سريلانكا وإرهاب الأقليات

ما بعد التوتر البوذي الإسلامي ... المسيحية بُعد جديد في الصراع الديني
* بداية الثمانينات من القرن المنصرم، شهدت سريلانكا بداية لتوترات عرقية تحولت إلى حرب أهلية عام 1983
* من الأهمية بمكان تبني مقاربة جديدة في معالجة هذه الجريمة من خلال البحث في دوافع ارتكابها والتي بلا شك تتباين عن الدوافع وراء الجرائم الإرهابية التي سبقتها
* بدلا من أن تخصص الدول الكبرى المليارات للإنفاق العسكري، وسباق التسلح، والمغامرات الطائشة، عليها أن تخصص نسبة ضئيلة من هذه المبالغ لحملة دولية منظمة ضد الإرهاب بجميع أشكاله وصوره، ومعالجة أسبابه
* لا بد أن يكون هناك عمل حكومي ممنهج تشارك فيه الأطراف المحلية كافة، وتدعمه الأطراف الدولية سياسياً واقتصادياً وتنموياً

باكو: في واحدة من أعنف العمليات الإرهابية التي شهدتها سريلانكا على مدى تاريخها الدموي من الصراع الذي بدأ عرقيا وأصبح اليوم دينيا، استيقظ الشعب السريلانكي والعالم أجمع على جريمة إرهابية ارتكبت ضد عدد من الكنائس والفنادق بالتزامن مع احتفالات المسيحيين بعيد القيامة في الحادي والعشرين من أبريل (نيسان) 2019. راح ضحيتها ما يزيد على 300 قتيل وأكثر من 500 جريح، حيث تعرضت الكنائس والفنادق وحديقة حيوان في 3 مدن سريلانكية إلى سبعة تفجيرات؛ منها ثلاثة انفجارات وقعت في كنائس كاثوليكية، حيث يقام قداس عيد الفصح، وثلاثة انفجارات أخرى في فنادق 5 نجوم، فضلا عن تفجير في حديقة حيوان قريبة من العاصمة كولومبو، الأمر الذي مثل بدوره تطورا نوعيا في الجريمة الإرهابية في سريلانكا بعدما كانت هذه الجريمة متبادلة بين البوذيين والإسلاميين منذ أواخر العقد الأول من القرن الراهن وتحديدا ما بعد انتهاء الحرب العرقية عام 2008. حيث دخلت المسيحية على الخط ربما للمرة الأولى التي تُرتكب فيها جريمة إرهابية ضد مسيحيي سريلانكا ومقدساتهم، وهو ما يستوجب لفت الانتباه إلى هذا التحول المهم للبحث في أسبابه ودوافعه وكذلك تداعياته وآليات مواجهته.
وعليه، يستعرض هذا التقرير الحادث الإرهابي من خلال المحاور الآتية:


 
أولاً: سريلانكا... لؤلؤة المحيط الهندي
تقع سريلانكا في جنوب القارة الآسيوية متخذة من شمال المحيط الهندي مستقرا لها، يحدها شمالا الهند وغربا المالديف. ونظرا لهذا الموقع المتميز كونها البوابة الأولى السهلة لدخول هذه المنطقة، فقد كانت دوما مجالا لتنافس القوى العظمى، بما أوقعها عدة مرات تحت الاحتلال بدءا من الاحتلال البرتغالي والهولندي في بداية القرن الـ16 الميلادي ثم البريطاني عام 1815 واستمر حتى عام 1948 حينما أعلنت استقلالها بعد 133 عاما من الاحتلال.
وتقدر مساحة سريلانكا بنحو 65 ألف كم2 تقريبًا، ويبلغ عدد سكانها ما يزيد على 21 مليون نسمة، يشكل السنهاليون العرقية الرئيسية بنسبة 75 في المائة في حين تمثل العرقية التاميلية 11 في المائة والباقون موزعون بين عرقيات مختلفة، ولذا تمثل اللغتان السنهالية والتاميلية لغتين رسميتين في البلاد، إضافة إلى لغة الملايو والتاميلية العربية. ويشكل البوذيون نحو70 في المائة من السكان، بينما يشكل الهندوس 12 في المائة، والمسلمون نحو 10 في المائة فقط، وأخيرا المسيحيون 7 في المائة.
وتتبنى سريلانكا نظام حكم جمهوريا رئاسيا مركزيا، ويضم برلمانها 225 عضوا يتم انتخابهم كل 6 سنوات، حيث يُجرى انتخاب 196 عضوا من دوائر ذات مقعد وحيد، بينما يُنتخب الـ29 المتبقون بنظام اللائحة النسبية، ولرئيس الجمهورية الحق في حل البرلمان بعد مرور أول سنة من ولايته التشريعية.
ويذكر أن البلاد قد شهدت في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي (2018) أزمة سياسية تجسدت في ثلاث قوى رئيسية، أولها الرئيس مايتريبالا سيريسينا، ورئيس الوزراء رانيل ويكرمسينجي، والقيادي ماهيندا راجاباكسه، حيث اندلعت الأزمة عندما أقال الرئيس سيريسينا، رئيس الوزراء ويكرمسينجي بشكل مفاجئ وقام بتعيين راجاباكسه بدلاً منه في خطوة اعتبرتها الأكثرية في البرلمان غير دستورية، كما علق عمل البرلمان. وردًا على خطوة الرئيس السريلانكي، قام البرلمان بعزل راجاباكسه مرتين، ما دفع الأخير إلى الاستقالة في منتصف ديسمبر (كانون الأول) 2018، أي بعد شهر ونصف الشهر فقط من توليه السلطة، ليعود ويكرمسينجي إلى منصبه مجددًا ويستمر حتى الآن. وجدير بالإشارة أن الأحزاب الكبرى في سريلانكا لجأت حينذاك إلى المحكمة العليا، حيث تشكل في مجموعها غالبية مطلقة في البرلمان، وقدمت شكوى ضد قرار الرئيس مايثريبالا سيريسينا بحل البرلمان، الذي عاد للانعقاد بدوره في نوفمبر (تشرين الثاني) 2018، بعد القرار الرئاسي بحله.
 




المدير التنفيذي لمركز بدائل سياسة المركز ، بايكياسوثي سارافاناموتو  في مكتبه في كولومبو.- أشار إلى تجاهل المعلومات الاستخباراتية التي حذرت من العمليات الإرهابية

ثانيا: سريلانكا... تاريخ ممتد من الصراع العرقي ثم الديني
مع بداية الثمانينات من القرن المنصرم، شهدت سريلانكا بداية لتوترات عرقية تحولت إلى حرب أهلية عام 1983 إذ إنه في أعقاب مذبحة مناهضة للتاميل، سعت جماعات انفصالية تاميلية في شمال وشرق الجزيرة إلى الانسلاخ عن الحكومة التي تهيمن عليها أغلبية سنهالية. وخلال الحرب وقعت أسوأ أعمال عنف ضد المسلمين في سريلانكا على يد متمردي التاميل بسبب موقف هؤلاء المسلمين المنحاز للحكومة السريلانكية. وقُدر عدد ضحايا هذه الحرب الأهلية التي استمرت 26 عامًا بأكثر من 100 ألف شخص.
وبعد أن وضعت هذه الحرب أوزارها بهزيمة المتمردين عام 2009. بدأ توجه العنف من الأغلبية البوذية تجاه الأقلية المسلمة، حيث كان المسلمون بعيدين عن الأنظار إلى أن تمكن الجيش السريلانكي من دحر مقاتلي نمور التاميل عام 2009. لتبدأ حملات الكراهية يقودها رهبان بوذيون ضد المسلمين، وخاصة مع بروز جماعة بوذية أطلق عليها «بودو بالا سينا» (قوة البوذيين الأشداء)، وهي جماعة متشددة تدعم ارتكاب الجرائم بحق الأقلية المسلمة بدءا من حرق المساجد والممتلكات والاعتداء على المسلمين وأسرهم بل وقتلهم، وذلك كله تحت مزاعم واتهامات غير صحيحة بحق هؤلاء المسلمين، تمحورت حول الاتهام بإجبارهم للمواطنين السريلانكيين على اعتناق الإسلام، مع اتهامهم بتخريب المواقع الأثرية البوذية.
وفي هذا الخصوص، يمكن رصد أبرز الانتهاكات التي ارتكبت في حق الأقلية المسلمة خلال الأعوام الثلاثة الماضية، وذلك من خلال المؤشرات الآتية:

  1. قيام السلطات الأمنية السريلانكية باعتقال عبدول رازق في نوفمبر 2016. بتهم تتعلق بالإساءة إلى الديانة البوذية. التهم تعود إلى تصريحات أطلقها رازق ضد بعض المجموعات السياسية البوذية، خلال مظاهرة احتجاجية لجماعة «التوحيد» السريلانكية على تعديلات كانت الحكومة السريلانكية ترغب في تمريرها على قانون الزواج الإسلامي. والمثير أن الاعتقال جاء بعد تهديدات خطيرة أطلقها أتي غناناسارا الأمين العام للمنظمة اليمينية «بودو بالا سينا» المعروفة اختصارًا بـBBS.
  2. منذ 17 أبريل (نيسان) وحتى 30 يونيو (حزيران) 2017. تم تسجيل أكثر من 20 هجوما على مسلمين بينها الحرق العمد لمتاجر مملوكة لمسلمين وهجمات بالقنابل الحارقة على مساجد، وهو ما كان موضع إدانات كثيرة طالبت الحكومة بالحفاظ على حقوق الأقليات والحريات الدينية.
  3. أعلنت الحكومة السريلانكية حالة الطوارئ نهاية مارس (آذار) 2019؛ بسبب الهجمات المتكررة على مساجد وأملاك المسلمين من قبل متطرفين بوذيين.




رجل يغطي عيون زوجته وهي تبكي في جنازة والدتها التي قُتلت في هجوم عيد الفصح على كنيسة القديس سيباستيان، في 25 أبريل 2019 في نيجومبو، سريلانكا. (غيتي)


 

 
ثالثا: الجريمة الإرهابية ضد الكنائس... تحول إرهابي جديد
ليست مبالغة القول إن الجريمة الإرهابية التي شهدتها سريلانكا مؤخرا لم تكن الأولى ولن تكن الأخيرة، وهو ما حذرت منه كثير من التقارير، وذلك في ضوء ما تواجهه سريلانكا من وقوع أعمال عنف متبادلة بين المواطنين السريلانكيين المنتمين إلى ديانات مختلفة كما سبقت الإشارة، وهو ما يستوجب أن تكون معالجة الحكومة السريلانكية لهذه الجريمة النكراء مختلفة عما سبق حتى لا يظل الأمر رهنا بموقف جديد يتكرر بعد كل جريمة، خاصة أن هذه الجريمة تمثل تحولا جديدا في أبعاد الإرهاب الذي تعيشه سريلانكا والذي ظل محصورا بين الأغلبية البوذية والأقلية المسلمة، إلا أنه هذه المرة شهد تطورا جديدا تركز في مؤشرين: الأول، أنها المرة الأولى التي ترتكب جريمة إرهابية بين الأقليتين (المسيحية والإسلامية) إذ ظل المسيحيون في منأى من الحرب المتبادلة بين البوذيين والإسلاميين، إلا أن ارتكاب هذه الجريمة يعني أن هدف العملية الإرهابية يتباين عن الأهداف وراء ارتكاب الجرائم السابقة. الثاني، الموقف الرافض للتنظيمات الإسلامية السريلانكية لارتكاب مثل هذه الجريمة، إذ نشرت جماعة التوحيد السريلانكية المعروفة اختصارا بـSLTJ، على حسابها في «فيسبوك» بيانًا أدانت من خلاله الهجمات، وعبرت عن «تعاطفها العميق مع من فقدوا حياتهم ومع الجرحى»، مطالبة الحكومة السريلانكية بالعمل على تقديم مرتكبي هذه الجريمة إلى العدالة، بل طالبت بمعاقبة مرتكبيها بالإعدام لمنع تكرار مثل هذه الجرائم بغض النظر عن عقيدتهم ودينهم. وفي السياق ذاته، أدان المجلس الإسلامي السريلانكي والمعروف اختصارا بـMCSLهذه الجريمة الإرهابية، داعيا السلطات بإجراء تحقيق شامل والسعي لتحقيق العدالة، مبديًا استعداده لتقديم المساعدة اللازمة لكل من تأثر بالتفجيرات. ويعني ذلك أن ثمة تنظيمات إسلامية جديدة شاركت في ارتكاب مثل هذه الجريمة، صحيح أن تنظيم داعش أعلن مسؤوليته عن الجريمة كما نقلت بعض وسائل الإعلام ذلك، إلا أن البيان الصادر عن الحكومة السريلانكية والذي نقلته وكالة الصحافة الفرنسية، أشار إلى أن «جماعة (إسلامية) محلية تقف وراء اعتداءات أحد الفصح»، وهي جماعة تعرف باسم «جماعة التوحيد الوطنية»، المعروفة اختصارًا بـNTJ، وهي جماعة شبه مجهولة لم يتردد اسمها قبل الإعلان الرسمي عن ارتكابها هذه الجريمة.

 




رئيس وزراء سيرلانكا رانيل ويكر


 
جماعة التوحيد الوطنية (NTJ)... تنظيم جديد
في إطار البحث عن هذه الجماعة الجديدة التي دخلت على خط الصراع الديني في سريلانكا، حسب نسخة غوغل من موقعها الإلكتروني (توقف عن العمل)، تقول هذه الجماعة إنها منظمة أنشئت لأجل توضيح مقاصد الإسلام، والقيام بأنشطة خيرية، يوجد مقرها في كاتانكودي على الساحل الشرقي من البلادوهي واحدة من المدن التي يتركز فيها المسلمون في سريلانكا. ويُعتقد أن الجماعة كانت تغطي بإعلان العمل الخيري على أنشطتها الحقيقية. وتتحدث جماعةNTJ عن أنها تعمل مع أربعة من «العلماء المسلمين»، واحد منهم يحمل اسم زهران، وقد تردد هذا الاسم بعد ساعات من الهجوم على أنه من منفذي التفجيرات تحت اسم زهران هاشم.
وفق ما نشره أكثر من مصدر إعلامي، فقد اتُهم أعضاء من جماعةNTJ بسرقة معابد بوذية في البلاد. غير أنه لم يرد اسمها سابقا في قوائم الإرهاب الدولية.
وجدير بالإشارة أن اسم هذه الجماعة «التوحيد الوطنية» يقترب من الجماعة الموجودة سابقا وهي جماعة «التوحيد» السريلانكية السابق الإشارة إليها بإدانة هذه الجريمة. إلا أنه لم يثبت بعد وجود روابط بين الجماعتين، عدا التشابه في الاسمين، في حين أشارت بعض المصادر الإعلامية وتحديدا قناة «بي بي سي» (BBC) إلى أنه يُعتقد أن جماعة NTJ انفصلت عن جماعة SLTJ، إلا أن الأمر لم يؤكد بعد.
وفي ضوء كل ما سبق، أضحى من الأهمية بمكان تبني مقاربة جديدة في معالجة هذه الجريمة من خلال البحث في دوافع ارتكابها والتي بلا شك تتباين عن الدوافع وراء الجرائم الإرهابية التي سبقتها، وذلك حتى لا تتسع دائرة الإرهاب الذي يُدخل البلاد في حلقة مفرغة من الجرائم المتبادلة وإن تباين حجم ضحايا كل جريمة واختلفت أساليب وتوقيتات ارتكابها.
وفي قراءة أولية للدوافع وراء ارتكاب هذه الجريمة التي لم تأت في إطار الحرب المتبادلة بين البوذيين والمسلمين في سريلانكا، وإنما يمكن أن تأت في إطار رد فعل لما تعرض له المسلمون في نيوزيلندا الشهر الماضي (مارس 2019) من اعتداء على مسجدين راح ضحيتهما نحو 50 مصليا وأصيب مثلهم. فكانت الجريمة رسالة من مرتكبيها بأن ما تعرض له مسلمو نيوزيلندا على يد مسيحي في يوم جمعة وهو يوم يُعد يوم عيد بالنسبة للمسلمين، استوجب الرد فجاءت تلك الجريمة.
ومن ثم، يصبح التساؤل، لماذا سريلانكا على وجه التحديد؟ ويجد ذلك تفسيره في عاملين: 
الأول، أن البيئة السريلانكية في ضوء الصراع الديني البوذي الإسلامي يجعلها بيئة مناسبة لارتكاب مثل هذه الجريمة خاصة في ظل الموقف الحكومي المتراخي في التعامل مع الجرائم الإرهابية التي ترتكب بحق الأقلية المسلمة، فضلا عن تخاذلها عن وقف حملات الكراهية والتضليل الخاطئة التي يقوم بها البعض، وخاصة من خلال وسائل التواصل الاجتماعي في الإساءة إلى الأقلية المسلمة. كما يمكن فهم هذه الجريمة كذلك في ضوء رد الفعل على ما تعرض له مسلمو ميانمار على يد الأغلبية البوذية. 
أما المؤشر الثاني، فيتمثل في أنه قد سبق أن أعلنت الحكومة السريلانكية عام 2016 عن أن 32 سريلانكياً انضموا إلى «داعش» وغادروا البلاد، على الرغم من أن الكثير منهم ينتمون إلى أسر متعلمة، وهو ما أثار دهشة ومفاجأة كبيرة في سريلانكا، وأثار هذا الإعلان آنذاك ردود فعل رافضة من مجتمع المسلمين المحلي لهذه التصريحات ووصفها بأنها «تشوه صورة» المسلمين في سريلانكا. ولكن في ظل الضغوط التي واجهها تنظيم داعش في سوريا والعراق وعودة بعض عناصره إلى أوطانها يعطي ذلك مبررا لارتكاب مثل هذه الجريمة خاصة أن المتحدث باسم الحكومة راجيثا سيناراتني أشار إلى أنه: «لا نعتقد أن هذه الهجمات نفذتها مجموعة من الأشخاص الموجودين في البلاد... هناك شبكة دولية لم يكن من الممكن دون مساعدتها أن تنجح مثل هذه الهجمات» وهو ما يتفق مع ما نقلته بعض وسائل الإعلام بمسؤولية «داعش» عن الجريمة.

 




سيدتان أثناء تشييع جنازة شخص قُتل في هجوم الأحد على كنيسة القديس سيباستيان في عيد الفصح، في 25 أبريل 2019 في نيجومبو، سريلانكا. (غيتي)


 
رابعاً: الجريمة الإرهابية... هل يكفي الرفض والإدانة؟
مع كل جريمة إرهابية تقع، تتواصل حجم الإدانات الدولية والإقليمية، حيث يرفض الجميع وقوع مثل هذه الجرائم، وهو ما شهدته تلك الجريمة التي حظيت بحجم كبير من الإدانات والرفض، حيث أعلن الجميع تضامنه مع الشعب السريلانكي في محنته ومعاونته للدولة السريلانكية في إدارتها لهذه الأزمة، فقد ذكّر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش بـ«الطابع المقدس لكل أمكنة العبادة، وأمل بإحالة مرتكبي هذه الأفعال سريعا على القضاء»، كما سارعت كثير الدول برفض هذه الجريمة معلنة استعدادها لتقديم المساعدات اللازمة كما عبر عن ذلك الرئيس الأميركي في تويتة له عقب وقوع الجريمة، في حين وصفت المستشارة الألمانية الجريمة بالأمر الصادم، وهو ذات الوصف الذي استخدمته رئيسة وزراء نيوزيلندا، ولم يختلف هذا الوصف كثيرا عما أبدته رئيسة الوزراء البريطانية بأن ما حدث جريمة مروعة بحق. وأكد الرئيس الروسي على أن بلاده كانت وستبقى شريكا موثوقا لسريلانكا لمكافحة تهديد الإرهاب الدولي.
كما أدانت المملكة العربية السعودية سلسلة التفجيرات الإرهابية، مؤكدة على ضرورة تضافر الجهود الدولية للقضاء على الإرهاب الذي يهدد الأمن والاستقرار في كل أنحاء العالم من دون استثناء. وفي السياق ذاته جاء الموقف الإماراتي المؤكد على تضامنها مع الحكومة والشعب السريلانكي في مواجهة العنف والتطرف، داعية المجتمع الدولي إلى التكاتف لمواجهة هذه الآفة الخطيرة. كما جاء الموقف المصري الذي عبر عنه الرئيس عبد الفتاح السيسي بأن مثل هذه الجرائم الإرهابية لا تستهدف دولة بعينها، وإنما تستهدف الإنسانية كلها، مؤكدا على ضرورة أن يقف الجميع أمام مسؤولياته التاريخية تجاه هذه الأعمال المتجردة من كل معاني الإنسانية، كما أدان الأمام أحمد الطيب شيخ الأزهر الحادث بقوله: «لا أتصور آدميا قد يستهدف الآمنين يوم عيدهم».
ولكن في ظل ما يواجهه العالم بأسره من إرهاب يُدمر ويقتل بسبب وجود عقول مغلقة، وقلوب سوداء، وقيادات تحرض، ودول تمول، وإدانات شفهية، فلن نستطع مواجهة مثل هذه الجرائم، إلا من خلال تضافر هذه الجهود كافة، فبدلا من أن تخصص الدول الكبرى المليارات للإنفاق العسكري، وسباق التسلح، والمغامرات الطائشة، عليها أن تخصص نسبة ضئيلة من هذه المبالغ لحملة دولية منظمة ضد الإرهاب بجميع أشكاله وصوره، ومعالجة أسبابه، ومساعدة الدول التي تعاني بسببه، ومواجهته أمنيا، واقتصاديا، وما تتطلبه تلك المواجهة من إمكانات لازمة لذلك، إذ إن ما واجهته سريلانكا من أزمات ناتجة عن أزمتها السياسية التي خلفت أوضاعا مجتمعية متردية، كان يجب على الجميع أن يدعم الشعب السريلانكي من خلال تقديم المساعدات والمنح من ناحية، والضغط على الحكومة السريلانكية لاتخاذ مواقف أكثر حسما وشدة وقوة تجاه المتشددين من الأطراف كافة من ناحية أخرى، إذ إن الإرهاب يجد مرتعه مع فشل الحكومات في وضع برامج وخطط كفيلة باستئصال أسبابه ودوافعه السياسية والاقتصادية والفكرية، فما جرى بحق الأقلية المسلمة سابقا ولا يزال، واليوم بحق الأقلية المسيحية، هو رسالة للحكومة السريلانكية بأن تتحرك في كل مكان لمكافحة الإرهاب، ومنع تداول الأفكار المتطرفة التي تحض على الكراهية والتطرف، ولا بد أن يكون هناك عمل حكومي ممنهج تشارك فيه الأطراف المحلية كافة، وتدعمه الأطراف الدولية سياسيا واقتصاديا وتنمويا، وإلا ستدخل سريلانكا في حلقة مفرغة من الإرهاب المتبادل الذي لن تتوقف تداعياته على الأمن السريلانكي فحسب، بل وعلى الأمن الإقليمي في تلك المنطقة ذات الأهمية الاستراتيجية من ناحية، والأمن العالمي في ظل تشابكية الجريمة الإرهابية وتمدداتها التي تهدد الأمن والسلم العالميين من ناحية أخرى.
 
 


اشترك في النقاش