لبنان والانهيار الاقتصادي

* مما لا شكّ فيه أن الفساد أحد أهم أسباب تدهور الوضع الاقتصادي وقد كان قبلا، ولا يبدو أن حجمه سيتراجع، ولكن هناك أسباب جدّية أخرى لهذا التدهور يقف وراءها «حزب الله» بشكل مباشر.

تصريح وزير خارجية لبنان جبران باسيل قبل أسبوع، والذي- استطراداً، يلعب أدواراً عدّة في قلب المشهد السياسي اللبناني- يتعلق تارة بالاقتصاد وتارة أخرى بالطاقة والموارد المائية إلى جانب مشاركته صلاحيات رئيس الحكومة في تأليف الحكومات كما إسقاطها عندما يطلب «حزب الله» منه ذلك، جاء ليؤكد الشائعات المتداولة في الصحافة منذ مدة عن توجه داخل الحكومة إلى خفض معاشات القطاع العام بنسبة ٢٥ في المائة.
«إذا لم يحصل التخفيض المؤقت فلن يبقى معاش لأحد»، قالها باسيل في إحدى جولاته الاستطلاعية لرعيته، متناسيا أنه قد يكون وزير الخارجية اللبناني الأكثر كلفة على خزينة الحكومة، لكثرة أسفاره إلى أصقاع الأرض وطلباته أموالا طائلة لشراء سيارات فاخرة لاستعمالاته وصولا إلى فتح صالونات شرف بمطارات أجنبية بمبالغ خيالية.
على كل الأحوال تصريح باسيل يدّل على أن الدولة اللبنانية أفلست، أو أقله هي تتجه نحو الإفلاس. إذ ماذا يعني أن الدولة قد تعجز عن سداد المستحقات عليها ومنها دفع معاشات القطاع العام؟
إذا كانت الأمور بهذا السوء، وكان لبنان يتجّه إلى سيناريوهات سوداء، قد تشبه تلك التي عاشتها اليونان أو قبرص، أو تلك التي تعيشها إيران أو تركيا حاليا من تدهور في صرف العملة الوطنية. التحذيرات التي طالما رفعتها المؤسسات المعنية بعالم المال كالبنك الدولي، أو مؤسسة موديز إلى المسؤولين اللبنانيين، حول ضرورة تصحيح السياسة النقدية في لبنان قبل فوات الأوان يبدو أنها لم تنفع.
يظن ويعتقد اللبنانيون أن العالم لن يتركهم عرضة لهزات اقتصادية. المسؤولون يؤكدون أن الاستقرار في لبنان مطلب دولي، وهم على ثقة أن المشاكل الاقتصادية التي يمر بها لبنان لن تصل إلى حد الانهيار. المقلق في هذا التحليل هو أن اقتصاد لبنان هشّ لدرجة أنه ليس فقط من دون مناعة داخلية بل إن وضعه الحالي نتيجة ضمانات دولية قد تزول إذا ما دعت حاجة من أعطوها.
ولكن هذا لا يخفي حقيقة أن حكومة لبنان أمام إمكانية جدية للتخلف في دفع رواتب وأجور القطاع العام. هذا ما اعترف به باسيل على الأقل عندما دعا إلى خفض رواتب موظفي القطاع العام.
والسؤال كيف وصل البلد إلى هذه الدرجة من الإفلاس؟
كل فريق سياسي في لبنان يحمّل خصومه مآلات مالية الدولة، فيما الجميع يتشارك في تحميل الفساد والهدر المعشش في كل مؤسسات الدولة اللبنانية مسؤولية رداءة الوضع. نسبة أجور القطاع العام، يقول حاكم مصرف لبنان، تعادل 36 في المائة من الناتج المحلي، وهي نسبة عالية جدا لا يمكن لاقتصاد مثل اقتصاد لبنان أن يتحمل تبعاته. هذا الرقم إن دلّ على شيء فإنما يدل على وجود بطالة مقنّعة في القطاع العام، يقف وراءها «الزعماء» أنفسهم الذين يغذّون زعامتهم على حساب مالية الدولة ومن خلال التوظيف العشوائي. كل محاولة من زعماء لبنان السياسيين لمحاربة الفساد، لا تبدأ بالتخلص من الفائض الذي يستفيد منه.
مما لا شكّ فيه أن الفساد أحد أهم أسباب تدهور الوضع الاقتصادي وقد كان قبلا، ولا يبدو أن حجمه سيتراجع، ولكن هناك أسباب جدّية أخرى لهذا التدهور يقف وراءها «حزب الله» بشكل مباشر.
 
يتّكل لبنان على السياحة كمصدر مهّم لمدخول الخزينة، خاصة تلك الخليجية، والتي تراجعت عندما قرر ما يسمى «حزب الله» دخول الحرب الأهلية السورية ومساندة نظام بشار الأسد، ومعاداة الدول العربية ومهاجمتها وتهديدها من على المنابر الإعلامية وعلى لسان أمين عام ما يسمى «حزب الله» نفسه.
حينها اتخذت تلك الدولة العربية مواقف قاسية تجاه لبنان، ومنعت السياح من التوجه إليه، وفرضت عقوبات اقتصادية على ما يسمى «حزب الله» وتراجعت عن تقديم أي دعم للحكومات اللبنانية منذ ذلك الوقت، وهي التي لطالما مدت يد العون للبنان عند مروره بمشاكل ومصاعب مالية واقتصادية.
 
إلى جانب تراجع أرقام السياحة بشكل كبير، جاء قانون العقوبات الأميركية على ما يسمى «حزب الله» الذي طال مجموعة كبيرة من رجال أعماله كما أجبر البنك الكندي اللبناني على بيع أصوله لتبييض أموال لصالح الحزب، ليكبل أعمال المصارف اللبنانية ويعقّد عمليات انتقال الأموال من وإلى لبنان. فالنشاطات الإجرامية التي يقوم بها ما يسمى «حزب الله» فرضت على المصارف اللبنانية قيودا قاسية جدا من قبل وزارة الخزانة الأميركية وأجبرتها التخلي عن السرية المصرفية التي طالما اغرت كبار المودعين وشجعتهم التعامل مع المصارف اللبنانية. أما اليوم وبما أن المصارف اللبنانية لا تتمتع بهذه الميزة وهي معرضة كما اقتصاد البلد للانهيار فلم يغوي رؤوس الأموال باستغلال النظام المصرفي اللبناني.
 
أضف إلى هذا كلّه التهرب الضريبي لبيئة ما يسمى «حزب الله» من فئة رجال الأعمال وعمليات تهريب البضائع من الحدود السورية أو حتى مرفئ بيروت أو مطاره الدولي الذي يشرف عليها. هذا كله يخسّر الخزانة اللبنانية مليارات الدولارات سنويا ويساهم في عجز خزينة الدولة.
السماح أو التغاضي عن هذه الأمور من قبل الطبقة السياسية التي تدعي الحفاظ على لبنان الطائف تدفع بلبنان نحو الهاوية مع العلم أن البعض يأمل من خلال التسوية مع ما يسمى «حزب الله» عكس تلك النتيجة. فالتسوية على ما يبدو بين مختلف الأطراف التي كانت سابقا معارضة لما يسمى «حزب الله» تقوم على مبدأ بسيط: عدم الاعتراض على سيطرة هذا الحزب على البلد. أصحاب التسوية هذه عليهم أن يعترفوا أنها لم تأتي بأي فائدة على لبنان حتى هذه الساعة حتى لا يكونوا شركاء في سقوط لبنان.