الشعب السوداني ضد «ثورة الإنقاذ»

تفرغت حكومة البشير لحروب طاحنة مع جنوبه مما أدى إلى فقد السودان ثلث أراضيه
* من الطبيعي أن تبرز نماذج سياسية مزورة مثل «نموذج محمد البرادعي» الذي نجح في مقايضة مع التنظيم العولمي في الحصول على أهم منصب سياسي في البلاد مستغلاً غياب قيادة حقيقية لثورة يناير 2011.
* السؤال الذي تطرحه مثل هذه الانتفاضات على شعوبها هو في الحقيقة محصلة تاريخية لمسيرة سياسية واقتصادية متخبطة استمرت أكثر من اللازم على مدى ما يقرب من ثلاثين عاماً استغل فيها الحكم السوداني كل ما أمكنه من الشعارات للضحك على مواطنيه باسم الدين وباسم القومية.
 

الخرطوم: بدأت ولم تنته. كان هذا هو حال انتفاضه السودان ضد أرباب التمكين ورئيس التمكين عمر البشير، الذي لم يكن أبدأ بشيراً بل دائما كان هو النذير. فهذه المظاهرات التي اندلعت في 19 ديسمبر (كانون الأول) 2018 بدأت في مدينة عطبرة ثم انتشرت إلى القضارف والعاصمة الخرطوم ومدن سودانية أخرى جاءت تعبيراً عن حركة عفوية اندلعت بين الشباب وهم غير مسيسين قاموا بالنزول إلى الشوارع ورفعوا شعارات سلمية تندد بغلاء الأسعار إلىأن قام النظام باستخدام العنف المفرط بهدف بث الرعب بين المتظاهرين فتحولت شعاراتهم إلى صيغة أكثر حزماً لتطالب برحيل النظام على غرار شعارات انتفاضة يناير (كانون الثاني) 2011 في مصر وتونس بل إن الحركة السودانية الجديدة استخدمت نفس الشعار «الشعب يريد إسقاط النظام» لتلخيص أهدافها إلى أن تحقق لهم ذلك بسقوط بشير التمكين في 11 \ 4 \2019 وهو الحلقة الأولى في نظامه القائم على الإسلام السياسي ومن خلفه سقط وزير دفاعه وباقي مجلسه، والبقية تأتى... فهي لم تنته...
ليست هذه هي المرة الأولى التي يلجأ فيها الشعب السوداني للخروج إلى الشارع لإسقاط نظام سياسي يرفضه، كانت المرة الأولى في عام 1964 لإسقاط الديكتاتور إبراهيم عبود والثانية في عام 1985 لإسقاط جعفر النميري وفي الحالتين اتخذت الانتفاضة الشعبية مساراً متصاعدا اعتمد على تزايد وتيرة مشاركة فئات جديدة من الشعب كالنقابات والأحزاب بالإضافة للطلاب والشباب الذين كانوا دائماً في طليعة قوى التغيير السلمي في البلاد.
ولقد قام عمر البشير بانقلاب على حكومة الصادق المهدي عام 1989 لصالح التيار الإسلامي الذي كان يقوده حسن الترابي والمعروف بأنه مهندس هذا الانقلاب وعندما التقى الترابي بعمر البشير قال الترابي له اذهب أنت إلى قصر الرئاسة وأنا إلى السجن وتم إلغاء كلمة الانقلاب وتمت تسميته بثورة الإنقاذ. وانقلب البشير بعد ذلك أكثر من مرة على الترابي وانفرد البشير بعد ذلك بالحكم وتحت عباءة الجماعة الإسلامية.

الطريقة السودانية للانتفاضات الشعبية
يختلف مفهوم التمرد الشعبي في السودان عن مثيله في مصر أو تونس أو البلاد العربية الأخرى فيما يعكس الفارق الثقافي والسياسي بين كل دولة وأخرى، فبينما بدأ التمرد الشعبي المصري في يناير 2011 في ميدان التحرير واستمر لعدة أيام قبل أن يتكرر في بقية المحافظات المصرية بنفس النموذج السوداني والذي توج في مراحله الأخيرة بالدعوة لإضراب عام في البلاد إلا أن النموذج السوداني يعطي اهتماماً ملحوظاً - ومنذ المراحل الأولى للحراك الشعبي - بقضية القيادة الفعلية لنموذج الانتفاضة والتي تمثلت دائماً في تحالف النقابات والأحزاب السياسية التي تتولى التنسيق والتفاوض في المراحل الأخيرة تمهيداً لتأسيس الدولة الجديدة.
تكرر هذا النموذج في الانتفاضة الأولى والثانية، وتكرر هذا عندما دعا «تحالف النقابات المهنية» لإضراب عام في الخامس والعشرين من ديسمبر (كانون الأول) 2018، وقال مراقبون إنه نجح بنسبة كبيرة على الأرض بالقياس لأنه الاختبار الأول بين الانتفاضة الثالثة وبين نظام البشير الذي يعتمد هو الآخر على حشد تحالف نقابي مؤيد له يتمثل في مجموعة النقابات العمالية في السودان، وبالقياس للحالة المصرية في يناير 2011 فإن مسألة قيادة «انتفاضة التحرير» كما كانت تسمى في البداية، لم تكن مطروحة على الإطلاق وهو ما سمح بعد ذلك للتنظيم الفاشي «العولمي» بسرقة الثورة وتزييف الانتخابات البرلمانية والرئاسية.
وفي إطار هذا الفهم لطبيعة الحراك الشعبي المصري كان من الطبيعي أن تبرز نماذج سياسية مزورة مثل «نموذج محمد البرادعي» الذي نجح في مقايضة مع التنظيم العولمي للحصول على أهم منصب سياسي في البلاد مستغلاً غياب قيادة حقيقية لثورة يناير 2011. وربما لهذا السبب في الحالة المصرية يبدو ظهور «الصادق» المهدي عند بداية المظاهرات في 2018 وتأييده للانتفاضة السودانية مثيراً للشبهات خاصة أن الرجل لعب هذا الدور أكثر من مرة باسم الثورة والشعب وكان دائماً المستفيد الوحيد عندما يحين الوقت لتقسيم الغنائم وهو ما يجعلنا غير متفائلين بظهوره مرة أخرى على طريقة البرادعي وإن كان هناك الأمل دائماً بأن تراث الثورة في السودان لن يسمح بتكرار سيناريو الخديعة سواء من التنظيم الفاشي أو الانتهازيين المتمرسين من قادة الأحزاب القديمة التي تجاوزت عمرها الافتراضي وربما كانت هذه هي الخبرة التي خبرها المصريون والسودانيون على السواء.

وقد قدم وفد يمثل قوى «إعلان الحرية والتغيير» أحمد ربيع عن «تجمع المهنيين»، وكمال بولاد عن قوى «الإجماع الوطني»، ومريم الصادق عن تنظيم «نداء الوطن»، وقدم هذا الوفد تصوراً للتحالف لإدارة المرحلة المقبلة، يتلخص في:

  • تكوين مجلس رئاسي يضم قوى الثورة ومندوبين عن المجلس العسكري الانتقالي وجرى تفصيل مهام هذا المجلس على أن تصدر قراراته بأغلبية الثلثين بحضور كل أعضائه.
  • تكوين مجلس وزراء من كفاءات مشهود لها بالخبرة، والنزاهة، والوطنية، والاستقامة، والمهنية، وأن لا يتجاوز عدد الوزارات الـ17 تحت قيادة رئيس وزراء ونائبه.
  • واقترح الوفد أن يقوم مجلس الوزراء بتنفيذ المهام المطروحة أمامه للبرنامج الإسعافي للفترة الانتقالية وفق تصورات قوى «إعلان الحرية والتغيير».
  • كما أشار الوفد إلى أن يتم الاتفاق على طريقة تشاورية في اختيار مجلس الوزراء مع تحديد وزارة الدفاع والداخلية للقوات النظامية.
  • وتضمن مقترح المعارضة أن يتولى المجلس الرئاسي تكوين المجلس التشريعي الانتقالي الاتحادي من 120 عضواً، بنسبة 40 في المائة على الأقل للنساء وتحدد له ميزانية تراعي الوضع الاقتصادي في البلاد.

وقد وعد المجلس العسكري بالرد على قوى الحرية والتغيير بحسب ما ورد في «سودان تريبيون».

 




رجل يجلس أمام رسم على الجدران (غرافيتي) بينما يتجمع المتظاهرون السودانيون أمام مقر عسكري، خلال مظاهرات متواصلة تطالب بحكومة انتقالية مدنية، في الخرطوم، السودان، في 18 أبريل 2019. (غيتي)

 سودان جديد والعالم الجديد
الدعوة للتغيير في السودان تأتي هذه المرة في إطار ظروف عالمية جديدة، فقد تزامنت بدايات أحداث الخرطوم مع مظاهرات باريس وبروكسل 2018 التي كشفت حقيقة اندماج اقتصاديات العالم الثالث في النظام العولمي الجديد طيلة الأربعين عاماً الماضية وهو النظام الذي أرست دعائمه أوروبا والولايات المتحدة بقيادة الديمقراطيين قبل انتخاب دونالد ترمب في الثامن من نوفمبر (تشرين الثاني) 2016 وأدت لمعاناة الطبقة الوسطى نتيجة لتوجيهات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي التي باتت تنشر الفقر المنظم في أرجاء الكرة الأرضية.
بنفس القدر تبدو الظروف الإقليمية عاملاً مؤثراً بالسلب على احتمالات التنمية في كل دول الشرق الأوسط وبينها السودان، إذ تعيش المنطقة مرحلة انتقالية جديدة تفرض مراجعة التحالفات الإقليمية لصالح صياغة أكثر عملية في العالم الجديد الذي سيشهد على ما يبدو صراعاً جديداً بين دعاة الدولة الوطنية على غرار ما حدث في الخمسينات والستينات وبين دعاة الاقتصاد العولمي الذي جعل صندوق النقد الدولي هو صاحب القرار الاقتصادي الوحيد طيلة الأربعين عاماً الماضية، وإذا أضفنا لذلك أن دول الشرق الأوسط لا تمتلك سياسات ثابتة سياسيا واقتصاديا- ويمكننا مراجعة مواقف وتحولات دولة كالسودان من الصراع في سوريا مثلاً خلال السنوات الخمس الماضية - فإنه يمكننا بسهولة تفهم أن المرحلة الأكثر صعوبة أمام دول المنطقة قد تمتد لما يقرب من عشر سنوات قادمة قبل توقع أي احتمالات جادة للاستقرار السياسي والاقتصادي.
الظروف المحلية أو الداخلية تبدو دائماً السبب المباشر لانقلاب الأوضاع في أي دولة وتماماً مثلما حدث في فرنسا عندما ارتفعت فجأة أسعار البنزين والزيوت، وكما حدث قبل أربعين عاماً في مصر السادات عندما ارتفعت أسعار المواد الاستهلاكية الأساسية انفجرت الأوضاع السياسية فجأة ولم تهدأ إلا بالتراجع عن القرارات الخاطئة للحكومة في مثال فرنسا وكذلك في المثال المصري في عام 1977 لكن النموذج السوداني يبدو أكثر تعقيداً نتيجة التخبط السياسي الذي شهده السودان طيلة العقود الثلاثة الماضية.
المشكلة الأساسية في النظام السياسي السوداني تكمن في عجزه عن طرح تصور مبدئي لأى مشكلة تواجهه ورغم نجاح البشير في السيطرة على مركز صناعة القرار منذ 1989 إلا أن عجز سياساته الاقتصادية والسياسية أدت لإفقار الشعب وانفصال جنوب السودان واحتمالات جدية بتكرار سيناريو تفكيك البلاد جغرافياً في دارفور نتيجة اعتماد الحكم على «أهل الثقة» من «الأهل والعشيرة» وأعضاء تنظيم «السمع والطاعة» كما حدث في مصر خلال عام من حكم تنظيم العولمة الفاشي الذي خطف السلطة بعد يناير 2012.
يبدو الفارق واضحاً بين التعاطي الفرنسي والسوداني مع أحداث الانفجار الشعبي المفاجئ، فبينما لم تكتف الحكومة الفرنسية بوقف قرارات رفع الأسعار لشراء رضا الشعب الفرنسي بل أضافت لذلك قرارات جديدة لتحسين ظروف الحياة لمعظم أفراد الشعب الفرنسي، فإن الحاكم السوداني لا يملك بالقطع نفس الإمكانات من احتياطات النقد والقدرة الاقتصادية التي قد تسمح له بتقديم نفس البديل الذي لجأ إليه إيمانويل ماكرون لاستيعاب الصدمة التي فرضت عليه سرعة العودة إلى بلاده أثناء انعقاد قمة العشرين.
أما حكومة الإنقاذ في السودان بقيادة البشير فقد تفرغت لحروب طاحنة مع جنوبه مما أدى إلى انفصال جنوب السودان أي ثلث أراضي السودان إلا أن ذلك لم يردعه ولم يتعلم فشرع في ارتكاب جرائم الإبادة الجماعية وجرائم الحرب ضد مواطنيه في دارفور والتي كان يمهد لها الطريق للانفصال هي الأخرى عن السودان، وبذا أصبح رئيس جبهة الإنقاذ ووزير دفاعه وكبار مسؤوليه من المطلوبين من قبل المحكمة الجنائية الدولية. أكثر من70 في المائة من ميزانية السودان تستنزف في الحرب على أهل السودان، 98 في المائة من أهل السودان يعيش تحت خط الفقر وما يربو على 4 ملايين سوداني إما من اللاجئين أو النازحين والهاربين في شتات بقاع الأرض. أرض السودان كانت مرتعاً لتدريب الجماعات الإرهابية ولقائد تنظيم القاعدة في تسعينات القرن الماضي. تستطيع أن ترى الفشل في كل ربوع السودان. فهل أنقذت ثورة الإنقاذ السودان...؟
السؤال الذي تطرحه مثل هذه الانتفاضات على شعوبها هو في الحقيقة محصلة تاريخية لمسيرة سياسية واقتصادية متخبطة استمرت أكثر من اللازم على مدى ما يقرب من ثلاثين عاما استغل فيها الحكم السوداني كل ما أمكنه من الشعارات للضحك على مواطنيه باسم الدين وباسم القومية وخلال نفس الفترة التي خسر فيها كل معاركه الوطنية التي انتهت بانفصال جزء من البلاد والعجز عن تجسيد مثال العدل الاجتماعي الذي اتخذه حكام البلاد منذ النميري مصدراً شرعياً للحكم.

 




الرئيس السوداني عمر البشير يترأس اجتماعًا لزعماء بعض الأحزاب السياسية في العاصمة الخرطوم في 7 مارس 2019. (غيتي)

التحديات الجديدة
التحدي الأول الذي يواجه الانتفاضة الثالثة يتمثل في اختيار قيادة المرحلة الجديدة، إذ إن إحدى النتائج المترتبة على النموذج الديني للفاشية التي حكمت السودان لأكثر من ثلاثة عقود هو عدم وجود بدائل مدنية يمكن الاعتماد عليها أو حتى الوثوق بفهمها لقضية الديمقراطية أو الدولة المدنية وهو ما يطرح سؤالاً حول صلاحية القيادات التقليدية في السودان للعب دور ما في بناء الدولة الجديدة فيما لو نجحت الانتفاضة الثالثة في إسقاط البناء الكرتوني للدولة الحالية التي أسسها الثلاثي النميري والترابي والبشير وللإجابة عن هذا السؤال قد يفيد مراجعة مثال محمد البرادعي الذي عاد إلى مصر ليركب موجة التغيير في أعقاب يناير 2011 ففي السودان يوجد أكثر من «مهدي» واحد يسير على نفس النهج ويأمل أن ترفعه «الجماهير» إلى قمة السلطة في هرم الدولة الجديدة وإن كان هو الآخر كجزء من النظام القديم لا يزال يستند إلى شرعية قبلية ولاهوتية لا يصلح معها أن يكون مرشحاً لبناء دولة المستقبل.
التحدي الثاني يتمثل في الحفاظ على شرعية تمثيل كل القوى السياسية بغض النظر عن التناقضات الثانوية والتي كانت دائماً المبرر الأقوى لإقصاء أطراف أخرى تمهيداً لضربها وعزلها بتهم بائسة مثل العمالة والخيانة للوطن.
التحدي الثالث يتمثل في إعادة تأسيس النظام الجمهوري بما يضمن حماية شرعية المؤسسات الجمهورية باعتبارها مؤسسات للدولة ينبغي حمايتها تحت كل الظروف وكذلك حماية آلية التداول الديمقراطي للسلطة والخروج من آلية التكفير السياسي والمذهبي إلى أولوية البناء الديمقراطي لدولة مدنية تكفل كل الحقوق لمواطنيها وتضمن حقهم في المشاركة من دون تمييز بينهم بسبب اللون أو الدين أو العرق أو الجنس أو السن.
قد تكشف الأيام القادمة عن وجوه جديدة لقيادة مسيرة تقدم حقيقية في جنوب وادي النيل وإمكانية مواجهة هذه التحديات وغيرها لكن ذلك لن يكون بالقطع بالأمر اليسير أو سريع التحقيق.


اشترك في النقاش