وليد جنبلاط إلى أين؟

* المشكلة ليست في جنبلاط حصراً، إنما في شعب ما زال يأمل أن يأتيه الخلاص من زعماء الطوائف اللبنانية أو كما دأبت الحال من الخارج

 
لا شك أن زعيم الدروز وليد بك جنبلاط هو سياسي غير تقليدي. شخصيته بحد ذاتها غريبة الأطوار، ربما لأنها تجتمع فيها تناقضات شتى. فهو ابن سلالة إقطاعية، رأسمالي كبير ولكنه بنفس الوقت زعيم حزب اشتراكي، وعضو في الاشتراكية العالمية. أمير من أمراء حرب تدمير لبنان، وشريك الرئيس رفيق الحريري في إعادة إعماره.
يفاجئك بتكيفه مع الأدوار الذي يلعبها. فتراه صباحا يتكلم بفوقية مزعجة بعض الشيء مع مناصريه من الذين يقصدون دارته في نهاية الأسبوع للقائه طلبا لخدمة ما، وفي المساء يناقش الكاتب البيروفي ماريو فارغاس لوسا عن العالم وأوضاعه.
متقلب المزاج، ما ينعكس على مواقفه السياسية غالبا. ما قاله عن الرئيس السوري هجاءً في احتفاليات 14 آذار يكاد يجعل صورة اجتماعه معه بعدها في قصر المهاجرين سيرياليا.
يملك حسا جيدا من الفكاهة، ولا يهاب السخرية الذاتية. يطلق العنان لتصريحاته اللاذعة دون التفكير لوقعها السيئ على هشاشة الوضع اللبناني، وسرعان ما يتراجع أو يعتذر عنها.
يعتقد الناس، عن خطأ طبعا، أنه يمتلك قدرة قراءة المستقبل وتوقع الأحداث التي ستقع. ولهذا مع كل مرة من تقلباته في المواقف يبدأ الناس في الذهاب بعيدا في الحماسة ليكتشفوا أن لا شيء يعلو على مصلحة وليد جنبلاط الشخصية والتي تمر بها حكما مصلحة طائفته.
وهذا لا يجب أن يبدو غريبا في بلد تقوم فيه السياسة أصلا على الطائفية. جنبلاط ليس الزعيم الطائفي الوحيد في البلد. الطائفة هي نقطة انطلاق أي زعيم لبناني يعمل في السياسة. حاول سعد الحريري أن يكون عابرا للطوائف في أولى سنين ثورة الأرز ونجح لفترة ثم عاد وتقوقع سنيا، ليس لأنه أراد هذا التقوقع إنما لأن النظام المذهبي اللبناني هزمه.
عندما سأله ديك تشيني نائب الرئيس بوش والذي كان ذا فعالية كبيرة في تلك الإدارة عندما زاره في أعقاب التحرك الشعبي الذي تلا اغتيال الرئيس الحريري، كيف يمكن للولايات المتحدة مساعدة لبنان، حدث جنبلاط سائله عن القضية الفلسطينية، وربط مصير المنطقة والاستقرار فيها بحل تلك القضية. انتهى الاجتماع بأقل من 15 دقيقة، أي أقل من الدقائق الثلاثين المخصصة لها. فهل بدأ من يومها الأميركيون يفقدون الحماسة بثورة الأرز؟
أحبط اللبنانيون المناهضون لجبهة الممانعة والحالمون بالسيادة والحرية والاستقلال، يوم قرر الانفصال عن مجموعة 14 آذار، بعد أحداث 7 أيار التي افتعلها هو نفسه عندما حض الحكومة اللبنانية على اتخاذ قرارين لا تملك آليات تنفيذها، إن كان في إقالة ضابط قريب من «حزب الله» من أمن المطار اللبناني أو في مصادرة خطوط الاتصالات الخاصة بـ«حزب الله».
بعد تلك الأحداث قرر الذهاب إلى ضفة النهر بانتظار مرور جثث أعدائه.
لم تمر جثث الأعداء، لم تسقط «سوريا الأسد». لم يحدث انهيار لإيران. سئم الانتظار، ترك ضفة النهر وقام بانتخاب حليف سوريا و«حزب الله» رئيسا للجمهورية.
ثم قال تبريرا: دعونا ننظم الخلاف. كيف؟ نفصل بين ما هو داخلي، يومي ويمكن التوافق عليه، ونغض النظر عما هو خارجي في طبيعة أعمال «حزب الله» والتي نختلف عليها.
طبعا في هذا استحالة لأن لبنان كدولة وكموقع جغرافي ملاصق لسوريا وإسرائيل هو جزء أساسي من استراتيجية إيران، بمعنى أن ما هو داخلي وله تأثير على الاستراتيجية العامة لا يمكن أن يمر لا بالتصويت ولا بالتوافق إنما بما تمليه إيران على السياسيين اللبنانيين عبر «حزب الله»، ففي أكثر من محطة داخلية فرض «حزب الله» مشيئته على اللبنانيين:
المحطة الأولى كانت في إعلان «حزب الله» عون رئيسا أو لا رئيس للبنان، ثم في فرض قانون انتخابي عجيب يعرف الحزب مسبقا أنه سيأتي بأكبر عدد من حلفائه من الطوائف غير الشيعية ويعطيه سيطرة كاملة على مجلس النواب، وأخيرا وليس آخرا في تأليف حكومة أصر على تمثيل حلفائه من الطوائف الأخرى.
هكذا طبق تنظيم الخلاف. بشكل يناسب «حزب الله» وحده.
اكتشف وليد جنبلاط أن أقصى ما يستطيع فعله هو التعبير عن سخطه حيال بعض الأمور السياسية التي لا يوافق عليها من خلال تغريدة مرفقة غالبا بصورة ما. وغالبا أيضا ما يتراجع ويحذف تغريدة أزعجت تنظيم الخلاف.
قبل أيام آثار جنبلاط زوبعة حول تصريحه عن عدم لبنانية مزارع شبعا. قامت الدنيا ولم تقعد. بعض السياسيين ذهبوا بعيدا في المطالبة بتجريده من حقوقه المدنية حتى بلغ الظن أن الأمم المتحدة أو الأميركيين أو حتى الإسرائيليين سيأخذون بهذا التصريح ويبنون عليه خطواتهم اللاحقة.
المؤسف أن بعض اللبنانيين ظنوا في تصريح جنبلاط التفافة أخرى في اتجاه ما تبقى من 14 آذار، وهللوا لموقفه، واستخلصوا بما أن اعتقادهم يبقى أن جنبلاط قارئ جيد للتطورات القادمة وأن موقفه نابع من تلك الأشياء التي وحده يسمعها من قبل المسؤولين الغربيين الذي يلتقيهم، أن النظام في إيران سينهار وبالتالي فإن نهاية «حزب الله» دنت.
اللبنانيون معذورون، أوضاعهم ساءت على كل المستويات لدرجة أنهم بدأوا يتعلقون بأوهام.
قريبا سيكتشفون أن فورة جنبلاط لم تكن لها علاقة لا بالسيادة ولا بالاستقلال. لم يلتقط إشارات كما يحلو للبعض أن يعتقد، إنما هذا التصريح يتعلق بمصلحة خاصة تعنيه، وامتداداً تعني طائفته بما أنه زعيمها، فما يصيبه يصيبها.
المشكلة ليست بجنبلاط حصرا، إنما في شعب ما زال يأمل أن يأتيه الخلاص من زعماء الطوائف اللبنانية أو كما دأبت الحال من الخارج.