صفير البطريرك

* نفتقد مار نصر الله بطرس صفير لأنه وبخلاف هذه الطبقة السياسية اليوم، لم يعتقد أن التسويات ممكنة حول ثوابت السيادة، والحرية، والاستقلال. بل الطريق الأقرب إلى الهاوية

في غمرة الانهيارات السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي يشهدها البلد يرحل نصر الله بطرس صفير عن هذه الدنيا.
رحيله الأول كان عندما بادر في العام 2011 إلى الاستقالة من مهامه كبطريرك لأنطاكية وسائر المشرق، مقلدا بذلك سلفه البطريرك خريش الذي استقال هو الآخر إثر حرب الجبل وطعونه في السن في 3 أبريل (نيسان) من العام 1986.
كانت الحرب الأهلية في لبنان يوم استقالة خريش تدخل عامها الحادي عشر. الطبقة السياسية المارونية الفاعلة في ذاك الوقت كانت معترضة على انتخاب رئيس أساقفة نيابة دمشق نصر الله صفير بطريركا لانطاكية وسائر المشرق. كان لكل فريق مرشح داعم لتوجهاته. سمير جعجع كان يريد بطريركا طيّعاً وداعماً لمشاريعه وطموحاته. أما الرئيس أمين الجميل فقد كان يريد رأسا للكنيسة يؤيد تمديد ولايته الرئاسية عندما يحين الموعد.
 
خاب ظنهم
اختارت الكنيسة رجلاً صلباً، أميناً على إرث الموارنة الأولون، نزيهاً متواضعاً ومثقفاً.
لم يحضر سمير جعجع حفل ترسيمه بطريركاً، تعبيراً عن عدم رضاه عمن اختارته الكنيسة المارونية.
كان البطريرك صفير يؤمن بالصيغة اللبنانية وهو الذي ولد معها. أما الصيغة اللبنانية اجتماعياً فقد كانت تعني التعايش والاختلاط مع الشريك الآخر المسلم، أما سياسياً فعنت تقاسم السلطة طائفياً، بما يحفظ دور الموارنة في أرض لبنان، فاعلين ومتفاعلين مع محيطهم من دون أن يذوبوا في كيان عربي أو إسلامي. لم يختلف صفير في هذا عن أسلافه الذين شاركوا في وضع معالم الميثاق الوطني الذي ما زال يحكم لبنان.
للأسف لم تتمكن هذه الصيغة من التطور إلى حد خلق شخصية مدنية لا تشكل خطراً على أي من المكونات الطائفية أو تهدد وجودها. مكثت في مربعها الأول، وكلفت البلد حروبا عبثية ولم تمنع هجرة الموارنة عن لبنان وتضاؤل عديدهم. ولكن هذا بحث في مكان آخر.
شهد صفير حرب لبنان الأهلية الطاحنة من موقع المسؤول وحاول جاهدا تقريب المسافات بين المتخاصمين.
شاهد الإخوة الموارنة يتقاتلون في أكثر من مرحلة فيما بينهم، وصولا لأعنفها وأكثرها دماراً عام 1988، عندما قرر الرئيس الجميل تسليم السلطة لقائد الجيش آنذاك، ميشال عون، وسط انقسام سياسي حول شخص قائد الجيش. أحس أن هذه الحرب ستصيب في شعبه مقتلا. فخاطب المتحاربين: سمير جعجع، وميشال عون، بجرأة وحده يملك سرها: «إذا كنتم تعجزان عن الاتفاق، فإن واجبنا الضميري أيضاً يُملي علينا أن نقول لكما بمحبة وإخلاص، أن استمراركما في تحمل المسؤولية هو استمرار لتهديم الوجود المسيحي في لبنان وعمره ألفا سنة، وبالتالي لتهديم الكيان اللبناني».
لم يعجب هذا التصريح، بطبيعة الحال، أياً من الأقطاب المتصارعة. كان كل واحد منهم يأمل في استمالة الكنيسة. أما صفير فكانت بوصلته الحق. أرسل عون شلة من شبابه لإذلال الرمز الديني الأول للموارنة في الشرق إمعانا في تهديم ما تبقى من الوجود المسيحي فيه.
عندما حان وقت اتفاق الطائف، استشعر بإمكانه وقف النزف الذي يعانيه هذا الكيان، وقرر دعم توجهاته، وحتى لو عرف أن ثمن وقف الحرب كان التنازل من جهة عن بعض سلطات رئيس الجمهورية الماروني لصالح الحكومة، والدخول من جهة ثانية في عصر نظام وصاية سورية مليء بالاضطهاد برضى القوى الإقليمية والعالمية.
 
قرر مواجهة الأمر الواقع والاعتراض
كانوا ثلاثة لا يهابون ساكن قصر المهاجرين ولا يسلكون طريق الشام لنيل رضاه، ويرفضون تحكم ضباطه بأرواح وأرزاق اللبنانيين، ويعارضون وجود عسكره رافضين إعطاءه شرعية ولو مؤقتة، ولو ضرورية.
الأب سليم عبو، المطران عودة، والبطريرك صفير.
كان صفير، لما يمثله في لبنان والمنطقة والعالم، أخطرهم، بنظر المحتل السوري والمتعاملين معه من اللبنانيين وما أكثرهم.
زرع في عقول اللبنانيين أمل تحرير بلدهم من هذه السطوة وهذا الاحتلال. وآمن أن الكلمة أقوى سلاح بوجه الديكتاتوريات. وأنه لا بد للظروف الإقليمية أن تتغير.
فكان نداء المطارنة الأول في العام 2000 الذي طالب بإنهاء الاحتلال السوري. وقعُه كان كبيرا على بلد أدمن الخضوع لقوى غريبة وغير لبنانية. فهوجم من اللبنانيين أولا ليتأكد ما قاله عن النظام السوري بأنه «ليس لديه حلفاء في لبنان بل عملاء».
عندما جاءه أقطاب موارنة لحمله على زيارة قصر المهاجرين في الشام، ضحك وقال: وأين يقع هذا القصر، إيمانا منه أن تلك الزيارة لا تثمر في ظل احتلال ساكن قصر المهاجرين للبنان. كان يردد دائما «يا جاري أنت بدارك وأنا بداري» لتأكيد أن العلاقات لن تستقيم بين البلدين إلا إذا كانا مستقلين.
وعندما بدأ بشار الأسد سحب قواته من لبنان إثر اغتيال الرئيس رفيق الحريري عام 2005، قال لمن حوله «حفرنا الجبل بمخرز».
يُفتقد البطريرك صفير اليوم، لأنه من الناس القلائل الذين تعاطوا بالشأن العام من دون أن يساوموا على مبادئهم، ومن دون أن تكون خياراتهم هدفا للمقايضة في بازار مالي أو سلطوي. لم يحد عن الأفكار التي آمن بها حتى عندما كانت الظروف غير مؤاتية لتحقيقها.
لم يعتقد يوماً أن معارضته لوجود قوات الأسد في لبنان، أو مطالبته «حزب الله» تسليم سلاحه للدولة اللبنانية سيؤثر سلبا على مستقبل البلد أو استقراره أو يشكل خطرا عليه كما كان يعيّره أغلبية منتقديه، بل كان مؤمناً أن تلك المعارضة هي لمصلحة البلد ومصلحة مستقبل أبنائه، معتبرا أن السكوت عن هذا الاحتلال فيه دمار للبنان، وأن الثمن الذي سيدفعه اللبنانيون إن لم يعترضوا ويقاوموا، أكبر بكثير من مجرد سكوتهم عليه.
 
أليس تماماً هذا المنطق المتحكم بالسياسيين اللبنانيين اليوم تجاه «حزب الله» وتجاوزاته وسلاحه وسيطرته الكاملة على البلد ورهن مصيره باستراتيجية إيران؟ يقولون إن الاعتراض لن يأتي بنتيجة، وإنه يجب تنظيم الخلاف، وإن موضوع «حزب الله» أكبر من أن يُحل لبنانيا.
ولكننا بتنا نرى أن البلد يتخبط بمشاكل لا تعد ولا تحصى ويتجه بخطوات ثابتة نحو وضعه من قبل الأميركيين في محور إيران وبالتالي التعامل معه على هذا الأساس جراء هذا التجاهل... أليس هذا الانهيار نتيجة القبول بما يسمى الأمر الواقع؟
نفتقد مار نصر الله بطرس صفير لأنه وبخلاف هذه الطبقة السياسية اليوم، لم يعتقد أن التسويات ممكنة حول ثوابت السيادة، والحرية والاستقلال. بل الطريق الأقرب إلى الهاوية.
أما الأشياء الأخرى فقابلة للنقاش.
وهذا «الصلب» كان على حق.