الموازنة التقشفية تُخضع لبنان لاختبار الشارع

* شقير: موازنة 2019 تتضمن إجراءات تقشفية وتحسينات كان يجب القيام بها قبل 20 عامًا ونهاية الأسبوع سيتم الانتهاء من دراستها
* أسود: بعض القوى تتعمّد تغيير خطابها السياسي بعد خروجها من جلسات مجلس الوزراء حيث جرى بحث جميع هذه الإجراءات التقشفية في الاجتماعات
* وزنة: لبنان ليس على حافة الإفلاس لكن نحن أمام مطبات اقتصادية حقيقية بحاجة إلى جراحة لإنقاذ الوضع الاقتصادي

 

بيروت: فيما لا يزال البحث بأرقام الموازنة جار في الجلسات الماراثونية لمجلس الوزراء للعمل على إنقاص النفقات فيها، للحؤول دون مزيد من ‏التدهور في مالية الدولة، شهد الشارع اللبناني إرباكا مجددا مطلع هذا الأسبوع مع تكرر مشهد الاحتجاجات الذي شهده محيط مقر مجلس الوزراء مساء الأحد الفائت، مع العسكريين المتقاعدين الذي ‏نصبوا خيامًا أمام مصرف لبنان المركزي في بيروت، الاثنين، بالتوازي مع اعتصامات نفذها زملاؤهم أمام فروع ‏المصرف في مناطق لبنانية عدة، قبل أن يعلنوا تعليقهم التحرك تجاوبًا مع مطلب وزير الدفاع إلياس بوصعب، بانتظار ما سيقرّره مجلس الوزراء في شأن الرواتب والمستحقات. ويأتي ذلك في الوقت الذي تحضّر فيه الهيئات النقابية والعمالية لتحرّكات تصعيدية واعتصامات جديدة رفضًا للاقتطاعات من الرواتب.
وقد دخلت الحكومة في جلستها الثالثة عشر، أمس، في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على الموازنة في محاولة للانتهاء منها، ما يشير إلى أن حركة الشارع وعودة الاحتجاجات والتحركات تبقى رهن مقررات الحكومة الأخيرة وإجراءاتها التقشفية فيما لو كانت بالفعل سوف تمس رواتب ومخصصات موظفي القطاع العام أم لا...
التخوف من غضب الشارع في حال صدق ما يشاع عن اقتطاعات من الرواتب يأتي بعد الإضراب الذي شهدته المصالح المستقلة ‏والمؤسسات العامة، بما في ذلك الضمان ‏الاجتماعي، والإضراب المفتوح لموظفي مصرف لبنان قبل أسبوع، التي ترافقت مع مخاوف وشائعات من فقدان السيولة والشلل ‏الجزئي للعمليات المالية والتي انعكست توترًا وتشنجًا على البلاد ككل لا سيما مع توقيف بورصة بيروت التداول بسبب إضراب المصرف المركزي.
وإذا كانت مساعي التهدئة نجحت حتى الساعة في لملمة الوضع الأسبوع الفائت، احتجاجا على مشاريع الخفض المالي الواردة في مشروع موازنة 2019. مع تبلغ رئيس ‏الاتحاد العمالي بشارة الأسمر بتعليق البحث بالمادة 61 من مشروع الموازنة التي تنص على توحيد رواتب وتقديمات ‏المؤسسات العامة، على أن تدرس أوضاع كل مؤسسة على حدة، إلا أن علامات استفهام كثيرة تطرح عن الأهداف الحقيقية من تحريك الشارع من جهة، في ظل تأكيد وتطمين مختلف القوى السياسية عن أن كل ما يقال عن استهداف حقوق ذوي الدخل المحدود والطبقة المتوسطة في ‏مشروع الموازنة غير صحيح، وبالتالي الهدف من هذه التسريبات التي تسببت بفورة الشارع.
ومن جهة ثانية، حقيقة الوضع المالي والاقتصادي في لبنان وهل فعلا البلاد متجهة نحو الإفلاس؟
وعلى وقع التحركات الاحتجاجية وهذه الموجة من الشائعات، كان رئيس الحكومة سعد الحريري واضحًا أمام مجلس الوزراء، إذ أعلن الأسبوع الفائت أنه لا ‏يُمكن التراجع عن الإجراءات التقشفية والإصلاحية، مشيرا إلى أنه يُمكن إعادة النظر أو تعديل بعض البنود، ولكن لا ‏تراجع عن الإجراءات، مجددًا دعوته ‏للوزراء بالإبقاء على سرية مداولات المجلس، وأنه إذا كان هناك تسريب، فليكن صحيحًا وليس مجتزأً.
وجدّد الحريري التأكيد على أنه لا مساس بذوي الدخل المحدود.

 




النائب زياد أسود

عضو تكتل «لبنان القوي» النائب زياد أسود، رأى في حديث لمجلة «المجلة» أنه من المعيب على طبقة سياسية حكمت لبنان منذ 30 عاما أن لا تكون لديها موازنة، وتعمل اليوم على إعداد موازنة على أساس سياسات تقشفية جراء سوء إدارة وسرقة ونهب وإفلاس البلاد، مشيرا إلى أن «النقاش حول الموازنة لا يمكن أن يكون قائما على تحليلات وآراء إنما على أساس قواعد علمية حسابية ولكن يبدو أن هناك قسما كبيرا من الطبقة السياسية والسياسيين ليسوا ناضجين بما يكفي لإعداد موازنة تقارب الأرقام بعملية حسابية، والنتائج المطلوبة هي حصيلة دفتر الحساب الموجود بين أيديهم منذ 30 عاما والذي يظهر عجزا وإنفاقا هائلين وعمليات وهمية وكذلك سلوكيات مالية غير معتادة وغير مألوفة في مؤسسات الدولة»، مؤكدا على أن «كل يوم إضافي تتأخر فيه الموازنة نظرا للجدل القائم بين القوى السياسية حول بنودها يعني أنهم لا يريدون موازنة ولا يريدون فعليا تحقيق الإجراءات الإصلاحية اللازمة إنما يريدون استمرار لبنان في السياسة النقدية والمالية القائمة».
كما شدّد أسود على أنه «لا يمكن لأحد أن يمارس السياسة من دون خطة مستقبلية، وفي لبنان ثمة حكومات متعاقبة على مدى سنوات لم تضع خطة أو رؤية اقتصادية مالية موحدة لعدة سنوات وهو ما أوصلنا إلى ما نحن عليه اليوم من مآس وخلل في جميع القطاعات»، مؤكدا على أن «جميع محاولات الطبقة السياسية لإجراء خطوات إصلاحية لن تغير الواقع المأساوي وليس هناك أي موازنة بأقصى درجاتها التقشفية ستغير الوضع إذا لم تكن متكاملة ومنتجة»، معبرا عن مدى تشاؤمه من الأداء السياسي والمالي والاقتصادي وتشاؤمه من النتيجة.
وعن التحركات الاحتجاجية وحقيقة مساس الموازنة بذوي الدخل المحدود، قال أسود إن «هناك مواقف شعبوية»، مؤكدا على أنه «جرى الحديث في اجتماعات مجلس الوزراء حول جميع هذه الإجراءات التقشفية وكل ما جرى تسريبه تم طرحه ومناقشته بين جميع القوى السياسية، لكن للأسف السياسيون في لبنان يعملون على تسجيل نقاط على بعضهم البعض من زوايا شعبية»، مشددا على أنه «تم طرح كثير من الأفكار التقشفية وغير التقشفية وتم التطرق أيضا إلى الفحش في الرواتب في عدد من الدوائر الرسمية وأيضا تم الحديث عن المؤسسات الوهمية والإيجارات الوهمية والضخمة غير المجدية».
وتأسف أسود على تعمّد بعض القوى تغيير خطابهم السياسي بعد خروجهم من جلسات مجلس الوزراء، مضيفا: «ما يقوله وزير المالية في الخارج ليس نفس ما يقوله في الجلسات، وثمة أطراف كثيرة يتعاطون مع المشاكل المالية في البلاد على قاعدة شعبوية وليس على قاعدة كيفية إيجاد حل جدي سريع يرفع الضغط عن الشعب اللبناني ويخفف الضغط على الخزينة».
إلى ذلك، رأى أسود أن «بعض الموظفين يعتصمون ويعطلون المؤسسات، خلافا للقانون، وذلك لكون موظفي القطاع العام لا يحق لهم الإضراب، مشيرا إلى أن «من يعطي هؤلاء الموظفين أوامر بالإضراب ليست إدارته إنما هناك جهات سياسية تحرّك هؤلاء وعلى رأسهم الاتحاد العمالي العام الذي أصبح انتماؤه السياسي معروفا، علما بأن تحركهم غير مجد لأنهم يعملون لمصلحة العمال، والمواطنون إنما يعملون لمصلحة أحزاب سياسية على قاعدة توجيه رسائل سياسية في الداخل اللبناني».
وفي الختام أكّد أسود على أن «ثمة صراعا سياسيا كبيرا في لبنان والقسم الأكبر من اللبنانيين والسياسيين هم رهينة هذا الصراع وأنا واحد منهم، وبالتالي لا يمكن استمرار الوضع على هذا المنوال ففي النهاية السكين على رقبة جميع اللبنانيين من كل الطوائف وهذه السياسات لم تعد مجدية».

 




وزير الاتصالات محمد شقير


 
الموازنة وما تتضمنه من إجراءات إصلاحية - تقشفية
وزير الاتصالات محمد شقير قال لـ«المجلة» إنه «صحيح تم تعليق الإضرابات والاحتجاجات لكن المشكلة أن المحتجين والمعترضين لا يعلمون سبب إضرابهم وتحركاتهم»، مشيرا إلى أنه «لا تأخير في الموازنة لا سيما أنه لا يجري إعداد موازنة عادية إنما يعمل على موازنة تقشفية عبر إعداد وتحسين قوانين، ومجلس الوزراء يعقد يوميا جلساته مؤخرا من أجل دراسة الموازنة تمهيدا لعرضها على مجلس النواب في أقرب وقت ممكن»، لافتا إلى الاعتقاد بأنه «يمكن الانتهاء من مشروع الموازنة نهاية هذا الأسبوع».
كما أكّد شقير على أن «موازنة 2019 تتضمن إجراءات تقشفية وتحسينات كان يجب القيام بها قبل 20 عاما، مشيرا إلى أنه خلافا لما يتم تداوله ثمة تصحيح لبعض الأمور في القطاع العام ولكنها لا تستدعي حالة التوتر والغضب التي شهدناها، لافتا إلى أن البعض يعتقد أنه في حال إجراء تعديلات معينة فإنها تطال فترة الخدمة السابقة وهذا الأمر غير صحيح وهو ما يؤكد أن جميع الذين اعترضوا واحتجوا غير مدركين لحقيقة الأمر».
وقد شدّد شقير على «ضرورة التحلي بالوعي وتحمل الجميع المسؤولية وكذلك تفهم خطورة الوضع، خصوصا أننا نستطيع النهوض من هذا الوضع الصعب لكن ليس عن طريق الشارع لأنه لا يؤدي سوى إلى الضرر على الاقتصاد». كما أوضح شقير أن الإجراءات التقشفية طالت مخصصات ومصاريف الوزارات وتكاليف السفر واستطاعوا تخفيضها، مشيرا إلى أنه يجب التنبه إلى أن 66 في المائة من الموازنة هي رواتب وأجور فيما تشكل خدمة الدين العام 35 في المائة و10 في المائة كهرباء وبالتالي يجب أن نكون منطقيين إزاء ذلك، لافتا إلى أن سلسلة الرتب والرواتب هي التي تسببت بهذه الكارثة إذ بلغت قيمتها منذ 2017 حتى 2018 نحو 4.300 مليار».

 




كامل وزنة


 
الوضع الاقتصادي في لبنان
الخبير الاقتصادي الدكتور كامل وزنة رأى في حديثه لـ«المجلة» أن الحل لا يكون على حساب القطاع العام وأجور الموظفين خاصة في المؤسسات العامة التي لم تشملها سلسلة الرتب والرواتب والتي في معظمها تعطي أرباحا للدولة دون أن تشكل عبئا عليها، وتابع وزنة أن «العمل الجدي والدؤوب يكون عبر مكافحة الفساد وإغلاق أبواب الهدر الموجودة في لبنان لذلك فإن تصريح رئيس الجمهورية قبل أمس كان في محله، عندما قال إن البلد ليس مفلسا لكنه منهوب وهذا النهب يجب أن يتوقف وهو ما يتطلب أن تعي الأطراف السياسية حجم المسؤولية التي نعيش فيها».
كما أكد وزنة على أن «أوّل إغلاق لمزاريب الهدر هو وقف التهرب الضريبي الذي يقارب 3 مليارات دولار، والتهرب عبر مرفأ بيروت الذي يقارب المليار دولار، وإذا استحصلنا على نصف هذه الأموال فسنضع الاقتصاد اللبناني على بداية سكة الإصلاح، إضافة إلى الإصلاحات الأخرى المتعلقة بقطاعات أخرى كالكهرباء وغيرها، ولكن نحن بالتأكيد بحاجة إلى إعادة هيكلة القطاع العام في مكان آخر لكن بطريقة متدحرجة تراعي إدخال القدرة الإنتاجية وتحسين الاقتصاد».
وعن الوضع الاقتصادي أكد وزنة على أن «لبنان ليس على حافة الإفلاس، لكننا أمام مطبات اقتصادية بحاجة إلى جراحة حقيقية لإنقاذ الوضع الاقتصادي»، مشيرا إلى أن طريقة العمل السابقة لم تثبت نجاحها، فاليوم لدينا عجز ومديونية يجب أن تتوقف كما يجب في الوقت نفسه أن تكون هناك تضحية في مكان معين من قبل المصاريف اللبنانية باعتبار أنها الفئة القادرة على إنقاذ البلد».
إلى ذلك، رأى وزنة أن «إضراب موظفي مصرف لبنان لن يعود مرة ثانية، إنما انتهى باعتبار أن المادة المختلف عليها في الموازنة رقم 61 والتي تدعو إلى تخفيض رواتبهم تمت إزاحتها إلى وقت آخر». مشيرا إلى اعتقاده أن مجلس الوزراء سوف يتجنب الخوض في هذا، مؤكدا على أن «هذا أمن اقتصاد وطني يجب عدم المساس به، ولا يحق لموظفي المصرف المركزي الإضراب للتداعيات الخطيرة لذلك على الاقتصاد اللبناني».
وفي الختام، رأى وزنة أن «هذه الموازنة قد لا تحمل الرؤية المتكاملة لخلاص البلد، ولكن أمامنا عمل طويل وشاق وتحديات كبيرة نأمل أن تعيش الحكومة مستوى التحدي الذي يواجه لبنان في هذا الوقت، لكن الآمال ليست كبيرة بخطة خلاص متدحرجة تصل إلى بر الأمان».
 
التحركات الاحتجاجية في المصالح المستقلة ‏والمؤسسات العامة
خلال الأيام الماضية، توسعت التحركات والاحتجاجات لتطال كل الفئات، فبعد إضراب نقابة موظفي البنك المركزي للمرة الأولى منذ تاريخ تشكيل النقابة، سادت اضطرابات مماثلة في قطاعات حيوية كثيرة شديدة التأثير كمؤسسة الضمان الاجتماعي والمستشفيات الحكومية، ومرفأ بيروت، كذلك ‏شركة «أوجيرو» للمواصلات السلكية واللاسلكية والإنترنتكما امتد الإضراب إلى أساتذة وموظفي الجامعة اللبنانية وكذلك اعتكاف القضاة بناء على دعوة من «نادي ‏القضاة» وقبلها تحرك العسكريون المتقاعدون في الجيش اللبناني خشية أن تطال الموازنة معاشاتهم التقاعدية وبعض مخصصاتهم.
هذا ويبقى الرهان على مقررات مجلس الوزراء فيما يتعلق بمشروع الموازنة بإمكانية عودة الاحتجاجات والتحركات في الشارع.
 


اشترك في النقاش