوصية المحلية في الانتقال التدريجي نحو ترسيخ الممارسات الديمقراطية حتى لا تشهد انتكاسات تعيد البلاد إلى عهود ليست بالبعيدة عانى منها الشعب الإندونيسي كثيرا، وهو ما أكده الاستحقاق الانتخابي الأخير، حيث تميزت هذه الانتخابات بكثير من السمات، يجدر تسجيل أبرزها:

  1. ارتفاع نسبة مشاركة المرأة الإندونيسية في تلك الانتخابات، فإذا كان صحيحا أن الناخبين موزعون بنسبة ما يقرب من 50 في المائة بين الرجال والنساء بل ربما تزيد أعداد النساء قليلا، حيث بلغ عدد الناخبين (96.294.209 ناخبا) في حين بلغ عدد الناخبات (92.572.045 ناخبة). إلا أنه قد لوحظ من خلال زيارة بعض مراكز الاقتراع الحضور النسائي المرتفع مقارنة بحضور الرجال، وهو ما يؤكد على أمرين: 

الأول، أن مشاركة المرأة في الاستحقاقات الانتخابية في مختلف بلدان العالم تظل الأكبر مقارنة بمشاركة الرجل، ويجد ذلك تفسيره في حرص المرأة على ممارسة حقوقها السياسية من ناحية، وإدراكها لحجم المسؤولية الملقاة على عاتقها في الحفاظ على الأمن والاستقرار في بلدها من ناحية أخرى. 
الثاني، أنه ليس صحيحا ما يحاول البعض تصويره أن المرأة في المجتمعات المسلمة يتراجع دورها في العملية السياسية، فإندونيسيا كونها من أكبر البلدان الإسلامية سكانا تلعب المرأة الإندونيسية دورا مهما في الحياة العامة على وجه العموم والحياة السياسية على وجه الخصوص، وخاصة المشاركة في العملية الانتخابية تصويتا وترشيحا، وذلك كله رغم عدم وجود أي استثناءات أو مزايا خاصة تمنح للمرأة تشجيعا لها على ممارسة هذا الحق.
 




الناخبات ينتظرن دورهن للادلاء بأصواتهن (تصوير: المجلة)


 

  1. الاهتمام غير المسبوق بفئة المعاقين (ذوي الاحتياجات الخاصة)، حيث حرصت اللجنة العامة للانتخابات على رصد عددهم ضمن الناخبين والبالغ (1.247.730 ناخبا)، وهو ما يمثل نسبة كبرى لا يمكن إهمالها، بل حرصت كذلك على أن يكون لهؤلاء الناخبين لجان خاصة تتناسب مع طبيعة إعاقتهم ومستواها، وهو ما يمثل تجربة متميزة يمكن الاستفادة منها في كيفية ضمان مشاركة هذه الفئة في الاستحقاقات الانتخابية تأكيدا على ممارستهم لحقهم السياسي في اختيار ممثليهم.
  2. رغم كل هذه المستويات الانتخابية واتساع الدائرة وزيادة عدد المرشحين والناخبين، إلا أن هذه الانتخابات لم تسجل أي صراعات دموية على غرار ما تشهده الانتخابات في بعض البلدان الأخرى، إذ لم تسجل اللجنة العامة للانتخابات من خلال ممثليها وكذلك من خلال المراقبين المحليين والدوليين وقوع أي حوداث انتخابية بين أنصار المرشحين، وهو ما يعطي دلالة على ما يتمتع به الشعب الإندونيسي من درجة عالية من التسامح والقبول بعيدا عن تديين أو قومنة المنافسة الانتخابية.

خلاصة القول، إنه رغم كل هذه الملاحظات فإن ثمة رؤية سبق أن طالب بها كاتب هذه السطور وتتعلق بوجود مقار الكثير من مراكز الاقتراع في الشوارع، وإن كان الهدف منها هو توفير الجهد والوقت للناخبين في عدم تحملهم مزيدا من العبء في الانتقال إلى مقار لجانهم الانتخابية، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى جعل هذه المقار الانتخابية في الشارع يعطي مزيدا من الضمانات للجميع بمستوى النزاهة والشفافية التي تجرى في ضوئها هذه الانتخابات، إلا أن وجود مقار الاقتراع في الشارع في ظل ارتفاع درجة الحرارة والرطوبة قد يكون عاملا مانعا للمواطنين للمشاركة في الانتخابات، كما أن عملية الفرز تبدأ بعد الساعة الواحدة ظهرا وربما تمتد إلى وقت متأخر، وهو ما يعني عمل طاقم الإشراف على الانتخابات في ظل ظروف مناخية غير ملائمة. ولذا، فمن الجدير بالاقتراح في هذا الخصوص، أن يتم اختيار مقار للاقتراع داخل المؤسسات العامة (المدارس، النوادي، مراكز الشباب...) مع تزويدها بكاميرات داخلية وشاشات عرض خارجية تعرض ما يجري داخل لجان الاقتراع وهو ما يحقق ذات الهدف الذي سعت من أجله اللجنة العامة للانتخابات بجعلها متاحة لجميع المواطنين بمتابعة ما يجري داخل تلك المقار الانتخابية لتعزيز الممارسة الديمقراطية.


اشترك في النقاش