الولايات المتحدة: الرهان الديمقراطي لانتخابات الرئاسة القادمة

* في حين تتبلور الانتخابات التمهيدية الديمقراطية تبقى تداعياتها على الشرق الأوسط مبهمة
 

واشنطن: لن تبدأ أول مناظرة للانتخابات التمهيدية الديمقراطية قبل شهرين من اليوم وسيتم عقد أول مؤتمر تحضيري لولاية أيوا بعد عامٍ تقريباً، إلا أن الخطوط العريضة الرئيسية لمجال الحزب الديمقراطي بدأت تظهر ببطء. وتُعرف هذه الفترة في السياسة الأميركية بفترة «الانتخابات التمهيدية غير المرئية» ــ التي يتم فيها تحديد المرشحين الذين سيمثلون الأحزاب الكبرى في المرحلة المقبلة وذلك قبل إجراء الانتخابات التمهيدية.

ويتم خلال فترة الانتخابات التمهيدية غير المرئية استبعاد أعداد كبيرة من المرشحين تدريجياً إلى حين الوصول إلى عدد محدود من المتنافسين الرئيسيين. ويتم اختيارهم بحسب قدرتهم على جمع الأموال والحصول على عدد كبير من الأصوات خلال الاقتراعات التي تجري في الولايات التي تتم عملية الانتخاب فيها قبل غيرها بالإضافة إلى الحصول على برنامج انتخابي في وسائل الإعلام الوطنية.

وعلى الرغم من أنه يوجد الكثير من الوقت بعد ليتغير المشهد الانتخابي إلّا أنه قد برز ثلاثة مرشحين استطاعوا حتى الآن تحقيق هذه الأهداف الثلاثة، وهم: السيناتور بيرني ساندرز من ولاية فيرمونت، ونائب الرئيس الأميركي السابق جو بايدن من ولاية ديلاوير، وعضو الكونغرس روبرت بيتو أورورك من ولاية تكساس. وتختلف نظرة كل من المرشحين الثلاثة حول السياسة الخارجية. وسيحدد فوز أو خسارة أي منهم خلال المنافسة القادمة اتجاه الحكومة- التي يديرها الديمقراطيون حالياً- من حيث موقفها حول الشؤون الدولية.

 

بيرني ساندرز: المرشح الأبرز من حزب اليسار

أسس السيناتور ساندرز نفسه بالفعل ليكون الزعيم المحتمل الذي سيترشح عن الحزب الديمقراطي وذلك عن طريق أمرين رئيسيين، وهما: امتلاكه لأكبر قاعدة وطنية مثبتة حصل عليها مرشح عن الحزب الديمقراطي في الماضي القريب وقدرته على جمع تبرعات لحملته الانتخابية تصل قيمتها لأكثر مما استطاع كل منافسيه الرئيسيين مجتمعين أن يجمعوها.

وقد صوت 13 مليون ناخب تمهيدي لصالح ساندرز خلال دورة الانتخابات التمهيدية الديمقراطية التي جرت عام 2016 مما منحه 43 في المائة من المجموع العام للأصوات. وقد شكلت تلك النسبة إنجازاً هائلاً نظراً لخسارته في المرحلة الأولى بشكلٍ مستمر أمام هيلاري كلينتون التي تصدرته بـ40 نقطة في معظم الاقتراعات. ولم يحصل على أكثر من هذه الأصوات سوى باراك أوباما وهيلاري كلينتون من بين الديمقراطيين الأحياء، ولن يتنافس أي منهما في الانتخابات الرئاسية التي ستجرى عام 2020.

ولم يفقد ساندرز براعته في جمع التبرعات إذ استطاع جمع ما يقرب من ربع مليار دولار خلال الانتخابات التمهيدية لعام 2016. وجمع نحو ستة ملايين دولار في يومٍ واحد عندما أعلن ترشحه الشهر الماضي – ويشكل هذا المبلغ أربعة أضعاف ما جمعه أقرب منافس له وهي السيناتورة كامالا هاريس. وبذلك يكون قد جمع ما بين 18 و24 مليون دولار نهاية الربع الأول من مرحلة الانتخابات التمهيدية غير المرئية، وهو مبلغ يتخطى ما حصل عليه منافسوه الأقرب إليه مجتمعين.

وإذا نجح ساندرز بالفعل في الترشح سيمثل بذلك أحد أكثر الأحزاب اليسارية الأساسية لرئاسة الجمهورية في تاريخ الولايات المتحدة. وقد اقترح خفض كبير في الإنفاق العسكري الأميركي وانتقد التحالفات الأميركية مع المملكة العربية السعودية وإسرائيل ودعا إلى وضع حد لدعم الولايات المتحدة للحرب السعودية في اليمن، وقدم مشروع قانون لتحقيق هذا الهدف. والمعروف جيداً عن مستشاره الرئيسي للسياسة الخارجية الناشط التقدمي مات داس دعمه التقارب الأميركي مع إيران والتعبير عن العداء لحلفائها التقليديين في المنطقة.

 

جو بايدن: خادم إرث أوباما

في حين برزت قدرة ساندرز على جمع التبرعات إلا أن مرتبته في استطلاعات الرأي الوطنية تأتي بعد نائب الرئيس السابق جو بايدن. فوفقاً لمتوسط استطلاعات Real Clear Politics، يتقدم بايدن على ساندرز بفارق سبع نقاط تقريباً بين الديمقراطيين وذلك على المستوى الوطني. وفوزه أيضاً مؤكد في أول ولاية سيصوت سكانها خلال الانتخابات الرئاسية القادمة، وهي أيوا وإن كان ذلك بهامش أكثر تقلباً. ويحظى بايدن أيضاً باحترام الشعب إذ بلغ معدل تفضيله 24 في المائة وهذه النسبة أعلى بكثير من نسبة ساندرز البالغة 15 في المائة.

وعلى الرغم من وجود كل هذه المزايا، لم يعلن بايدن ترشحه فوراً للانتخابات. وبحسب ما ورد، فهو يسعى للحصول على التزامات من المانحين الديمقراطيين الرئيسيين ليتمكن من موازنة عرض ساندرز القوي. وقال أحد الحلفاء الذين على دراية بخطة بايدن إن «هذه أولوية». مضيفاً: «إذا لم تؤمن عرضاً جيداً في الربع الثاني فقد تكون مشكلة». ويبقى السؤال مطروحاً حول ما إذا كان بايدن سيتمكن من الحصول على دعمٍ كافٍ من فئة المانحين ليصل إلى ميزة ساندرز بين الجهات المانحة الصغيرة.

وكافح بايدن أيضاً لكسب دعم الناشطين التقدميين الذين انتقلوا إلى اليسار خلال السنوات الأخيرة الماضية. ويثير سجله في التصويت على الجريمة والإجهاض وحرب العراق قلقاً عميقاً لدى بعض التقدميين الذين يعتقدون أنه «خارج عن المسار» مع انعطاف حزبه باتجاه اليسار. وقد تفاقم ذلك بسبب مزاعم صدرت مؤخراً وتشير إلى أن بايدن قد تصرف بشكل غير لائق مع النساء في المناسبات العامة، مما أثار تكهنات بحملة مضادة على طراز MeToo# ولها آثار سلبية على ترشحه.

وإذا تغلب بايدن على هذه التحديات وفاز بالترشيح، فمن المحتمل أن تمثل سياسته الخارجية عودة لسياسة أوباما الخارجية. فقد أيد بقوة الصفقة الإيرانية، وانتقد قرار ترامب بالانسحاب من خطة العمل الشاملة المشتركة، قائلاً إن «كل ما ستحققه على الأرجح إعادة إيران إلى مسار إنتاج السلاح النووي دون أي مخرج دبلوماسي واضح».

 

روبرت بيتو أورورك: محبوب وسائل الإعلام الذي لم تتضح سياسته الخارجية حتى الآن

برز عضو الكونغرس السابق في ولاية تكساس روبرت أورورك، الملقب بـ«بيتو» كثالث مرشح يمتلك مقومات الربح من بين الديمقراطيين. وظهر بيتو أول مرة على الساحة الوطنية عندما كان في السابعة والأربعين من عمره وذلك خلال تنافسه مع السيناتور تيد كروز في تكساس، وهو مقعد يفترض منذ فترة طويلة أنه بعيد عن متناول الديمقراطيين. وعلى الرغم من فشله في الحصول على هذا المقعد إلّا أنه حصل على عدد كبير من الأصوات في ولاية تعتبر جمهورية بحتة. وكان رصيده من الأصوات هو الأكبر مقارنة بما حصل عليه جميع المرشحين الديمقراطيين خلال أربعين عاماً.

كما تمكن بيتو من التمتع بمتابعة قوية من وسائل الإعلام الوطنية والجهات المانحة الصغيرة. فقد جذبت حملته الانتخابية عام 2018 في تكساس اهتماماً أكثر من أي مرشح آخر وجمع 80 مليون دولار، معظمها من الجهات المانحة الصغيرة. وعندما أعلن ترشحه للرئاسة في مارس (آذار)، جمع 6.1 مليون دولار في غضون 24 ساعة - أي أكثر مما جمعه ساندرز.

وبالمقارنة مع القادة الثلاثة المحتملين من الحزب الديمقراطي، يعتبر تقييم بيتو، كمنافس وطني ومفكر في السياسة الخارجية، الأكثر صعوبة إذ إن سجله في الكونغرس حول السياسة الخارجية ضعيف وقد اقتصرت خطاباته على القضايا التي عليها إجماع وطني أو ديمقراطي حزبي. وقد أشاد، على سبيل المثال، بحل الدولتين (الذي تدعمه معظم الأطراف الأميركية)، ولكنه ندد بنقل السفارة الأميركية إلى القدس (القرار الذي عارضه معظم الديمقراطيين) باعتبار القرار «تحريضيا». وقد دعم الصفقة النووية مع إيران التي تم توقيعها عام 2015. قائلاً إنها منعت إيران من امتلاك أسلحة نووية دون إطلاق ضربة واحدة أو التضحية بحياة أحد أفراد الجيش الأميركي.

ومع ذلك، يوجد خيط رفيع نسبياً يقوم عليه قانون السياسة الخارجية. وفي هذه المرحلة المبكرة نسبياً من المسابقة الديمقراطية، يثق المراقبون تماماً بمبدأ واحد فقط يتفق عليه المتنافسون الديمقراطيون وهو معارضة كل ما يدعمه الرئيس دونالد ترامب.