إيران وساعة الحقيقة

* إيران وحيدة وضعيفة. لها أن تطلق الشعارات ما شاءت وأن تتغنى بعظمة قوتها العسكرية ما شاءت ولكن تلك الشعارات لن تلقى ترجمة على أرض الواقع، بل ستكشف ضعف تلك المنظومة العسكرية التي تتكل حصراً على الإرهاب

 

قد يُطلق الكثير من الصفات على الرئيس ترامب. شعبوي، غير تقليدي، شرس في تعليقاته وتغريداته إلى حد التجريح، يطلق العنان لأفكاره من دون قفازات. حسنا. لكن الصفة الملازمة لشخص الرئيس والتي لا يتناقش فيها اثنان أنه يعني ما يقول. قال إنه سينسحب من الاتفاق النووي مع إيران بوصفه أسوأ اتفاق وقعته الولايات المتحدة في تاريخها، وهكذا صار. قال إنه يريد إنهاء برنامج الرعاية الصحية الذي أطلقه الرئيس السابق أوباما، أو بناء الجدار الحدودي مع المكسيك، وهكذا يعمل.
قال إنه سينقل سفارة بلاده إلى القدس وهكذا فعل. قال إنه سيعيد الاعتبار لحلفاء الولايات المتحدة التقليديين كالمملكة العربية السعودية بعد أن همّشها سلفه، وهكذا صار.
انتقد غياب معايير العدالة في التبادل التجاري مع الصين، وعمل على اتفاق جديد معها وهو سيرى النور قريبا. تطرق إلى موضوع الناتو وإلى الاتكال الكبير لهذا الحلف على الولايات المتحدة من ناحية الأكلاف المالية، وهو أجبر الدول الأعضاء على زيادة نسبة مشاركتها في الموازنة.
أما فيما خص إيران فقرار إدارة ترامب كان شد الخناق الاقتصادي عليها حتى إخضاعها للشروط التي أعلنها وزير الخارجية مايك بومبيو في الخطاب الذي ألقاه في مؤسسة التراث في واشنطن في مايو (أيار) من العام الماضي والذي يرتكز على تغيير سلوكها في المنطقة لا سيما العراق ولبنان واليمن وسوريا ووقف نشاطاتها الإرهابية والتوقف عن تمويلها أذرعها العسكرية المزروعة في المنطقة.
إعادة العقوبات القاسية على النظام الإيراني كان أول الغيث. أما اليوم فمنع إيران من تصدير لتر واحد من النفط دخل حيز التنفيذ، وأي دولة أو شركة ستخالف هذا التوجه ستواجه غضب وعقوبات ترامب. ترامب الذي أكد أن كل الوسائل متاحة في مواجهة إيران حتى تلك العسكرية منها.
ويوما بعد يوم تضيق خيارات إيران في مواجهة الولايات المتحدة.
ذكر المسؤولون الإيرانيون أن منع بلادهم من تصدير النفط سيواجه بأغلاق مضيق هرمز الذي يمر من خلاله خُمس نفط العالم. أمام هذا الاحتمال إدارة ترامب كانت واضحة؛ فتح المضيق بالقوة إذا اقتضى الأمر. فهل تتجرأ إيران على المضي قدما بهذا القرار؟ الجواب المنطقي هو لا، لأنها ستواجه الآلة العسكرية الأميركية وحيدة وهو طبعا أمر انتحاري.
إذن ما هي الخيارات الأخرى المتاحة لدى إيران؟
مواجهة إسرائيل من خلال «حزب الله»؟ النتيجة الحتمية هي تدمير لبنان ومراكز الحزب في سوريا واغتيال ما تبقى من القيادات التي لاقت معظمها حتفها في سوريا، وخسارة ترسانتها العسكرية من دون نتيجة تذكر. الحرب على إسرائيل لن تؤدي مبتغاها من تخفيف العقوبات أو حتى إلغائها. أما الرد الإسرائيلي التدميري إذا حصلت الحرب فلن يجد إدارة أميركية تردعه بل سيكون لتلك العملية دعم غير محدود.
أما استعمال الحوثيين لمهاجمة المملكة العربية السعودية فنتائجها ستكون هي الأخرى ضعيفة نظرا لمحدودية الآلة العسكرية الحوثية ولن تغير من استراتيجية الولايات المتحدة الأميركية أو حتى من إصرار المملكة على تعويض النقص في براميل النفط الذي سيخلفه قرار أميركا منع إيران من تصديره.
روسيا لن تدخل في حرب مع ترامب. الصين ليست في وارد المواجهة هي الأخرى وتسعى إلى التوصل إلى اتفاق تجاري مع تلك الإدارة.
إيران وحيدة وضعيفة. الأوروبيون لم يستطيعوا حتى إسعافها في موضوع التبادل التجاري وإيجاد بدائل مواربة للتهرب من المنظومة المالية الأميركية.
نعم إيران وحيدة وضعيفة. لها أن تطلق الشعارات ما شاءت وأن تتغنى بعظمة قوتها العسكرية ما شاءت ولكن تلك الشعارات لن تلقى ترجمة على أرض الواقع، بل ستكشف ضعف تلك المنظومة العسكرية التي تتكل حصرا على الإرهاب. إذن العودة إلى ممارسة الإرهاب؟ والهجوم على مصالح أميركا وحلفائها؟ ألن تعتبره إدارة ترامب آنذاك بمثابة إعلان حرب؟ ألن يعطي الإيراني ذريعة لتلك الإدارة بضرب طهران؟
إيران وحيدة وضعيفة ولا تملك إلا خيارين. الأول هو انتظار نتائج الانتخابات الأميركية علها تأتي بديمقراطي يعيد الأمل والعمل ببنود الاتفاق النووي، ويزيل العقوبات عنها. وهو أمل ضعيف نظرا إلى أن كل الإشارات والدلائل والأرقام الآتية من بلاد العم سام تشير إلى إعادة انتخاب ترامب لولاية ثانية.
أما الخيار الآخر فهو الخضوع لشروط إدارة ترامب، والتفاوض معها.
أي شيء آخر هو انتحار، قد تكون تبعاته جيدة للمنطقة على المدى المتوسط والطويل.