لماذا يرفض ترمب وفاقًا مع إيران؟

تدل جميع المؤشرات على عدم استعداد طهران أو واشنطن للتراجع
* نشرت وكالة أنباء «فارس»، فيديو تهديدياً لعاصمتي السعودية والإمارات بشن هجمات صاروخية. مع تعليق صوتي للمرشد معلنًا عن «عقاب شديد في الطريق».
* وقد جددت إدارة ترمب تعهدها باحتواء إيران عن طريق الضغوط الاقتصادية، في حين يتطلع آيات الله إلى الانتخابات الرئاسية الأميركية المقبلة
 

واشنطن: بينما سعت إدارة أوباما إلى التوافق مع إيران اعتقادًا منها بأن حكومة إيران عقلانية ويمكن ردعها، فضَلت إدارة ترمب مسار احتواء يعتمد على رؤية أشد قتامة للقيادة الإيرانية. ومن المدرستين الفكريتين الكامنتين خلف هاتين السياستين المختلفتين، اتضح ضعف الأولى.
 
 
الخلاف حول نوايا إيران
أحيانًا ما يدفع الغربيون المناصرون للتوافق مع إيران، على الرغم من أنهم نادرًا ما يذكرون التطمينات الإيرانية بأن الجمهورية الإسلامية لا تسعى إلى الحصول على سلاح نووي، بأن هذا الطموح يمكن احتواؤه عن طريق مفاوضات دبلوماسية. ولا تسعى إيران، وفق هذا السرد، سوى إلى «بسط نفوذها» بطرق عقلانية. علاوة على ذلك، قالوا: إن الدولة إذا حصلت في نهاية الأمر على سلاح نووي، سوف ينطبق عليها منطق الردع ذاته الذي منع وقوع تراشق نووي في أثناء الحرب الباردة. ووفقًا لما ورد في تقرير للاستخبارات الوطنية الأميركية عام 2007. ظل النظام الإيراني «غير انتحاري بوضوح» و«اتبع نهج حساب التكلفة والفائدة».
أما معارضو هذا الرأي فقد دفعوا بأنه من جوانب أساسية، لا ينطبق نموذج الردع المتبادل في الحرب البادرة على حقائق الشرق الأوسط. اتسمت الحرب الباردة بوجود قوتين عسكريتين على درجة عالية من الاحتراف تمتلكان قدرات شاملة غير نووية، وترسانات نووية كبيرة ذات إمكانيات أكيدة على توجيه ضربة ثانية، وخطوط اتصال ممتازة في الداخل ومع بعضها الآخر. إذا توفرت لإيران ظروف نووية، لن تنطبق عليها أي من تلك الأوضاع. على الأرجح سوف يؤدي حصول إيران على سلاح نووي إلى انتشار برامج نووية جديدة في عدة بلدان شرق أوسطية. وفي شرق أوسط متعدد البرامج النووية، سوف تكون أغلب الترسانات النووية صغيرة نسبيًا ودون قدرة أكيدة على توجيه ضربة ثانية، في حين سوف تظل أغلب القدرات التقليدية ضعيفة نسبيًا. يمكن أن يجعل ذلك من السلاح النووي أول خط دفاعي، بدلاً من أن يكون آخر خط، وسوف يزيد الضغط على جيوش الشرق أوسط من أجل «استخدامه أو تركه». كذلك أحيانا ما يتسم نظام صناعة القرار الإيراني بالغموض – حتى بالنسبة للإيرانيين – في حين يجد القادة في الرياض وأبوظبي وتل أبيب أسبابًا كثيرة لكي تساورهم شكوك عميقة في النوايا الإيرانية. وأمام هذه الخلفية، من السهل أن نتخيل وقوع تراشق نووي محدود، قد يؤدي إلى خسارة حياة الملايين نتيجة سوء اتصال محض.
بالإضافة إلى ذلك، دعا خطاب كبار المسؤولين الإيرانيين إلى التشكيك في بعض الافتراضات من عصر الحرب الباردة بشأن الردع النووي. على سبيل المثال، أصدرت أعلى مستويات القيادة الإيرانية تصريحات يبدو أنها تنافي منطق اعتبار «التدمير المتبادل المؤكد» وسيلة للردع. ففي عام 2001. أعلن آية الله رفسنجاني في تصريح شهير أن ضربة نووية ضد إيران «سوف تضر بالعالم الإسلامي فحسب»، ولكن ضربة نووية ضد إسرائيل «سوف تدمر كل شيء».


 
دور التوسع والعسكرة الإيرانيين
يدل هذا الخطاب، إلى جانب سياسات إيران التلصصية في الشرق الأوسط وما وراءه، عن قوة عدوانية لا يسهُل ردعها.
لننظر إلى وضع إيران في المنطقة منذ عام 2012. عندما بدأت تدخلها العسكري في سوريا والذي يتصاعد منذ ذلك الحين. سمحت إعادة هيكلة الجيش السوري بقيادة الحرس الثوري الجمهوري الإيراني، بالإضافة إلى تحول القوة في سوريا إلى شبكة واسعة من الميليشيات الطائفية التي تدعمها إيران، لنظام الأسد بإعادة الاستحواذ على مساحات شاسعة من الأراضي مرتكبًا في أثناء ذلك مجازر كثيرة. وفي عام 2016. أعلن قائد الجيش الإيراني الميجور جنرال محمد باقري عن استعداد إيران لإرسال مئات الآلاف من قوات الباسيج للقتال في سوريا.
وبينما تدخل الحرب في سوريا مرحلة التهدئة، لا يبدو سلوك القوات الموالية لإيران بعيدًا عن الاستعمار. في المناطق التي أعيدت السيطرة عليها، تقدم إيران للسوريين نقودًا وغذاءً وبطاقات هوية إيرانية وخدمات عامة وتعليما مجانيا: «والهدف هو إعادة إقامة الإمبراطورية الفارسية»، على حد قول منير الخلف، عضو مجلس مدينة الرقة. وأفادت تقارير بأن القوات الإيرانية وصل بها الأمر إلى تشجيع السكان المحليين على اعتناق المذهب الشيعي. وقد صرح أحد السكان بأنه «من الممكن أن تجد في كل عائلة فردًا أو اثنين قد اعتنقا المذهب الشيعي»، وأضاف: «يقولون إنهم يفعلون ذلك ليتمكنوا من العثور على عمل، أو يصبحوا شيعة لكي يتمكنوا من الحركة دون أن يضايقهم أحد».
في العراق، تولى الحرس الثوري الإيراني عملية مشابهة منذ عام 2014. بعد أن هدد «داعش» بالاستيلاء على النجف وكربلاء، اضطلع فيلق القدس بجهد هائل لاختيار ميليشيات شيعية ترغب في الخدمة كعملاء. تتضمن تلك الميليشيات حركة النجباء – التي صرح زعيمها علانية باستعداده للإطاحة بالحكومة العراقية إذا أمر المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي بذلك – وعصائب أهل الحق، التي أصبح زعيمها قيس الخزعلي عضوًا بارزًا في البرلمان العراقي في الوقت الحالي.
في الوقت ذاته، في الشهور التسعة الأخيرة، أجرت وزارة الدفاع الإيرانية تجارب على خمسة أنواع جديدة على الأقل من الصواريخ الباليستية التكتيكية متوسطة وقصيرة المدى بالإضافة إلى صواريخ كروز. بدأت ذلك في أغسطس (آب) عام 2018، عندما تم الكشف عن صاروخي فكور وفاتح مبين، وواصلت تجارب صاروخ دزفول الباليستي في فبراير (شباط). يبلغ مدى كل من هذه الصواريخ ما يزيد على 600 ميل، مما يضع أغلب مناطق الخليج داخل نطاقها. ووفقًا للجنرال أمير علي حاجي زاده قائد البرنامج الجوفضائي في الحرس الثوري، يخطط الحرس الثوري الإيراني «لتنفيذ أكثر من 50 تجربة صاروخية كل عام».
ربما يمكن استخلاص السبب وراء هذه التجارب من وكالة أنباء «فارس» الإيرانية شبه الرسمية، التي نشرت فيديو تهديديا لعاصمتي السعودية والإمارات بشن هجمات صاروخية. ويصاحبه تعليق صوتي للمرشد الأعلى معلنًا عن: «عقاب شديد في الطريق». كذلك هدد مسؤولون رفيعو المستوى في النظام بغلق مضيق هرمز، وهو شريان اقتصادي لمنطقة مجلس التعاون الخليجي كلها.

 
تحول إدارة ترمب إلى الاحتواء
كانت إدارة ترمب، بطبيعتها وآيديولوجيتها، تميل إلى تبني رؤية قاتمة لكل من القيادة الإيرانية وتقييم الرئيس أوباما المتفائل لقدرة خطة العمل الشاملة المشتركة على منع إيران من الحصول على السلاح النووي. أشار وزير الخارجية بومبيو إلى أن الاتفاق «فشل في وضع حد لمطامع الدولة النووية» وبدلاً من ذلك «عزز الثروات الاقتصادية لنظام يظل عازمًا على تصدير ثورته إلى الخارج وفرضها في الداخل». وندد الرئيس ترمب نفسه في تصريحات شهيرة ومتكررة بالاتفاق، واصفًا إياه بـ«أحد أسوأ الصفقات التي أبرمتها الولايات المتحدة وأكثرها تحيزًا على الإطلاق».
لذلك على مدار الشهور الكثيرة الماضية، أعلنت إدارة ترمب عن سلسلة من المبادرات المخصصة لزيادة الضغوط الممارسة على الجمهورية الإسلامية. وبدأت تلك المبادرات بالانسحاب من خطة العمل الشاملة المشتركة في مايو (أيار) عام 2018، واستمرت بعدة مجموعات من العقوبات المفروضة على شخصيات بارزة في النظام، ووصلت إلى ذروتها هذا الأسبوع بقرار الإدارة بعدم تجديد إعفاءات العقوبات التي يحصل عليها حلفاء أميركيون رئيسيون، وبإعلان الحرس الثوري تنظيمًا إرهابيًا. إن الهدف من هذه الإجراءات هو وصول صادرات النفط الإيراني إلى صفر، وإفلاس العناصر الرئيسية في النظام. بالإضافة إلى ذلك، أفادت تقارير بأن مستشار الأمن القومي الأميركي جون بولتون طلب من البنتاغون تطوير خيارات عسكرية لشن ضربة ضد منشآت نووية إيرانية.
تدل جميع المؤشرات على عدم استعداد طهران أو واشنطن للتراجع. وقد جددت إدارة ترمب تعهدها باحتواء إيران عن طريق الضغوط الاقتصادية، في حين يتطلع آيات الله إلى الانتخابات الرئاسية الأميركية المقبلة في 2020 ويأملون في اجتياز العاصفة بأمان.


اشترك في النقاش