«الغرين كارد» ورؤية المملكة 2030

الإقامة المميزة ورؤية المملكة 2030... عوائد اقتصادية ومردودات اجتماعية
* قسّم القانون الإقامة المميزة إلى نوعين: الإقامة غير محددة المدة، والإقامة لمدة سنة قابلة للتجديد. على أن يتمتع حامل هذه الإقامة بنوعيها بكثير من المزايا
* عند إلغاء هذه الإقامة أو إنهائها لا يترتب على ذلك انتقال الحقوق والمزايا إلى الأبناء، إلا إذا تحققت في أي منهم الشروط الواردة في هذا النظام ولائحته، فله التقدم كحالة مستقلة
* للأمن ومتطلباته الأولوية في منح هذه الإقامة بنوعيها؛ حفاظاً على ما تحقق من منجزات وما أحرزته المملكة من نجاحات أهلتها لأن تصبح فاعلاً رئيسياً في الشأن الإقليمي وفاعلاً مهماً في النظام العالمي

باكو(أذربيجان): لا تزال رؤية المملكة 2030 حبلى بالسياسات والإجراءات الهادفة إلى الانتقال بالمملكة العربية السعودية نحو مستقبل أكثر قدرة على التعامل مع التحولات والتحديات التي يشهدها العالم والمنطقة، إذ مثلت الرؤية عند إطلاقها عام 2016 خريطة طريق لخوض غمار المستقبل بأفكار غير تقليدية ورؤى غير نمطية، وكان من أبرز هذه الرؤى مشروع الإقامة المميزة أو البطاقة الخضراء «غرين كارد» والذي مثّل خطوة رئيسية في طريق إلغاء نظام الكفيل الذي تنتهجه المملكة، إذ يمثل هذا المشروع تطبيقا عمليا لما أعلنه ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، خلال حوار أجرته معه وكالة «بلومبيرغ» في عام 2016. بأنه سيتم استحداث نظام للمقيمين يتيح لهم إقامة دائمة مثل نظام «الغرين كارد» الأميركي، مشيرا إلى أن هذا النظام «سيُمكن العرب والمسلمين من العيش طويلاً في المملكة، وأنه سيكون رافدًا من روافد الاستثمار في المملكة»، حيث يمنح النظام الجديد لحامل هذه البطاقة مزايا كثيرة تتعلق بحرية التنقل والحركة من وإلى السعودية ذاتيا دون الحاجة إلى موافقة من الكفيل، وهو ما يمثل بدوره نقطة تحول مهمة تصب في الملف الحقوقي للمملكة والذي يشهد تقدما ملموسا على الأصعدة كافة بدءا من منح حق القيادة للمرأة السعودية مرورا بتوسيع مساحة المشاركة السياسية للمواطنين كافة وصولا إلى هذا النظام الذي يمنح المزيد من الضمانات للأجانب المقيمين في المملكة.
وفي ضوء ما سبق يستعرض هذا التقرير نظام الإقامة المميزة الذي بدأ تطبيقه منذ التاسع عشر من مايو (أيار) 2019 بعد موافقة كل من مجلسي الشورى والوزراء السعودي عليه، حيث يتناول التقرير جوهر هذا النظام وآلية عمله وكذلك انعكاساته الاقتصادية والاجتماعية، وذلك من خلال محورين على النحو الآتي:
 
أولا: نظام الإقامة المميزة.. المضمون وآلية العمل
قسم القانون الإقامة المميزة في المملكة إلى نوعين، هما: الإقامة غير محددة المدة، والإقامة لمدة سنة واحدة قابلة للتجديد. على أن يتمتع حامل هذه الإقامة بنوعيها بكثير من المزايا المتمثلة فيما يأتي:

  1. الإقامة في المملكة مع أسرته.
  2. الحصول على تأشيرات زيارة للأقارب، وفق ما تحدده اللائحة.
  3. استقدام العمالة المنزلية بحسب احتياجاته.
  4. امتلاك العقارات للأغراض: السكنية، والتجارية، والصناعية، وذلك فيما عدا مدينتي مكة المكرمة والمدينة المنورة، والمناطق الحدودية وفقًا لما تحدده اللائحة.
  5. الانتفاع بالعقارات الواقعة في مدينتي مكة المكرمة والمدينة المنورة لمدة لا تتجاوز (تسعًا وتسعين) سنة، وتضع وزارة العدل ووزارة التجارة والاستثمار الآليات اللازمة لذلك، بما يكفل للمنتفع الحصول على صك انتفاع صادر من كتابة العدل. ويكون هذا الحق قابلاً للتصرف بانتقاله إلى الغير وفق ضوابط تضعها اللجنة.
  6. امتلاك وسائل النقل الخاصة، وأي منقولات أخرى يسمح باقتنائها نظامًا في المملكة.
  7. العمل في منشآت القطاع الخاص والانتقال بينها ويشمل ذلك أيا من أفراد أسرته، فيما عدا المهن والأعمال التي يحظر على غير السعودي الاشتغال بها، ودون إخلال بالرسوم المقررة على غير السعودي.
  8. حرية الخروج من المملكة والعودة إليها ذاتيًا.
  9. استخدام الممرات المخصصة للسعوديين عند دخول المملكة عبر منافذها والخروج منها.
  10. مزاولة الأعمال التجارية، وفقًا لنظام الاستثمار الأجنبي.

وقد حدد القانون مجموعة من الاشتراطات الواجب توافرها فيمن يتقدم بطلب إلى مركز الإقامة المميزة المنشأ خصيصا لهذا الغرض، وتمثلت فيما يأتي:

  1. تقديم جواز سفر ساري المفعول.
  2. أن لا يقل سن المتقدم عن إحدى وعشرين سنة.
  3. تقديم ما يثبت الملاءة المالية للمتقدم.
  4. تقديم سجل جنائي يثبت خلو المتقدم من السوابق.
  5. تقديم تقرير صحي عن حالة المتقدم الصحية يثبت خلوه من الأمراض المعدية، لا يزيد تاريخه على ستة أشهر من تاريخ التقدم.
  6. أن تكون إقامة المتقدم نظامية في حال كان متقدمًا من داخل المملكة.

         أخذا في الحسبان أن للمركز، ممثلا في اللجنة الإشرافية المعنية بفحص هذه الأوراق والتأكد من صحتها، الحق– عند الاقتضاء- إضافة شروط خاصة في الحالات التي تتطلب ذلك حماية للأمن القومي السعودي. كما أن للجنة أيضا الحق في إلغاء هذه الإقامة إن اقتضت المصلحة العامة ذلك، فضلا عن إلغائها أيضا في الحالات الآتية:

  1. إدانة حامل الإقامة المميزة بجريمة يعاقب عليها بالسجن لمدة لا تقل عن (60) يومًا، أو بغرامة لا تقل عن (100) ألف ريال أو ما يعادلها.
  2. صدور قرار أو حكم قضائي بإبعاد حامل الإقامة المميزة عن المملكة.
  3. إذا تضمن طلب الحصول على الإقامة المميزة معلومة غير صحيحة.
  4. عدم تقيد حامل الإقامة المميزة بالضوابط المنصوص عليها في هذا النظام، أو الأنظمة والتعليمات المعمول بها في المملكة بصفة عامة.
  5. تنازل حامل الإقامة المميزة عنها.
  6. وفاة حامل الإقامة المميزة أو فقدانه الأهلية.

ومن الجدير بالإشارة أنه في حال إلغاء هذه الإقامة أو إنهائها لا يترتب على ذلك انتقال الحقوق والمزايا إلى أسرته، إلا إذا تحققت في أي منهم الشروط الواردة في هذا النظام ولائحته، فله التقدم للحصول على الإقامة المميزة كحالة مستقلة يتم النظر فيها طبقا لمدى توافر الشروط المطلوبة. كما أنه من الأهمية بمكان التأكيد على أن هذه الإقامة لا تخول لحاملها الحق في الحصول على الجنسية السعودية والتي ينظمها قانون مستقل رقم (8- 20 - 5604).
 




السعودية إلى إلغاء نظام الكفيل ضمن نظام الإقامة المميزة الذي أقره مجلس الشورى

ثانياً: الإقامة المميزة... خطوة مهمة لتعزيز الاقتصاد الوطني
في ضوء المسعى السعودي، وفقا لرؤية 2030 الهادفة إلى تنويع مصادر الدخل وعدم الاستمرار في الاعتماد على النفط كمصدر رئيسي للدخل القومي، والتحول نحو اقتصاد السوق الحرة وتشجيع الاستثمارات وخلق فرص وظيفية، يأتي مشروع الإقامة المميزة الهادف إلى العمل على نمو الإيرادات الحكومية غير النفطية إذ تقدر العوائد المتحصلة من هذا النظام وفقا لبعض التقديرات ما بين 3 مليارات ريال و6 مليارات ريال في العام الواحد خلال السنوات الأولى، بل وصلت بعض التقديرات إلى تحقيق أكثر من 10 مليارات دولار سنوياً.
كما يهدف هذا النظام إلى استقطاب أكبر للاستثمارات الأجنبية خاصة مع بدء العمل في سلسلة المشاريع الكبرى التي أطلقتها المملكة، وهو ما يتطلب العمل على تحسين بيئة الأعمال من خلال رفع مؤشر الثقة والأمان الاستثماري، لتصبح المملكة أكثر كفاءة وجاذبية بما يرسخ مكانتها كملاذ عالمي يستقطب الاستثمارات من مختلف الدول، ووجهة مفضلة لتأسيس المقار للشركات المتعددة الجنسيات والعابرة للقارات، وهو ما يعني توفير مزيد من فرص العمل، إذ من شأن هذا النظام القضاء على التستر التجاري والتي بلغت نسبته نحو 46 في المائة خلال الربع الأول من عام 2019. إذ يشجع الوافدين الذين يستثمرون في الاقتصاد غير الرسمي على التحول نحو الاقتصاد الرسمي، حيث يمنحهم هذا النظام جزءا من الحقوق في الاستثمار والتحرك وهو ما يمثل رافدا للاقتصاد المحلي، إذ تقدر قيمة التحويلات للأجانب العاملين في المملكة وفقا لبيانات الهيئة العامة للإحصاء بنحو 4.136 مليار ريال خلال عام 2018، وهو ما يعني الاستفادة من هذه العوائد في زيادة حجم الاستثمارات التي توفر بدورها مزيدا من فرص العمل، مع الأخذ في الحسبان الاستثناء الوارد في هذا النظام والذي يحظر على المتمتع بهذه الإقامة الاشتغال في المهن والأعمال التي يحظر على غير السعودي الاشتغال بها، وهو ما أكدته وزارة العمل السعودية على لسان المتحدث الرسمي خالد أبا الخيل بقوله إن «الوزارة ماضية في قرارات التوطين وقرارات قصر العمل في كثير من المهن والأنشطة والقطاعات على السعوديين والسعوديات، وإنها مستمرة في برامج الشراكات الاستراتيجية التي انتهجتها مع مختلف الجهات الحكومية والخاصة لتحفيز القطاع الخاص على التوطين وتوظيف المواطنين والمواطنات في مختلف المهن والتخصصات».
وفي السياق ذاته، يستهدف هذا النظام كذلك العمل على رفع مساهمة القطاع الخاص في الناتج المحلي، وزيادة القوة الشرائية النوعية إذ يعد بمثابة مرحلة مهمة لاستحداث قطاعات استثمارية جديدة، خاصة في قطاع المنشآت الصغيرة والمتوسطة بما يرفع حجم مساهمتها في الناتج المحلي من خلال جذب أصحاب الابتكارات والمتميزين والمبدعين واستقطاب أفضل العقول من جميع أنحاء العالم لإقامة هذه النوعية من المشروعات.
ولن يقتصر الأمر على ذلك فحسب، بل من شأن هذا النظام أيضا أن يعود بالفائدة على أصحاب هذه الإقامات وعائلاتهم، حيث سيكرسون كافة قدراتهم لتحقيق المزيد من التميز في مجالات عملهم المختلفة، تقديرًا للثقة التي منحت لهم ليس كمقيمين أجانب وإنما كشركاء فاعلين في دعم الجهود الوطنية واستمراريتها للنهوض بالمملكة وتنميتها اقتصاديا واجتماعيا، وهو ما يعني مزيدا من الولاء والانتماء من جانب هؤلاء المقيمين للمملكة بما يعضد أمنها واستقرارها في مواجهة أي خطط تستهدف استغلال العمالة الأجنبية في تهديد أمن واستقرار المملكة.
نهاية القول إن المبادرة السعودية بإقرار نظام البطاقة الخضراء لم تكن الأولى من نوعها إذ سبقتها بلدان نجحت في أن تصبح بيئة جاذبة للاستثمار والإبداع من خلال ترسيخ منظومة تنموية تتميز بالاستقرار، وإشراك رواد الأعمال ليكونوا شركاء دائمين في مسيرة التنمية في هذه الدول، ولعل النموذج الأميركي والأسترالي والسنغافوري يعطي مؤشرا مهما على صواب الخطوة السعودية الهادفة إلى تدعيم ركائز الاقتصاد الوطني ورفده برؤوس الأموال والكوادر المتخصصة والكفاءات الفريدة والمتنوعة. وإن ظل نجاح هذه المبادرة وتحقيق مستهدفاتها رهنا بأمرين: الأول، الالتزام الصارم بالضوابط والاشتراطات التي أوجبها القانون دون أي استثناءات إذ يمكن أن تمثل هذه التجربة السعودية نموذجا لبعض دول المنطقة لإقرار أنظمة مماثلة، ولعل الخطوة الإماراتية التي أعقبت المبادرة السعودية بإقرارها نظام البطاقة الذهبية والتي تمنح ذات المزايا والحقوق للمستثمرين لدعم النمو الاقتصادي الإماراتي دليلا على ما تتمتع به المملكة من أسبقية في مبادرات استثنائية، خاصة أن التجربة السعودية تتمايز عن التجارب الإقليمية التي منحت الجنسية مقابل الاستثمار، في حين أن المملكة لم تمنح الجنسية – كما سبقت الإشارة - وإنما منحت إقامة دائمة أو مؤقتة وهو ما يعني حرصا أكبر من جانب المملكة على حماية أمنها القومي. والأمر الثاني، يتعلق بما سبق ذكره فيما يتعلق بمنح الجنسية، حيث إنه حتى في حالة منح الإقامة الدائمة أو المؤقتة فحسب، فإن الأمر يستوجب التدقيق جيدا فيمن يحصل على الإقامة المميزة وفقا لهذا النظام، وذلك حرصا على أمن المملكة وأمان مواطنيها، إذ يعلم الجميع مدى ما تتعرض له المملكة من مخططات هدامة تسعى إلى عرقلة النجاحات التي تحققت وإفشال السياسات التي انتهجت للنهوض بالمملكة ووضعها في مكانتها التي تليق بها في العالمين العربي والإسلامي. فإذا كان من شأن هذه الخطوة أن تُسهم في تعزيز تنافسية المملكة عالميًا في مختلف المجالات كما أشار إلى ذلك وزير التجارة والاستثمار السعودي، ماجد القصيبي، بقوله: «إن نظام الإقامة المميزة سيعزز من التنافسية وسيمكن المملكة من استقطاب مستثمرين وكفاءات نوعية ويحد من التستر»، حيث تتكامل هذه الخطوة مع مجموعة الإجراءات والقوانين والحوافز التي حرصت المملكة على إطلاقها خلال الفترة الماضية بهدف تعزيز ممكنات اقتصاد المستقبل وزيادة جاذبيته. فإنه من المهم كي ينجح هذا النظام في تحقيق عوائده الاقتصادية والتي يمكن تلخيصها في أربعة مسارات هي؛ محاربة التستر التجاري، وتقليص اقتصاد الظل بدرجة عالية، والسماح للثروات الموجودة في المملكة بالمشاركة، سواء في الاستثمار أو في الاستهلاك، وتشجيع الاستثمار، وتحرير الأصول المجمدة. فإنه من المهم أن يكون للأمن ومتطلباته الأولوية في منح مثل هذه النوعية من الإقامة بنوعيها؛ حفاظاً على ما تحقق من منجزات وما أحرزته المملكة من نجاحات أهلتها لأن تصبح فاعلا رئيسياً في الشأن الإقليمي وفاعلا مهما في النظام العالمي.
 


اشترك في النقاش