روسيا وأوكرانيا بعد فوز زيلينسكي... مناوشات سياسية أم تحولات جذرية؟

يواجه الرئيس الأوكراني المنتخب جملة من التحديات الداخلية والخارجية
* سجل أوكرانيا في مجال حقوق الإنسان ليس أكثر تقدماً من السجل الروسي، بل ربما يشهد الواقع الأوكراني كثيراً من التراجع وليست الانتخابات الرئاسية الأخيرة مؤشراً قاطعاً على ما حاول الرئيس المنتخب تصديره للعالم بأن هناك ديمقراطية حقيقية في بلاده
* فوز زيلينسكي لم يكن مفاجئاً للمتابعين، فقد رجحت الاستطلاعات تحقيقه انتصاراً كبيراً على منافسه، حيث عكس تبدل مزاج الشارع الأوكراني بشكل جذري ضد أقطاب السلطة السابقة والمرشحين التقليديين الذي انتموا عادة إلى طبقة رجال المال والأعمال
* جاء المرسوم الروسي بمنح الجنسية للمواطنين الأوكرانيين كبالونة اختبار للكشف عن إدارة الرئيس القادم لهذا الملف، وهو ما أوجب على الأخير اتخاذ موقف واضح بشأن هذا القرار الذي يمس سيادة بلاده

كييف: مع إسدال الانتخابات الرئاسية الأوكرانية ستارها في أبريل (نيسان) 2019. بفوز الممثل الكوميدي المعروف، البعيد عن السياسة، فلاديمير زيلينسكي، على منافسه الرئيس المنتهية ولايته بيترو بوروشينكو، تصدر ملف العلاقات الروسية الأوكرانية جدول أعمال الرئيس الجديد، ويرجع ذلك ليس فقط إلى حجم التوتر المخيم على علاقات البلدين منذ عام 2014. وإنما أضيف إليه عامل جديد يتعلق بالقرار الذي وقعه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، بعد ثلاثة أيام فقط من إعلان الفوز، والذي يقضي بمنح تسهيلات لمواطني الشرق الأوكراني (سكان جمهوريتي دونيتسك ولوغانسك) للحصول على الجنسية الروسية، وهو ما يعد خطوة استباقية أراد بوتين أن يختبر بها توجهات القادم الجديد إلى الرئاسة الأوكرانية. صحيح أن زيلينسكي كان قد أعلن ضمن برنامجه الانتخابي البحث عن حلول لأزمة الشرق الأوكراني، وهو ما أعطى إشارات لموسكو بأن موقفه سيكون أقل حدة من موقف سلفه، إلا أن موسكو أرادت أن لا تنتظر موعد تسلم السلطة في يونيو (حزيران) القادم (2019) واتخذت هذا القرار، وهو ما يثير مجموعة من التساؤلات حول الدوافع الروسية للإقدام على مثل هذه الخطوة؟ وما هي ردود فعل الرئيس الجديد عليها؟ وتأثيرات هذه الخطوة على مستقبل العلاقات الروسية الأوكرانية؟
ويجدر بنا قبل الإجابة على هذه التساؤلات، تسجيل ملاحظتين مهمتين:
الأولى: أن قرار روسيا بتسهيلات منح الجنسية للمواطنين الأوكرانيين لم يكن خطوة مفاجئة بقدر ما كان استكمالا لخطوة سابقة اتخذتها موسكو بصدور مرسوم رئاسي في فبراير (شباط) 2017 بالاعتراف بجوازات السفر الصادرة عن الجمهوريتين الأوكرانيتين.
الثانية: الموقف الأوكراني من المواطنين الأوكرانيين المقيمين في روسيا، إذ تم حرمان ما يزيد على مليونين من الأوكرانيين المقيمين في روسيا من الإدلاء بأصواتهم في الانتخابات الرئاسية الأخيرة. صحيح أن كييف طالبتهم بالإدلاء بأصواتهم في فنلندا أو كازاخستان، إلا أنه من الصحيح كذلك أن هذا المطلب من الصعب تحقيقه في ضوء الحاجة إلى انتقال جميع المواطنين خارج روسيا للإدلاء بأصواتهم، الأمر الذي تم توظيفه من جانب موسكو في منحهم الجنسية دون إسقاط جنسيتهم الأوكرانية، إذ إن حرمانهم من هذا التصويت والمشاركة يعطيهم إحساسا بضعف الانتماء الوطنى الذي أمكن لروسيا توظيفه لصالحها.
 
في ضوء ما سبق، يستعرض هذا التقرير القرار الروسي بمنح الجنسية للمواطنين الأوكرانيين وتأثيرات ذلك على مستقبل علاقات البلدين من خلال ثلاثة محاور على النحو الآتي:
 
أولا: الجنسية الروسية منحة إنسانية أم حيلة سياسية؟
اتخذ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قرارين يتعلقان بمنح الجنسية الروسية لعدد من مواطني بعض الدول، بدأها بتوقيع مرسوم في أواخر أبريل (نيسان) 2019 يقضي بتسهيل منح الجنسية الروسية في مدة لا تتجاوز ثلاثة أشهر من تاريخ تقديم الوثائق، لكل من:

  • المواطنين الأوكرانيين أو غير الحاملين لجنسية أي بلد، من المولودين وكانوا يقيمون بشكل دائم في شبه جزيرة القرم ومدينة سيفاستوبول وغادروا هذه الأراضي قبل 18 مارس (آذار) 2014.
  • المواطنين الأوكرانيين، المقيمين في روسيا، رفقة عائلاتهم.
  • سكان شبه جزيرة القرم الأصليين، الحاصلين منهم على جنسية بلد آخر أو غير الحاصلين عليها، ومن يملك منهم، أقارب من الدرجة الأولى، حاصلين على الجنسية الروسية.

وقد اعقب ذلك صدور مرسوم آخر في الأول من مايو (أيار) 2019 يقضي بمنح الجنسية الروسية لكل مواطني سوريا والعراق واليمن وأفغانستان المولودين على الأراضي الروسية، وأطفالهم، بمن فيهم بالتبني وأزواجهم وآباؤهم.
وفي هذا الصدد، يثار التساؤل حول الدوافع والمبررات الروسية للإقدام على هذه الخطوات في التوسع في منح الجنسية لمواطني كل هذه الدول، إذ عادة ما تتوسع الدولة في منح جنسيتها لمواطني دول أخرى في حالة ضعف كثافتها السكانية وتحتاج إلى قوة بشرية، وهو ما لا ينطبق على الدولة الروسية البالغ عدد سكانها ما يقرب من 144.5 مليون نسمة طبقا لتقديرات عام 2017. ومن ثم، تبرز عوامل أخرى دفعت روسيا للإقدام على منح الجنسية في هذا التوقيت، وهي عوامل تجمع بين الأبعاد الإنسانية في ظل ما يعانيه هؤلاء المقيمون على أراضيها من مشكلات سياسية واجتماعية واقتصادية كونهم ليسوا مواطنين، والأبعاد الأمنية تتعلق بتأثيرات وجود هؤلاء على أراضيها دون أن تكون لهم حقوق قد تدفعهم ظروفهم إما إلى الانغماس في عالم الجريمة أو عالم الإرهاب.
وعليه، يمكن تفهم القرار الروسي بمنح الجنسية لهؤلاء المقيمين على أراضيها من مواطني الدول العربية وأفغانستان والمولودين على أراضيها في ظل ما تعانيه هذه الدول من مآسٍ إنسانية بسبب الحروب الطاحنة التي تجري فيها، وأن منح الجنسية الروسية إلى جانب الاحتفاظ بجنسية بلادهم يمنح هؤلاء المواطنين حرية الحركة والتمتع بالخدمات والمساعدات الاجتماعية فضلا عن حصولهم على رواتب تسهل من شؤون حياتهم في ظل صعوبة عودتهم إلى أوطانهم في الوقت الراهن.
ولكن يظل التساؤل بشأن منح الجنسية الروسية للمواطنين الأوكرانيين في ظل احتدام الصراع بين البلدين خاصة بعد قرار ضم جزيرة القرم إلى روسيا عقب الاستفتاء الشعبي الذي مهد لقرار الضم. صحيح أن قرار منح الجنسية قد يحمل في طياته أبعادا إنسانية، خاصة لمن لا يحمل جنسية أي بلد آخر أو ما يمكن أن نطلق عليهم «عديمي الجنسية» الذين يواجهون أوضاعا وظروفا في غاية السوء في ظل حرمانهم من كافة حقوقهم السياسية والاجتماعية والاقتصادية كما أشار إلى ذلك الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، بقوله: «إنه لا رغبة لدينا في خلق أي مشاكل للسلطة الجديدة في أوكرانيا. لكن لا يمكننا التسامح مع حرمان الناس المقيمين في أراضي جمهوريتي دونيتسك ولوغانسك من كل الحقوق المدنية، وهذا الوضع تجاوز لكل الحدود، من حيث مسألة حقوق الإنسان... وأن المقيمين في هاتين المنطقتين لا يمكنهم التنقل بصورة طبيعية، ولا يستطيعون القيام بأبسط حقوقهم ومستلزماتهم... وأن هذا الأمر من المجدي القيام به انطلاقا من الدوافع الأخلاقية والسياسية وحتى الاقتصادية»، أخذا في الحسبان أن قرار منح الجنسية لا يعني إرغام هؤلاء المواطنين على ذلك وإنما الأمر محض إرادتهم كما أشار إلى ذلك مندوب روسيا الدائم لدى الأمم المتحدة فاسيلي نيبينزيا إلى ذلك بقوله: «نحن لا نجعلهم مواطنين روساً قسراً، وهم يسعون إلى ذلك بأنفسهم. ونحن فقط نتيح لهم هذه الإمكانية ونقوم بتسهيل هذه العملية... وأن منح الجنسية الروسية لا يعني إسقاط الجنسية الأوكرانية عن هؤلاء».
ولكن هذا القرار المتعلق بمنح الجنسية للمواطنين الأوكرانيين يحمل في طياته إلى جانب البعد الإنساني، أبعادا سياسية تتعلق بأمرين: 
الأول، أن هؤلاء المواطنين سواء من يقيمون في روسيا أو في الجمهوريات التي أعلنت استقلالها في الشرق الأوكراني لم يكونوا محرومين من ممارسة حياتهم السياسية والاجتماعية، خاصة في ظل الاعتراف الروسي بجوازات السفر الصادرة لمواطني هاتين الجمهوريتين، ومن ثم فالدافع الروسي وراء قرار منح الجنسية هو ممارسة المزيد من الضغوط على أوكرانيا لكسب مزيد من الولاءات الشعبية مع الموقف الروسي ضد الموقف الحكومي الأوكراني الأكثر ميلا للغرب. 
أما الأمر الثاني، فيتعلق بتوقيت اتخاذ القرار، حيث جاء بعد ثلاثة أيام من إعلان نتيجة الانتخابات الرئاسية التي جاءت برئيس جديد من خارج دائرة السلطة الأوكرانية، وهو ما يجعل القرار الروسي كما سبقت الإشارة بمثابة بالونة اختبار للنظر في كيفية إدارة القادم الجديد لملف أزمة بلاده مع الجار الروسي الذي تمر علاقاتهما بأعقد مراحلها وأكثرها توترا.
 




زيلينسكي


 
ثانيا: الجنسية الروسية ورد الفعل الأوكراني
في حملته الدعائية وضمن وعوده الانتخابية، أعلن زيلينسكي إعادة إحياء المحادثات مع المنطقتين اللتين أعلنتا استقلالهما عام 2014، حيث جاء في بيان تم توزيعه أنه: «آمل أن تقدم روسيا دليلا على انفتاحها على وقف التصعيد خلال اجتماع نورماندي القادم... وأود أن أقول مرة أخرى إنني مستعد للمفاوضات... إننا مستعدون لبحث الشروط الجديدة التي من شأنها تمكين أوكرانيا وروسيا من العيش سويا»، محددا موقفه بوضوح بأن مطالبه من موسكو ليس الانسحاب من الشرق الأوكراني أو التراجع عن قرار ضم شبه جزيرة القرم، بل أولاً إطلاق سراح السجناء الأوكرانيين الذين تتهمهم موسكو بارتكاب أعمال تخريبية ضدها في القرم وفي الشرق، وثانياً العودة إلى الحوار لتثبيت قرار وقف النار في الشرق، والالتزام باتفاقات مينسك للتهدئة. إذ يذكر أنه في 12 فبراير (شباط) 2015. توصل قادة أوكرانيا وألمانيا وفرنسا وروسيا إلى اتفاق في عاصمة بيلاروسيا (مينسك)، يقضي بوقف إطلاق النار شرقي أوكرانيا، بين القوات الحكومية والانفصاليين الموالين لموسكو، وإقامة منطقة عازلة، وعُرف فيما بعد بـ«اتفاق مينسك 2»، ويعد تطويرا لـ«اتفاق مينسك 1» الذي وقعه ممثلو الحكومة الأوكرانية والانفصاليون، برعاية روسيا ومنظمة الأمن والتعاون بأوروبا في 20 سبتمبر (أيلول) 2014.
ولكن، جاء المرسوم الروسي بمنح الجنسية للمواطنين الأوكرانيين كما سبقت الإشارة كبالونة اختبار للكشف عن إدارة الرئيس القادم لهذا الملف، وهو ما أوجب على الأخير اتخاذ موقف واضح بشأن هذا القرار الذي يمس سيادة بلاده، وهو ما سارع بالتعبير عنه الرئيس المنتخب زيلينسكي عبر تدوينة على «فيسبوك» جاء فيه: «إن الحصول على الجنسية الروسية يعني الحق في التوقيف من أجل التظاهر السلمي والحق في أن لا يكون لديك حرية ولا انتخابات تنافسية... أوكرانيا مختلفة، على الأخص فيما يتعلق بحقيقة أننا كأوكرانيين لدينا حرية تعبير في بلدنا وإعلام حر وإنترنت... الأوكرانيون أحرار في بلد حر... أتعهد بمنح الجنسية لممثلي جميع الدول التي ترزح تحت نير الأنظمة الاستبدادية والفاسدة، ولكن في المقام الأول للشعب الروسي الذي يعاني أكثر من غيره»، وقد أدان هذه الخطوة المكتب الصحافي للرئيس المنتخب في بيانه معتبرا أن القرار بمثابة: «تأكيد واضح جديد للعالم لدور المعتدي الذي تقوم به روسيا، التي تخوض حرباً ضد أوكرانيا»، وهو الموقف الذي أيده الغرب والولايات المتحدة، إذ أدانته واشنطن واعتبرته خطوة «تقوض أسس اتفاق مينسك»، فيما انتقده الاتحاد الأوروبي واعتبره «يقوض سيادة أوكرانيا».
والحقيقة أن ردود الفعل سواء الأوكرانية التي عبر عنها الرئيس المنتخب، أو الغربية، لم تمثل دحضا للمبررات الروسية السابق الإشارة إليها، ولذا جاء الموقف الروسي معقبا على هذه الردود بشكل أكثر حدة كما عبر عن ذلك الرئيس فلاديمير بوتين بقوله: «... على صعيد الحريات، لا بد من البدء أولا بحماية حقوق الجورجيين على سبيل المثال، أو الجورجيين السابقين، لا روسيا ولا الروس. من الأجدى إعادة الجواز الأوكراني لشخص كان جورجيّا، والآن يعتبر نفسه أوكرانيا، وأعني هنا ميخائيل ساكاشفيلي الذي سحبت منه الجنسية الأوكرانية بصورة لا شرعية وطرد من أوكرانيا. من الأجدى إعادته، وإعادة حقوقه المهضومة، كحقوق الكثير من الأوكرانيين الذين اضطروا للرحيل عن أوكرانيا إلى أرض الميعاد هربا من ملاحقة النظام الأوكراني الحالي لهم».
وغني عن القول إن قضية الحقوق والحريات التي أقحمها الرئيس الأوكراني المنتخب في مثل هذا الجدل لا يمكن أن تمثل ردا عمليا على القرار الروسي، إذ إن سجل أوكرانيا في هذا المجال، بلا شك، ليس أكثر تقدما من السجل الروسي، بل ربما يشهد الواقع الأوكراني كثيرا من التراجع وليست الانتخابات الرئاسية الأخيرة مؤشرا قاطعا على ما حاول الرئيس المنتخب تصديره للعالم بأن هناك ديمقراطية حقيقية في بلاده، إذ إن فوز زيلينسكي لم يكن مفاجئاً للمتابعين، فقد رجحت الاستطلاعات تحقيقه انتصاراً كبيراً على منافسه، حيث عكس تبدل مزاج الشارع الأوكراني بشكل جذري ضد أقطاب السلطة السابقة والمرشحين التقليديين الذي انتموا عادة إلى طبقة رجال المال والأعمال.

 




تجمع للأوكرانيين  أمام سفارة الاتحاد الروسي في وارسو للاحتجاج بعد أن استولت روسيا على ثلاث سفن بحرية أوكرانية راسية في ميناء في كيرش


 
ثالثاً: روسيا وأوكرانيا... المستقبل لا يزال غامضاً
«ما دمتُ لستُ رئيساً رسمياً بعد، يمكنني أن أقول كمواطن أوكراني لجميع بلدان الاتحاد السوفياتي: انظروا إلينا - كل شيء ممكن»، هذه المقولة التي أطلقها الرئيس المنتخب زيلينسكي عقب فوزه مباشرة تحمل في طياتها مؤشرين مهمين: 
الأول، الغموض الذي تتسم به شخصيته، إذ لا يمكن التكهن بتوجهاته، إلا من خلال توقعات قد تصيب حيناً وتخطئ أحياناً، خاصة أنه لم يكن له دور سياسي من قبل. 
أما المؤشر الثاني فيكشف عن إمكانية قلب المعادلات القائمة في علاقات أوكرانيا وإدارة ملفاتها الخارجية، حيث تظل كافة الاحتمالات ممكنة؛ فربما تشهد علاقاتها مع الجوار الروسي تحولا جذريا في الملفات الشائكة بينهما. وربما كذلك تشهد علاقاتها تباعدا مع هذا الجار والاقتراب أكثر مع الغرب.
وعليه، يصبح مستقبل العلاقات الروسية الأوكرانية مرهونا بحجم التغيرات والتحولات التي يمكن أن يجريها الرئيس المنتخب في الملفات الشائكة بينهما، بدءا من الموقف في الشرق الأوكراني وجزيرة القرم مرورا بأزمة بحر أزوف والتي تشهد بين الحين والآخر توترات كان آخرها في نوفمبر (تشرين الثاني) 2018، وصولا إلى قرار منح الجنسية الروسية للمواطنين الأوكرانيين. وإذا كان صحيحا أن بعض المؤشرات خاصة من الجانب الروسي تعكس الرغبة في التوجه للحلول السياسية كما عبر عن ذلك نائب وزير الخارجية الروسي غريغوري كاراسين بقوله: «فوز زيلينسكي في الانتخابات الرئاسية الأوكرانية يظهر أن الأوكرانيين صوتوا من أجل التغيير». كما جاءت تصريحات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لتؤكد على هذا المنحى رغم أنه لم يهنئه بفوزه، ولكنه أكد استعداده للنقاش مع السلطة الجديدة في أوكرانيا، حيث جاء في كلمته بأنه: «يريد فهم موقف زيلينسكي من النزاع... وإذا اجتمعنا في مرحلة ما وبدأت المفاوضات وهو ما لا أستبعده، فسنضطر أولا وقبل كل شيء مناقشة سبل إنهاء النزاع في جنوب شرقي أوكرانيا». إلا أنه من الصحيح كذلك أن هذا التقارب يظل مرهونا بقدرة الرئيس المنتخب على إدارة ملف علاقاته مع روسيا بشقيه: 
الأول، يتعلق بقدرته على اتخاذ خطوات عملية بشأن القضايا الخلافية بين البلدين وهو ما أشار إليه المتحدث باسم الرئاسة الروسية بيسكوف، بقوله: «لا يمكن أن نقيم الأمور إلا بالأفعال الملموسة» وأكدتها بشكل أكثر تفصيلا المتحدثة الرسمية باسم الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا، بقولها: «أما فيما يتعلق بالآفاق المستقبلية للعلاقات الثنائية فإنها ستتوقف على الخطوات العملية التي ستتخذها كييف في هذا الشأن، واستعداد القيادة الأوكرانية الجديدة لتحمل مسؤولية قراراتها وتنفيذ الاتفاقات الدولية، بما فيها الاتفاقات الخاصة بتسوية الأزمة في دونباس بُناء على مجموعة الإجراءات التي تمت صياغتها في مينسك والتي وافق عليها مجلس الأمن الدولي». 
والثاني، يتعلق بقدرته على إدارة ملف علاقاته مع الغرب الذي لن يتركه مطلق اليدين، وأن أي خطوة سيقوم بها للاقتراب من موسكو ستوظف ضده، وهو ما يدركه زيلينسكي جيدا حتى قبل فوزه بالانتخابات، فكما تضمنت حملته الانتخابية دعوة لاستكمال المشاورات مع روسيا، كان هناك وعد كذلك بمواصلة العمل لتحقيق الحلم الأوكراني بالانضمام إلى الاتحاد الأوروبي ومنظمة حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وإن كان بلهجة مخففة بالمقارنة مع وعود سلفه بوروشينكو، مؤكدا أن الإقدام على هذه الخطوة يسبقه تنظيم استفتاء.
خلاصة القول: 
يواجه الرئيس الأوكراني المنتخب جملة من التحديات بعضها ورثها عن سلفه، وبعضها الآخر يستجد على الساحتين الداخلية والخارجية، وهو ما يجعل من عبء إدارته لسياسة بلاده لا تحتاج إلى قدرات تمثيلية وفنية بقدر ما تحتاج إلى قراءة صحيحة للواقع بتحدياته والنظر إلى المستقبل بطموحاته ناخبيه.
 


اشترك في النقاش