حزب نايغل فاراج الجديد على وشك تصدُّر انتخابات الاتحاد الأوروبي

هل يمكن لحزب بريكست تعطيل نظام الثنائية الحزبية البريطاني؟

* يواجه الحزبان الرئيسيان في البلاد منافسة جادة مع أحزابٍ جديدة وأصغر منهما يؤيد بعضها البقاء في الاتحاد الأوروبي ويشكك البعض الآخر بجدوى البقاء ويقود هذه الأحزاب شخصيات سياسية بارزة تحاول الاستفادة من حالة الدعم السيئة لحزب المحافظين الحاكم وحزب العمال المعارض

* وفقًا لاستطلاعين للرأي، من المحتمل أن يتخلى عدد كبير من أعضاء حزب المحافظين والناشطين عن الحزب ويصوتوا لصالح حزب بريكست

* يهدف حزب بريكست إلى تغيير السياسة والمطالبة بتمثيل أشخاص لا يمثلهم أحد في الوقت الراهن

 

لندن: ستشارك المملكة المتحدة في انتخابات البرلمان الأوروبي التي ستعقد في 23مايو (أيار) ــ أي بعد شهرين من موعد خروجها المفترض من الاتحاد الأوروبي (بريكست) ــ إلّا إذا طرحت بريطانيا للنقاش خطة جديدة لخروجها من الاتحاد الأوروبي قبل 22مايو. ويواجه الحزبان الرئيسيان في البلاد منافسة جادة مع أحزابٍ جديدة وأصغر منهما يؤيد بعضها البقاء في الاتحاد الأوروبي ويشكك البعض الآخر بجدوى البقاء ويقود هذه الأحزاب شخصيات سياسية بارزة تحاول الاستفادة من حالة الدعم السيئة لحزب المحافظين الحاكم وحزب العمال المعارض. وبحسب استطلاع لمركز «يوغوف» فإن 63في المائة من البريطانيين لا يدعمون أيا من الحزبين الرئيسيين وقد سجلت هذه النسبة انخفاضا بالمقارنة مع 80في المائة في شهر ديسمبر (كانون الأول).

وشكل 11نائبا من حزبي المحافظين والعمال حزبا جديدًا أطلقوا عليه حزب «التغيير البريطاني» المعارض لبريكست في حين أطلق الزعيم السابق لحزب استقلال المملكة المتحدة نايغل فاراج حزب بريكست ليبدأ معركة الدفاع ضد مؤسسة «خانت ثقتنا تمامًا». ووعد الحزبان الجديدان بتقديم نوعٍ جديد من السياسة؛ فبرز حزب التغيير البريطاني في حملته الانتخابية تحت شعار «السياسة متهاوية فلنغيرها» في حين كرر موقع حزب بريكست شعار «تغيير السياسة كليًّا».

ورغم أن الحزب لا يزال في بداياته سياسيا إلا أنه وبحسب استطلاع للرأي أجراه مركز يوغوف فقد احتل حزب فاراج الجديد المرتبة الأولى في الانتخابات التي ستجرى خلال الأشهر المقبلة. وتصدر حزب بريكست أعلى نسبة وهي 27في المائة، في حين حصل حزب العمال على 22في المائة وحزب المحافظين على 15في المائة. وذكرت «سكاي نيوز» أن النتائج التي توصلت إليها «ستزيد من المخاوف في داونينغ ستريت من أن المحافظين سيتلقون هزيمة ساحقة قد تعيد المطالبات باستقالة تيريزا ماي». وقالت صحيفة «الغارديان» إن نتائج الاستطلاع تدل على أن «شريحة كبيرة من الناخبين الذين دعموا المحافظين عام 2017غير راضين عن توجه الحزب في موضوع البريكست».

 

ما هو حزب بريكست وما الغرض من تأسيسه؟

تم إطلاق حزب بريكست رسميًا في 12أبريل (نيسان) بقيادة الزعيم السابق لحزب استقلال المملكة المتحدة نايغل فاراج الذي يفتخر بلقب «السيد بريكست». كان فاراج أحد أبرز شخصيات حملة الخروج وأهمها، ولذلك ليس مستغربا أنه يقود اليوم حزبا يتمحور هدفه حول قضية خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وتأسس للدفاع عنها. وقد شعر فاراج وكثير من مؤيدي بريكست أن الحكومة الحالية بقيادة حزب المحافظين قد خانت ثقتهم ويعتقدون أن تأجيلهم لعملية الخروج وتكتيكاتهم تتعارض مع إرادة الشعب. وقال أمام الحضور خلال حفل إطلاق حزبه الجديد في مدينة كوفنتري «ما شهدناه خلال الأسابيع القليلة الماضية هو الخيانة المتعمدة لأكبر ممارسة ديمقراطية في تاريخ هذه الأمة».

وأطلق فاراج حزبه بعد أن وافقت رئيسة الوزراء تيريزا ماي على تأجيل خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي إلى تاريخ 31أكتوبر (تشرين الأول) من هذا العام مع إمكانية الخروج في وقت أبكر من هذا التاريخ في حال وافق البرلمان على اتفاق الانسحاب. وكان فاراج قد وعد في وقت سابق بأنه «إذا قام النواب» بتأجيل تنفيذ بريكست «من خلال تمديد المادة 50، فمن المنطقي في هذه الحالة أن نحارب خوض انتخابات البرلمان الأوروبي وسأترشح بالتأكيد في هذه الظروف». وحذر من أنه يجب على النواب الذين يفكرون بالمضي في هذه الخطوة «أن يكونوا على دراية بأنهم قد يكونون مهددين انتخابيًا».

يتضمن حزب بريكست تسعة أعضاء من البرلمان الأوروبي ــ جميعهم منشقون عن حزب استقلال المملكة المتحدة ــ مما يجعله ثالث أكبر حزب من المملكة المتحدة في البرلمان الأوروبي يليه حزب الاستقلال. ويضم حزب بريكست مجموعة جديدة من النواب في البرلمان الأوروبي المرشحين والذين يتطلعون إلى الحصول على المزيد من المقاعد لحزبهم. وقال فاراج إن لدى الحزب «قائمة مثيرة للإعجاب» تضم 70مرشحًا للانتخابات. ومن بين الذين تم الكشف عن هويتهم أثناء إطلاق الحزب أنونزياتا ريس موغ، من حزب المحافظين، وهي شقيقة زعيم متشددي بريكست في البرلمان البريطاني جاكوب ريس موغ. ويهدف حزب بريكست إلى تغيير السياسة والمطالبة بتمثيل أشخاص لا يمثلهم أحد في الوقت الراهن. وتعهد نايغل بـ«ثورة ديمقراطية» لإحداث تغيير شامل في السياسة البريطانية، في مسيرة يبدأ فيها بانتخابات الاتحاد الأوروبي يوم 23مايو.

ويتم استغلال انتخابات البرلمان الأوروبي لإيصال الأصوات الاحتجاجية ضد الأحزاب الرئيسية إذا كانت غير شعبية. هذا، إلى جانب نظام التمثيل النسبي الذي يتم اتباعه لانتخاب أعضاء البرلمان الأوروبي ويساعد الأحزاب الصغيرة على الحصول على نتائج أفضل بكثير من التي يحصلون عليها في الانتخابات البرلمانية في المملكة المتحدة. وفاز حزب استقلال المملكة المتحدة في انتخابات البرلمان الأوروبي لعام 2014 بعدد مقاعد أكثر من أي حزب آخر ومع ذلك لم يحصل الحزب حينها على أكثر من نائبين في البرلمان البريطاني. وهذه هي المرة الأولى منذ عام 1906 التي لا يتصدر فيها المحافظون أو حزب العمال نتائج الاقتراع في انتخابات على مستوى البلاد.

وعد فاراج بأن يكون حزب بريكست «متعصبًا جدًا لكل أشكال التعصب» ويمثل الشريحة الأكبر من المجتمع البريطاني. وقال لبرنامج «اليوم» على إذاعة «بي بي سي 4»: «لا يختلف حزب بريكست عن حزب استقلال المملكة المتحدة من حيث السياسة ولكن يوجد فرق كبير من حبث الأفراد».

وأضاف: «لقد ناضلت حزب استقلال المملكة المتحدة لإشراك عدد كافٍ من الأشخاص الجيدين، ولكن للأسف سمح الحزب لليمين المتطرف بالانضمام إليه والتحكم بقراراته وأخشى أن العلامة التجارية قد تلفت».

 




سياسي بريطاني وزعيم حزب بريكست نايغل فاراج يخاطب أول تجمع حاشد لحملة الانتخابات البرلمانية الأوروبية في برمنغهام، وسط إنجلترا في 13 أبريل 2019. (غيتي)

 

«نظام الثنائية الحزبية عندنا مبدد»

يقول فاراج إن الشعب البريطاني لم يعد مقسما على أساس الأحزاب الموجودة، بل بات يؤيد إما معسكر الخروج أو البقاء. ولذلك، يعتقد أن حزب بريكست سيتلقى «الدعم من جميع أنحاء المملكة المتحدة». وكشف فاراج في 20 أبريل أن 60 ألف شخص أصبحوا من الداعمين المأجورين ويحصلون على ما مجموعه 1.5 مليون جنيه إسترليني.

وصرح فاراج في مقالٍ نشرته صحيفة «ذي ديلي تلغراف»، أن النظام الديمقراطي الحالي منقسم وأن نواب البرلمان لا يمثلون الأشخاص الذين انتخبوهم ليحلوا مسألة بريكست. وأضاف أن الأحزاب السياسية الرئيسية قد استخفت بغضب الناخبين من فشل بريطانيا في مغادرة الاتحاد الأوروبي. وشرح قائلاً: «يشعر كثير من المحافظين بالاشمئزاز بسبب ما فعله حزبهم».

وكتب: «نظام الثنائية الحزبية عندنا مبدد ويجب إخراجه من بؤسه. ولدى الناخبين القدرة على إحداث هذا التغيير الضروري إذا تحركوا فورًا».

وشن زعيم الحزب خلال تجمع حاشد حضره نحو 700 ناشط هجومًا جديدًا على المؤسسة المهيمنة ذات الثنائية الحزبية، وقال: «هدفنا خوض هذه الانتخابات الأوروبية ونعتزم الفوز بها».

وشرح فاراج: «لم نشكل هذا الحزب لمجرد الاحتجاج أو الاستسلام يوم 23 مايو أو لمجرد الانتقام وإيصال ما نفكر فيه عنهم. بل هدفنا أكبر بكثير من ذلك. أعتقد أنه بات واضحًا أن نظام الثنائية الحزبية لم يعد ينفع».

ووفقًا لاستطلاعين للرأي، من المحتمل أن يتخلى عدد كبير من أعضاء حزب المحافظين والناشطين عن الحزب ويصوتوا لصالح حزب بريكست. وبحسب استطلاعٍ أجرته مدونة «كونسيرفاتيف هوم» المحافظة فإن أكثر من 60 في المائة من أعضاء حزب المحافظين سيصوتون لصالح حزب نايغل فاراج في انتخابات البرلمان الأوروبي. وينشر موقع مدونة «كونسيرفاتيف هوم» بانتظام استطلاعات حول آراء وقرارات أعضاء الحزب. وكانت نتائج الاستطلاعات في الماضي بمثابة أدلة دقيقة حول كيف سينتهي الأعضاء بالتصويت في الانتخابات الداخلية. ولكن قال النائب السابق في حزب المحافظين ورئيس تحرير مدونة «كونسيرفاتيف هوم» بول غودمان إن النتائج التي صدرت يوم الأحد «الأكثر صدمة على اللإطلاق مقارنة بكل ما نشرناه في السابق».

وتكلم عن أربعة أسباب وراء استعداد تخلي ثلثي الأعضاء عن حزبهم وهم: «الغضب الشديد» بسبب تأجيل بريكست، والاعتقاد بأن انتخابات البرلمان الأوروبي ليست مهمة، والشعور بأن التصويت لصالح حزب بريكست معقول لأنه أقل تطرفًا من حزب استقلال المملكة المتحدة، والأمل في أن تؤدي النتيجة المريعة إلى استقالة تيريزا ماي.

وكشف استطلاع للرأي عن عضوية مجلس المحافظين أجراه مركز «سورفيشن» لحساب صحيفة «ميل أون صاندي» يوم الأحد، أن 40 في المائة من أعضاء مجلس المحافظين يخططون لدعم خصومهم. وصعق الباحثون عند قراءة بعض الملاحظات، من بينها: «إن حزب المحافظين قد مات. وسيتطلب الأمر قائدًا قويًا لإخراج البلاد من الطين الغارقة فيه».

وطالب عضو آخر في المجلس بالانتهاء من مسألة بريكست التي تقتل الشعب «على عتبة الباب».         

ومن المحتمل أن يشير كثير من المحافظين إلى الاستطلاع الأخير كدليل جديد على سبب استقالة ماي والسماح للحزب بانتخاب زعيم جديد.

والأكيد أن حزب المحافظين ليس الوحيد الذي يشعر بأنه مهدد من قبل حزب بريكسيت. ففي تدخل غير مسبوق يكشف التوترات الكامنة داخل الحزب بسبب استراتيجية بريكست، حذر نائب زعيم حزب العمال توم واتسون من أن حزبه سيخسر أمام حزب فاراج اليميني الجديد في انتخابات مايو إذا استمر في إعطاء الانطباع بأنه يتفق نوعًا ما مع مقترحانه. ودعا إلى دعم أكبر للاستفتاء الثاني الذي سيجريه حزبه.

وكتب واتسون في صحيفة «ذي أوبزيرفر» البريطانية: «لا يمكننا الجلوس ومشاهدة هذه المعركة والسماح لفاراج بالفوز وهو يقدم سياسة متخلفة ولا تطرح أي حلول».

وأضاف: «علينا في المقابل تقديم بديلٍ جذري يستند إلى قيمنا التي تخاطب مباشرة الناس الذين نمثلهم ويظهر من خلالها حزب العمال كوسيلة للخروج من الأزمة».

ومع وقوع نظام الثنائية الحزبية التقليدي في مأزق حول بريكست، ومع ظهور قوى سياسية جديدة للطعن في الوضع الراهن، من المحتمل أن تكون انتخابات البرلمان الأوروبي التي ستعقد في أواخر هذا الشهر أول ساحة معركة لإجراء تغييرات عميقة في السياسة البريطانية.

 


اشترك في النقاش