جرائم أطباء «داعش»

لماذا تركز التنظيمات الإرهابية على تجنيد أصحاب «المعطف الأبيض»؟
* باحث في شؤون الجماعات الأصولية: تنظيم داعش لديه معسكرات لتدريب الأطباء يشرف عليها أطباء كبار يقومون بتدريب المبتدئين
* متخصص في شؤون الجماعات الجهادية: التركيز على تجنيد الأطباء يعد من الثوابت الحركية للجماعات الأصولية منذ نشأتها

 

القاهرة:  توالي اعتقال أعداد كبيرة من الأطباء الذين يشغلون مواقع قيادية في تنظيم داعش الإرهابي خلال الشهور الماضية، كشف عن جانب غير معروف من الجرائم التي ارتكبها أطباء التنظيم الأكثر دموية، وأثار كثيراً من الأسئلة حول أسباب تحول أشخاص يلقبون في كافة بلدان العالم بـ«ملائكة الرحمة» إلى «زبانية تعذيب» وهتك الأعراض واغتصاب النساء والاتجار بالأعضاء البشرية، وهي جرائم كشفت عنها اعترافات عدد من قيادات التنظيم الذين تم اعتقالهم مؤخراً، وأكدتها شهادات عدد من النساء عقب تحريرهن من سجون التنظيم الإرهابي.
غير أن السؤال الذي رافق الإعلان عن هذه الجرائم هو: لماذا تركز التنظيمات الإرهابية بشكل عام على تجنيد الأطباء؟ إذ يرى خبراء في التنظيمات الأصولية أن التركيز على تجنيد الأطباء هو أحد أهم تراثيات التنظيمات الإرهابية منذ نشأتها، حيث يستهدفون الطلاب الفقراء في كليات الطب.
وتصدرت أخبار جرائم أطباء تنظيم داعش عناوين الصحف الدولية ووكالات الأنباء منذ أن أدلت الفتاة الإيزيدية لمياء بشار بشهادتها الصادمة لوسائل الإعلام نهاية العام الماضي عقب تحريرها من سجون تنظيم داعش الإرهابي، حيث روت قصة تعرضها للاغتصاب هي وشقيقتها، ورؤيتها المباشرة لأحد أطباء التنظيم يغتصب طفلة عمرها 9 سنوات أمام عينيها.
وأدى اعتقال عدد كبير من الأطباء المنتمين لداعش عقب الهزائم العسكرية المتكررة التي أجبرت التنظيم على الانسحاب من معاقله تباعاً، إلى كشف كثير من تفاصيل قصص تعذيب السجناء في سجون التنظيم وتجارة الأعضاء في السوق السوداء ونقلها من المعتقلين المدنيين إلى قادة التنظيم المصابين في المعارك، وأشهر هذه القصص هي قصة الطبيب البريطاني عصام أبو عنزة، وزير صحة داعش، الذي لقبته وسائل الإعلام بـ«جزار داعش»، وتم الكشف عن القصة لوسائل الإعلام عقب اعتقال صديقه وشريكه في عمليات التعذيب، الصيدلي البريطاني محمد أنور ميا، الذي رافقه خلال وجوده مع التنظيم بسوريا، وشجعت القصة شهود العيان على سرد رواياتهم للصحف، وأدلى كثير من الأطباء بشهاداتهم التي كشفت عن قيام أبو عنزة (الذي عمل في الخدمات الصحية الوطنية البريطانية (NHS) لمدة 7 سنوات، إلى أن انضم لداعش في سوريا عام 2014)، بقيادة مجموعة من الأطباء قامت بتعذيب السجناء واستجوابهم، ونقل أعضاء المدنيين المحتجزين إلى قيادات التنظيم المصابين في العمليات العسكرية، إضافة إلى بيع الأعضاء البشرية في السوق السوداء.
ويقول خالد الزعفراني، الباحث في شؤون الجماعات الأصولية لـ«المجلة» إن «تنظيم داعش لديه معسكرات لتدريب الأطباء، يشرف عليه أطباء كبار يقومون بتدريب المبتدئين أو حديثي التخرج، كما يقومون بتدريب الجميع واستحداث دورات تدريبية طبية عسكرية على إصابات الحروب وعلاج الجروح التي تنتج عن الأسلحة الحديثة غير التقليدية».

 




الطبيب البريطاني عصام أبو عنزة، وزير صحة داعش، الملقب بـ«جزار داعش»

ويضيف الزعفراني: «كافة التنظيمات الإرهابية تستهدف تجنيد الأطباء لضمان وجود خدمات طبية تتعلق بعلاج جرحى المواجهات العسكرية، وقد كان تنظيم القاعدة لديه معسكر في أفغانستان خاصة بتدريب الأطباء وتدريس فروع مختلفة من الطب».
وشهدت الآونة الأخيرة اعتقال أطباء بارزين من تنظيم داعش الإرهابي، آخرهم الطبيب البريطاني من أصل باكستاني محمد صقيب الذي اعتقلته قوات سوريا الديمقراطية في مارس (آذار) الماضي، وعقب اعتقاله في السجون الكردية وجه صقيب رسالة إلى مرضاه بالمملكة المتحدة لمناشدة الحكومة البريطانية بالموافقة على عودته.
ويرى خبراء في التنظيمات الأصولية أن حرص التنظيمات الإرهابية على تجنيد الأطباء يرجع إلى بداية نشأة الجماعات الجهادية في القرن الماضي، والتي كانت تستهدف تجنيد طلاب كليات الطب الفقراء في الدول التي تعاني من تدني جودة التعليم، حيث شكل الأطباء الأوائل الذين تم تجنيدهم نقطة انطلاق لتجنيد المزيد من مختلف دول العالم.
ويقول سامح عيد، المتخصص في شؤون الجماعات الجهادية لـ«المجلة»: «التركيز على تجنيد الأطباء يعد من الثوابت الحركية للجماعات الأصولية منذ نشأتها، وخلال موجة التطرف في سبعينات القرن الماضي بمصر ركزت الجماعات الأصولية جميعها سواء تنظيم الجهاد أو الجماعة الإسلامية أو جماعة الإخوان المسلمين على استهداف طلاب كليات الطب، وخاصة أنه في هذه الحقبة كان كثير من طلابها من أسر فقيرة أو متوسطة وكثير منهم أتي من قرى ريفية، وهو ما جعلهم هدفا سهلا للتجنيد، كما ركزت التنظيمات الأصولية خلال هذه الفترة على الكليات العملية مثل كلية الهندسة، ويرجع ذلك إلى أن التعليم في دول العالم الثالث يعتمد على التلقين وليس التفكير، مما يجعل طلاب الكليات العملية على وجه الخصوص يعتمدون على الحفظ، لذلك يسهل تجنيدهم لأنهم يدرسون مواد علمية يقومون بحفظها ولا يملكون حججا فكرية لمناقشة الأفكار المتطرفة التي تستخدمها التنظيمات في تجنيدهم، على عكس الكليات النظرية التي تقوم بتدريس العلوم الإنسانية، حيث يكون لدى الطلاب حصيلة فكرية مانعة للتطرف تمكنهم من النقاش والجدل ورفض الأفكار المتطرفة».
ومن أبرز أطباء داعش الذين تم اعتقالهم مؤخرا، الطبيب العراقي كفاح بشير حسين، وزير الصحة السابق بالتنظيم، الذي اعتقلته السلطات التركية، وقد عمل حسين (39 عامًا)، طبيبًا متدربا لمعالجة الروماتيزم، وانضم إلى تنظيم داعش ليصبح وزيرا للصحة عقب مقتل الوزير الأسبق في مواجهات عسكرية.
 




د. كفاح بشير حسين، وزير صحة داعش السابق

كما اعتقلت القوات الكردية طبيباً بريطانياً آخر من أصل باكستاني يدعى محمد الصادق رضا، أثناء محاولته الهرب شمالي سوريا.
ويضيف عيد: «أول النقابات المهنية التي سيطرت عليها التنظيمات الأصولية في مصر كانت نقابة الأطباء لأنها استطاعت تجنيد عدد كبير من الأطباء خلال دراستهم بالجامعة، كما استخدمت النقابة بعد سيطرتها على مجلس إدارتها في تجنيد المزيد من الأطباء من خلال العمل النقابي والأنشطة المختلفة، لذلك تجد عددا كبيرا من قيادات التنظيمات الإرهابية أطباء، وقد قام هؤلا بدور كبير في تجنيد الأطباء في دول كثيرة خاصة خلال فترة ثمانينات وتسعينات القرن الماضي».
وظهر كثير من الأطباء في الإصدارات المرئية لتنظيم داعش التي تحث على الجهاد لإقامة دولة الخلافة الإسلامية «المزعومة»، بينهم الأسترالي الدكتور جهاد كامل المكنى، المعروف باسم «أبو يوسف الأسترالي»، والذي قتل نهاية العام الماضي خلال مشاركته في إحدى العمليات الإرهابية في سوريا.
وظهر «أبو يوسف الأسترالي»، في كثير من الإصدارات المرئية الداعشية يدعو فيها إلى الانضمام للتنظيم ومواصلة استهداف الدول، وتحقيق هدف إقامة دولة الخلافة.

 




الطبيب البريطاني من أصل باكستاني محمد صقيب


وانضم أبو يوسف الأسترالي إلى تنظيم القاعدة منذ نحو ثلاث سنوات بعد أن ترك أستراليا وعمله في مستشفى النساء والأطفال في أديلايد ومستشفى قاعدة ماكاي في كوينزلاند، وهو ابن لأب فلسطيني وأم ألمانية، ولد في بيرث، وتخرج في جامعة أديلايد في عام 2010 بشهادة في الطب.
ويشير عيد إلى أن «الجرائم التي يرتكبها أطباء داعش تستند فقهيا من وجهة نظرهم إلى مبدأ (الاستباحة) فالتنظيم بشكل عام يستبيح من خلال هذا المبدأ دماء وأموال وأعراض غير المسلمين، أو المسلمين الذين يراهم كفارا لأنهم لا ينتمون إلى التنظيم أو ارتكبوا أعمالا تستوجب تكفيرهم بحسب رؤيته الفقهية المغلوطة، وخلال قيام الأطباء بجرائم في فترات المواجهات العسكرية يفعلون ذلك انطلاقا من (فقه الحرب) الذي يتبعه التنظيم خلال الحروب، وهو ما يسمح لهم بارتكاب أبشع الجرائم في سبيل ما يزعمون أنه (حماية الدولة الإسلامية)، ومعظم التنظيمات الأصولية تتلاعب في الأحكام والأمور الفقهية لتتلاءم مع مصالحها».


 


اشترك في النقاش