تونس على مشارف انتخابات برلمانية ورئاسية

قريباً: إطلاق مشاورات لصياغة ميثاق أخلاقي للتعامل السياسي ونبذ العنف بين الأحزاب
* لعب الإعلام دوراً في إذكاء مناخ التوتر وتأجيج الصراعات والسبّ والتجريح ضد أحزاب وشخصيات سياسية سواء ضمن الفريق الحكومي أو الأحزاب السياسية أو البرلمان، ولم يسلم حتى رئيس الجمهورية ولا رئيس الحكومة
* يرى بعض المحللين وكثير من القيادات الحزبية أن مجلس نواب الشعب بات بحاجة إلى ميثاق سلوك وتعامل بين النواب والكتل البرلمانية نظراً لكثرة الصراعات والمداخلات المشحونة بالاتهامات والنقد غير الموضوعي
 

تونس: قال يوسف الشاهد رئيس الحكومة التونسية في آخر ظهور إعلامي له إنه سيطلق قريبا مشاورات مع كل الأحزاب السياسية والمنظمات الوطنية لوضع ميثاق للأخلاق السياسية تتبناه كافة مكونات الساحة السياسية ويفرض عليها نبذ العنف واعتماد المنافسة الشريفة والبرامج الهادفة إلى خدمة البلاد، وقال يوسف الشاهد في كلمة إلى الشعب عبر التلفزيون المحلي إن حكومته ستتصدى لمن يريدون العودة بتونس إلى مربع العنف السياسي.
وجاءت هذه المبادرة بعد أن تدنّى مستوى الخطاب السياسي ونزل التنافس بين الأحزاب إلى الحضيض بشكل أصبح يهدد الانتقال الديمقراطي وينذر بإدخال البلاد في مرحلة جديدة بلغت إلى حد الآن الاتهام والتخوين والتشويه وهتك الأعراض ومحاولة منع اجتماعات أحزاب منافسة والاعتداء على مناضلين وقد تتطور لاحقا إلى ما لا تُحمَد عقباه، لذلك كان لا بد من المبادرة بضبط الأمور ووقف التجاوزات ومنع الاعتداءات المتبادلة وذلك عبر صياغة ميثاق ضد العنف السياسي تساهم في إعداده كل الأحزاب والمنظمات وتوقع عليه، ثم تُختار هيئة تحكيم تشرف على تطبيق هذا الميثاق دون أن تعوض هذه الهيئة دور الحكومة أو القضاء في مواجهة العنف السياسي.وحسب بعض المراقبين للشأن السياسي في تونس فإن إحداث هذا الميثاق قد تأخر كثيرا إذ كان من المفترض وضعه منذ العام الأول الذي تلا ثورة 14 يناير (كانون الثاني) 2011، حيث تكاثرت الأحزاب واشتد التنافس بينها في المناسبات الانتخابية السابقة وبرز الصراع الحاد والعنف بأنواعه (اللفظي والمادي) ولكن هؤلاء المراقبين يعتبرون أن فترات الانتقال الديمقراطي في كل البلدان تعرف مثل هذه الصراعات وربما بشكل أكثر حدة مما حصل ويحصل في تونس التي لا يعرف شعبها ثقافة العنف حيث تعود في ظل الديكتاتورية لعشرات السنين على اللاعنف خصوصا أن التعددية الحزبية كانت مضبوطة ولم تكن هناك أحزاب معارضة بالمعنى الدقيق وقادرة على اكتساح الساحة أو حتى التواصل مع الشعب بسبب مناخ الاستبداد.
ورغم كل ما حصل خلال السنوات الأخيرة من عنف متفاوت الحجم والخطورة فلم تجرؤ أي حكومة على وقف تيار العنف أو المبادرة إلى ضبط الأمور وإلزام الجميع باحترام الآخرين والتعايش معهم ودعوة كل حزب إلى خدمة أهدافه دون تشويه الأطراف المنافسة أو الاعتداء على حقها في التعبير أو النشاط واتباع منهج التسامح والحوار دون تخوين أو ترهيب أو إقصاء.
وقد لعب الإعلام دورا في إذكاء مناخ التوتر وتأجيج الصراعات والسبّ والتجريح ضد أحزاب وشخصيات سياسية تنشط سواء ضمن الفريق الحكومي أو الأحزاب السياسية أو البرلمان، ولم يسلم حتى رئيس الجمهورية ولا رئيس الحكومة من ذلك، حيث تنتصب المنابر الحوارية الإذاعية والتلفزية وصفحات التواصل الاجتماعي (فيسبوك تحديدا) يوميا لكيل الشتائم والاتهامات وتصيّد الأخطاء والنقد غير الموضوعي والهدّام الذي يشكك في كل ما يقال ويُنجَز، فضلا عن التهم الباطلة ونشر الأكاذيب وتحريف التصريحات وهي كلها سلوكيات وممارسات لا أخلاقية تمسّ بالمناخ الديمقراطي وتشوه الحياة السياسية وتستدعي وقفة جادة وحازمة لتنقية المناخ السياسي والإعلامي ونبذ العنف.

وإضافة إلى وسائل الإعلام فإن مجلس نواب الشعب كان دوما ميدانا للصراعات والتجاذبات بين النواب والكتل البرلمانية خصوصا أن كل مداولات المجلس تُنقَل على الهواء على التلفزيون الوطني ويواكب الناس يوميا نقاشات حادة وخطابات نارية ينزل فيها الخطاب أحيانا إلى مستويات لا تتماشى مع الممارسة الديمقراطية السليمة ولا تليق بالنخبة السياسية وتبعث على الاشمئزاز وتنفر الناس من السياسة والسياسيين.كما يرجع البعض توسع دائرة العنف السياسي وتدني مستوى الخطاب في المنابر الحوارية والاجتماعات الحزبية والجلسات البرلمانية إلى غياب الوعي بمفهوم المصلحة الوطنية والتزاماتها الأخلاقية والسياسية في الخطاب الشائع لدى زعماء وقيادات الأحزاب والمنظمات، فالكل لا يراعي إلا مصلحته ومصلحة حزبه ويعتبر الآخر عدوا ويعمد إلى تشويهه والدعوة إلى إقصائه وعدم انتخابه.
ويأتي احتداد هذه الصراعات والتجاذبات قبل أشهر قليلة من الانتخابات التشريعية والرئاسية المقبلة والمقررة للخريف القادم وتصر أحزاب المعارضة على الفوز بها وتريد الإطاحة بالحزبين الكبيرين (نداء تونس وحركة النهضة) وهما الحزبان الرئيسيان في تونس وظلا على مدى 5 سنوات يتحكمان في الحكومة والبرلمان وينعتهم المعارضون بالفشل ويدعون الناس منذ الآن إلى التسجيل بكثافة في القوائم الانتخابية والذهاب إلى مكاتب الاقتراع وعدم التصويت لمرشحي هذين الحزبين، وتسعى كثير من الأحزاب في حملة انتخابية قبل الأوان إلى تقديم نفسها على أنها المنقذ الذي سيخلص البلاد من أزماتها، وأن باقي الأحزاب والشخصيات السياسية فاشلة وضعيفة ولن تنفع تونس، كما تسعى بعض الأحزاب إلى افتعال المشاكل وإثارة الخصومات والاتهامات وإلى الظهور في وسائل الإعلام بموجب أو دون موجب للدعاية لنفسها ومحاربة الخصوم.

وحسب مصادر «المجلة» فإن ميثاق أخلاقيات التعامل السياسي سيكون جاهزا وموقعا عليه من قبل الأحزاب والمنظمات المعنية قبل نهاية يوليو (تموز) القادم وتحديدا قبل بدء إيداع الترشحات للانتخابات التشريعية (22 يوليو). 
ويذكر أن العدد الإجمالي للأحزاب القانونية قد بلغ 217 حزبا إلى حدود 25 أبريل (نيسان) الماضي وهو عدد كبير جدا بالنظر إلى عدد السكان (12 مليونا) وحجم الحراك السياسي، غير أن الأحزاب الممثلة في البرلمان والمجالس البلدية لا تتعدى 10 أحزاب والبقية تغط في سبات عميق منذ حصولها على الترخيص القانوني فلا تنشط ولا تشارك في الانتخابات ولا يعرفها المواطنون.
وقد تراوحت ردود فعل الأحزاب على مبادرة يوسف الشاهد بين القبول والرفض حيث رحبت بها أحزاب الائتلاف الحاكم (نداء تونس والنهضة) وحزب «تحيا تونس» الذي تكون حديثا وله كتلة محترمة العدد في مجلس نواب الشعب ويلقى دعما مباشرا من يوسف الشاهد رئيس الحكومة، واعتبرت هذه الأحزاب أن الساحة السياسية تحتاج إلى الحد الأدنى من الأخلاقيات بما يسمح بتهيئة الأرضية لانتخابات نزيهة خالية من الأساليب غير الشرعية للتنافس وقائمة على صراع البرامج ولا شيء غير ذلك.
في المقابل اعتبرت أحزاب أخرى أن تطبيق الدستور يكفل وحده تنقية المناخ السياسي والارتقاء بالممارسة الديمقراطية وحمل الأحزاب والسياسيين على احترام بعضهم البعض والتحلي بأخلاقيات التعامل السياسي الحضاري، فضلا عن أن مبادرة رئيس الحكومة ليست لها قوة إلزامية، ولا شيء يضمن عدم خرقها من قبل بعض الأحزاب التي تعودت على التجاذبات والمؤامرات والمناورات واتهام الآخرين أحزابا وشخصيات بشتى النعوت والممارسات.
كما يعتبر بعض المحللين وكثير من القيادات الحزبية أن مجلس نواب الشعب بات بحاجة إلى ميثاق سلوك وتعامل بين النواب والكتل البرلمانية نظرا لكثرة الصراعات والمداخلات المشحونة اتهاما ونقدا غير موضوعي لأداء أعضاء الحكومة وقادة الأحزاب، وهذا يفترض أن تقوم الأحزاب بتأطير نوابها الممثلين لها في البرلمان ودعوتهم للتحلي بالمسؤولية وعدم الانخراط في موجة العنف اللفظي واحترام هيبة مجلس النواب والتعبير عن مواقفهم بكل حرية وفي كنف المسؤولية والانضباط لآداب التعامل السياسي الحضاري وتجنب الحضور في البرامج الحوارية الإذاعية والتلفزية التي تبحث عن الإثارة وزرع الفتنة.
كما رأى البعض الآخر أنّ صدور «مبادرة أخلقة الحياة السياسية» عن يوسف الشاهد رئيس الحكومة والمعروف بأنه وراء تشكيل كتلة برلمانية سميت «كتلة الائتلاف الوطني» ثم تأسيس حزب «تحيا تونس» يوحي حسب هؤلاء بأنه صاحب مصلحة من تقديم هذه المبادرة فهو يتعرض منذ فترة إلى حملة نقد حيث يتهم بأنه يستعمل إمكانيات الدولة والحكومة للدعاية لشخصه ولحزبه «تحيا تونس» وهو ما يتنافى مع أخلاقيات التعامل السياسي.
وإذا كتب لهذا الميثاق أن يحظى بتوقيع وختم الأحزاب المؤثرة في الساحة السياسية عليه فإنه سيلغي أشكال التعامل غير الحضاري بين الأحزاب والسياسيين وسيحد من التوتر في الساحة السياسية وسيجعل التنافس ديمقراطيا وحضاريا وسنشهد صراع برامج وبدائل وحلولا للمشاكل الاقتصادية والاجتماعية التي تعصف بتونس منذ سنوات، خصوصا أن البلد يستعد للانتخابات التشريعية 2019 المقررة لشهر أكتوبر (تشرين الأول) القادم وقد بدأت منذ أسابيع حملات انتخابية واضحة هنا وهناك وهي غير قانونية من حيث توقيتها لأنها سابقة لأوانها ويغلب عليها الشتم واستهداف الخصوم بدل إعلاء البرامج وتقديم الحلول المناسبة للأوضاع الصعبة التي تمر بها البلاد.


اشترك في النقاش