يوسي هاليفي ينقب عن المشترك بين أبناء إبراهيم بحثاً عن السلام

«رسائل إلى جاري الفلسطيني»... كتاب يفكك أسس الصراع العربي الإسرائيلي

* من خلال رحلته للتوصل للغة دينية للسلام بدأ هاليفي بالتعرف على الإسلام، وخلص إلى أن الوجدان الإسلامي لا يعرف الخوف، خاصة عندما يتعلق الأمر بمواجهة الموت وحقيقة فناء الإنسان

* يعترف هاليفي بأن تجاهل وجهة نظر اليسار الإسرائيلي كان خطأً فادحاً، وهو الذي كان ضد احتلال الضفة الغربية

* يؤكد هاليفي أن الحل الأمثل للسلام هو حل الدولتين وتمكين الفلسطينيين من السلطة كدولة مستقلة على أمل أن يتم هدم الجدار العازل وأن تعيش إسرائيل بين جيرانها في الشرق الأوسط في أمان

* يلوم العالم العربي على تجاهل حق اليهود ويلوم الإسرائيليين على تجاهل الفلسطينيين، ويقول: «لم أعد أحتمل الاحتلال الجاسم على صدور جيراني... لم أعد احتمل الاحتلال الذي بات يشكل عبئاً على مصداقيتي الأخلاقية كيهودي»

 

القاهرة: عبر 10 رسائل يحاول الكاتب يوسي كلاين هاليفي الكاتب والباحث في الشؤون اليهودية والإسرائيلية بالقدس، التنقيب وكشف نقاط تولد الصراع الدائم بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، لافتا في مقدمة كتابه الصادر عن دار نشر «هاربر كولينز» التي تملكها صحيفة «وول ستريت جورنال» إلى أن أهم العقبات في طريق السلام هو عدم إصغاء الطرفين لبعضهما موجها كتابه الصادر بالعربية مؤخرا للأمة العربية جميعها. ويشرف يوسي هاليفي صاحب مؤلفات «على مدخل جنات عدن»، و«مذكرات يهودي متشدد»، و«مثل الحالمين»، على مبادرة أميركية تدعى مبادرة القيادة المسلمة برفقة الإمام عبد الله العنتبلي.

يقوم الكتاب على صيغة تشبه اليوميات لمواطن إسرائيلي ممزوجة بأسلوب أدب الرسائل؛ إذ يكتبها المؤلف لتواكب الاحتفاء بيوم أو عيد يهودي ويسترجع الأحداث والوقائع التي ترافقت وتزامنت معه سواء في التاريخ اليهودي أو في تاريخ العلاقات العربية الإسرائيلية أو الفلسطينية الإسرائيلية، مستعرضا على أثر هذه الوقائع نقاط الخلاف والصراع بين الجانبين. ويتضح من أسلوب الكتاب أسلوب الكتابة الصحافية، إذ عمل هاليفي في مجلة «ذا نيو ريببلك» الأميركية.

 

الرسالة الأولى: الجدار الذي يفصل بيننا

تتضمن الرسالة تأملات هاليفي الكثيرة حول وضع إسرائيل وفلسطين من موقعه في القدس إذ يقطن التلة الفرنسية وعلى مسافة غير بعيدة من الجدار العازل، موضحا سبب اختياره خطاب الجار باعتبار أنه لا يعرف الجار الفلسطيني فهو مجهول بالنسبة له، إلا أن حياتهما متداخلتان إلى حد كبير، معتبراً أن صيغة الخطاب هي الأقرب للواقع اليومي، قائلا: «أشعر بوجود ذلك الحاجز في كل مكان رغم أني بالكاد أراه».

ويروي تجربته في محاولة اكتشاف ما يجمع بين أبناء الديانات السماوية الثلاث المتواجدين في هذه البقعة المقدسة من العالم وتوصل إلى أنهم يقدسون الذات الإلهية وتوصل إلى أن التعايش منوط أحيانا بما سماه «الانفصال المشترك»، فالقدس تضم الحي الإسلامي واليهودي والمسيحي والأرمني.

ومن خلال رحلته للتوصل للغة دينية للسلام بدأ بالتعرف على الإسلام، وخلص إلى أن الوجدان الإسلامي لا يعرف الخوف، خاصة عندما يتعلق الأمر بمواجهة الموت وحقيقة فناء الإنسان، وتوصل إلى أنه إذا تبنى الطرفان فكرة الوجود المؤقت على هذه الأرض فإنه بالإمكان إيجاد خطاب ديني للسلام ينبذ التشدد بين الفلسطينيين والإسرائيليين.

يبدي هاليفي تعاطفه مع الشعب الفلسطيني الذي بات يعاني الشتات والتشريد ويرى من خلال محاولاته للإصغاء للرواية الفلسطينية عن الصراع سبب التمسك بالأرض لكنه يقول إن «تفهمي لروايتك لا يعني فقداني لتعاطفي وحبي تجاه حقيقة عودة شعبي اليهودي إلى أرضه» باعتبار أنها قصة إيمان وعقيدة.

يعترف هاليفي بأن تجاهل وجهة نظر اليسار الإسرائيلي كان خطأ فادحا، وهو الذي كان ضد احتلال الضفة الغربيةثم يعود ملقيا اللوم في فشل محادثات أوسلو على الإسرائيليين تارة كونهم استمروا في بناء المستوطنات أثناء المحادثات وأيضا الفلسطينيين الذين لم يتجاوبوا مع أي مبادرات أخرى للسلام، ويؤكد أن الحل الأمثل للسلام هو حل الدولتين وتمكين الفلسطينيين من السلطة كدولة مستقلة على أمل أن يتم هدم الجدار العازل وأن تعيش إسرائيل بين جيرانها في الشرق الأوسط في أمان، كما يلوم العالم العربي على تجاهل حق اليهود ويلوم الإسرائيليين على تجاهل الفلسطينيين، يقول: «لم أعد أحتمل الاحتلال الجاسم على صدور جيراني... لم أعد احتمل الاحتلال الذي بات يشكل عبئا على مصداقيتي الأخلاقية كيهودي»، مشيرا إلى أن تعاليم اليهودية تقول: «أبحث عن السلام وأسعى إليه».

 

الرسالة الثانية: الحاجة والحنين

يتعمق المؤلف في حياة اليهودي ما هي أعياده وطقوسه إلا أنه يكشف كيف يفكر اليهودي أثناء احتفالاته وطقوسه الدينية أو حتى أثناء توقفه في إشارة مرور عادية فيما يهدد وجوده على الأرض مستحضرا ما تعرض له أجدادهم «ها قد عدنا إلى أرضنا لكن لم يتحقق الخلاص بعد».

في هذه الرسالة يكشف أن الاعتقاد بأن اليهود عادوا إلى إسرائيل بسبب الهولوكوست كدافع هو أمر مغلوط، فإسرائيل بالنسبة لليهود جزء من الذاكرة التي ظلوا يبتهلون الله للعودة إليها على مدار القرون منذ أن دمر الرومان مملكة يهودا وحظروا وجود اليهود في القدس، والذي استمر أيضا خلال العهد المسيحي إلا أنه يشير إلى أن الإسلام كان الأكثر كرما في التعامل مع اليهود حينما سمح عمر بن الخطاب بعودة بعض اليهود عام 638م. ثم يتابع في رسالته استعراضا لتاريخ تأسيس الحركة الصهيونية على يد تيودور هرتزل الذي فشل في إقناع الخليفة العثماني بعودة اليهود وكذلك وقف ضده بابا الفاتيكان الذي رأى أن الشتات عقاب إلهي لليهود لرفضهم لعيسى المسيح. يشير إلى أن هرتزل وجد رغبة من بريطانيا العظمى في التعاون معه وتم وضع ما سمي «خطة أوغندا» لتوطين اليهود بها لكن باءت الخطة بالفشل إثر وفاة هرتزل عن عمر 44 عاما، واعتبر هاليفي أن تلك الخطة إذا كتب لها النجاح كانت ستعد سقطه لليهود الساعين عبر أكثر من 2000 سنة للعودة إلى أرض الميعاد.

ويروي كيف تشكل المجتمع اليهودي الذي بدأ بيهود أوروبا وبعودة يهود اليمن ثم العراق وتبعها يهود مصر وسوريا ولبنان ويهود روسيا وغيرها. ولعل أهم ما في هذه الرسالة هو التفسير الذي يقدمه هاليفي للصهيونية مفندا كافة وجهات النظر حولها ما بين اليهود الأرثوذوكس والاشتراكيين والعلمانيين وما إذا كانت هذه الكلمة تتعارض مع اليهودية مؤكدا أنهما لا يتعارضان كون الديانة اليهودية بطبيعتها تقوم على ارتباطها بأرض معينة. ثم يطرح عبر مشاعر يهودي عاد لوطنه أنه من حق الفلسطينيين أيضا العودة لوطنهم والحصول على الجنسية الفلسطينية في مقاربة لواقع مر به مع واقع الفلسطينيين في المنفى أو الشتات حاليا.

 

الرسالة الثالثة: القدر والمصير

هنا يجيب هاليفي جاره الفلسطيني عن أسئلة تدور في ذهنه عمن هم اليهود، وهل هم أمة بحد ذاتها؟ ويشير إلى أن فكرة «شعب الله المختار» لا تعني رغبة اليهود في الحصول على امتيازات إلهية بل رغبة في تحمل المزيد من الأعباء والمسؤوليات شعورا منهم بأنهم أمة فشلت في الالتزام بما طلب الله منهم الالتزام به على الرغم من إثبات وجوده لهم. ويعرج هنا على فكرة الأممية والعالمية للديانة اليهودية التي يعتبر فيها اليهودي نفسه جزءا من عائلة كبيرة.

 

الرسالة الرابعة: الرواية التاريخية والوجود

تأتي الرسالة موافقة ليوم ذكرى استقلال إسرائيل وهي الذكرى التي يحتفي فيها اليهود بانتقالهم من نمط العيش بالمخيمات إلى ناطحات السحاب في تل أبيب والتحول من نمط الكيبوتز الاشتراكي إلى دولة إسرائيل العظمى ذات السمعة السيئة بعد تبنيها سياسة المستوطنات في الضفة الغربية. ويعود بالقارئ إلى عام 1882 حينما وصلت أولى الجماعات الصهيونية عبر مرفأ يافا مخاطبا جاره الفلسطيني بأن الصليبيين والعثمانيين والإنجليز حينما جاءوا لهذه البلاد فشلوا لأنهم جاءوا كغزاة بينما نجح الصهاينة لأنهم عادوا إلى أرضهم». ويوضح أن نية الصهاينة كانت إعادة توطين اليهود لا الاستحواذ على أراضي الفلسطينيين وسلب ملكيتهم مستشهدا بما كتبه أحد القادة الصهاينة في الفترة التي سبقت قيام دولة إسرائيل زئيف جوبوتنسكي «الأقلية العربية ستتمتع بحقوق متساوية مع السكان اليهود».

ويحث عبر هذه الرسالة الفلسطينيين والإسرائيليين على احترام الرواية التاريخية لكل منهم وهو ما سيعبد الطريق نحو السلام. والملاحظ في هذه الرسائل أن هاليفي يتحدث من منطلق خبرته ومواجهاته مع الفلسطينيين كجندي إسرائيلي خدم أثناء الانتفاضة الأولى في الضفة وقطاع غزة.

يعود هاليفي هنا إلى التاريخ، مؤكدا أن الحرب ضد الحركة الصهيوينة بدأت في أعقاب الحرب العالمية الأولى إذ انتقلت المجازر بحق اليهود من روسيا القيصرية إلى أرض فلسطين وكان أشدها دموية مذبحة الخليل عام 1929 التي قتل فيها 69 يهوديا من يهود اليشاف على يد العرب بينما أنقذ عدد من العرب نحو 400 آخرين احتموا بهم، لافتا إلى أن تلك كانت نقطة تحول مهمة في العقلية الصهيونية التي بددت الاعتقاد بإمكانية التعايش المشترك بين اليهود والفلسطينيين وبعدها قرر بنغوريون وعدد من قادة الحركة الصهيونية الاستعداد لحرب طويلة الأمد مع العرب. كان تعداد اليهود في العالم العربي قرابة المليون يهودي. في ذاك الوقت أمضى أحد أبرز الزعماء الفلسطينيين الحاج أمين الحسيني وقته في ضيافة هتلر مخاطبا العالم الإسلامي بضرورة التحالف مع النازيين وإقناعهم بزيادة رقعة الإبادة الجماعية لليهود لتمتد لـ«الشرق الأوسط».

ويتابع إن العداء تأجج بعد عام 1947 حين صوتت الأمم المتحدة على قرار إقامة دولتين مستقلتين على أرض فلسطين والذي قوبل بالرفض من قبل الحركة الوطنية الفلسطينية وبعدها تعرض اليهود لهجوم من الفلسطينيين تبعه بعد 6 أشهر تدخل الجيوش العربية للقضاء على إسرائيل. أما عن تهجير الفلسطينيين بعد الحرب فيقول إن هناك من فروا وفقا لرغبتهم وهناك من فروا بعد طلب القادة العرب من الفلسطينيين إخلاء منازلهم للجيوش، وبعضهم يقول إن إسرائيل طردتهم من بيوتهم.

 

الرسالة الخامسة: ستة أيام وخمسون سنة

تبدأ الرسالة باستعادة المؤلف لذكرى يوم القدس الذي يوافق السابع من يونيو (حزيران) عام 1967 بعد حرب الأيام الستة والذي يحتفون فيه بتوحيد مدينة القدس، معبرا عن أسفه لقرار المحكمة العليا برفض التماس الحركات والمجموعات التي تدعو للتعايش بين العرب واليهود بتغيير مسار الاحتفال وتجنب الاحتفال في الأحياء العربية في هذا اليوم.

ويتابع سرد وقائع الحرب التي بدأت بشن المقاتلات الإسرائيلية هجوما على مقاتلات القوات الجوية المصرية، وفي الخامس من يونيو شن الجيش الأردني قصفا على الأحياء الإسرائيلية في القدس الغربية. يقول هاليفي إن إسرائيل اتخذت قرار احتلال البلدة القديمة وتحريرها من سيطرة الجيش الأردني، والتي أعقبها ترسيم حدود دولة إسرائيل. تتناول هذه الرسالة قضية المستوطنات التي اعتبرها هاليفي هجوما ضد أناس عادوا إلى مناطق سكناهم الأصلية إلى أن صوتت الأمم المتحدة عام 1975 على قرار يصف الحركة الصهيونية بأنها حركة تجسد شكلا من أشكال العنصرية بموافقة 72 دولة واعتراض 35 دولة.

إلا أنه في أعقاب انهيار الاتحاد السوفياتي والمعسكر الشيوعي الاشتراكي بأكمله بداية تسعينات القرن الماضي، صوتت الأمم المتحدة على قرار يبطل قرارها السابق وأقامت عشرات الدول علاقات دبلوماسية مع إسرائيل. ما دفع إسرائيل للمضي قدما تجاه مباحثات أوسلو للسلام. ويلمح إلى أن الشعب الإسرائيلي كان على استعداد للتنازل في سبيل الوصول للسلام إذا ما وجد اعترافا بدولته كما حدث عام 1977 بعد أن زار الرئيس المصري الراحل محمد أنور السادات القدس وأعقب ذلك الانسحاب الإسرائيلي الكامل من سيناء.

يتابع هاليفي رسائله التي تتضمن إلى جانب القراءة التاريخية للأوضاع في القدس نسيجا من الأحداث والذكريات الشخصية له وانطباعاته حينما وطأ إسرائيل لأول مرة وشعوره الدائم بالتمسك بالأرض التي كافح أجداده للوصول إليها، مع سرد كل ما يتعلق بلحظات عدم الأمان والخوف من تكرار الهولوكوست وإبادة إسرائيل.

يتحدث بعد ذلك عن مراوغة ياسر عرفات أثناء اتفاق أوسلو وتلاعبه بالإسرائيليين وهو ما عزز قناعة قطاع كبير منهم بأنهم كلما تنازلوا كلما تم تصعيد موجة العنف ضدهم من قبل الفلسطينيين.

 

الرسالة السادسة: اقتسام العدالة

تنطلق هذه الرسالة بنبرة يشوبها الكثير من عدم اليقين بالوصول لحل للانتهاء من هذه الدوامة، فهل يمكن لشعبين تقاتلا على مدار قرن أن يتوصلا للسلام؟، استنادا إلى الذاكرة الجمعية للجانبين معتبرا أن قرار حل الدولتين واقتسام الأرض أمر مؤلم للإسرائيليين وليس أمرا هينا، لافتا إلى أن اقتلاعهم من تلال يهودا والسامرة ومدينة الخليل سيكون بمثابة ألم تاريخي للأمة اليهودية. متسائلا كيف يمكن للفلسطينيين قبول قيام دولة فلسطين من دون يافا؟

ويأتي هاليفي بوجهة نظر يمكن أن تدفع إلى الحل السلمي هي اختيار أن يتم التقاتل لمدة مائة عام أخرى أو القبول بحل اقتسام الأرض.

 

الرسالة السابعة: اسحق وإسماعيل

تبدأ الرسالة بمظاهر حلول عيد الأضحى المبارك متخذا مدخل الأمور المشتركة بين اليهود والمسلمين والانتماء إلى الأب ذاته إبراهيم الخليل عليه السلام. ويتناول فيها أهمية مدينة الخليل للديانتين ويروي أحداث مجزرة الحرم الإبراهيمي التي نفذها باروخ غولدشتين مستنكرا تدنيسه للحرم وقتل 29 فلسطينيا وإصابة العشرات، محاولا تنبيه القراء إلى أن احترام العقائد من شأنه أن يبدد الكراهية ويكبح مشاعر الحقد، فلم يفلح الكثير من اليهود في فهم العمق الديني للمسجد الأقصى وكذلك المسلمون تجاه جبل الهيكل، ثم يستطرد في شرح الروايتين اليهودية والإسلامية لقصة إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام.

 

الرسالة الثامنة: التناقض الإسرائيلي

يكشف هاليفي عن مخاوفه من تبعات الجدار العازل على الأجيال القادمة من الفلسطينيين والإسرائيليين نتيجة اقتصار الاحتكاك المباشر وتضاؤله على عكس ما كان متاحا قبل الجدار أي ما قبل عام 2000 فقد حظي كلا الطرفين بفرصة التواصل الإنساني.

ويستطرد هاليفي في شرح طبيعة المجتمع الإسرائيلي المعاصر باعتباره يمثل دولة علمانية قائمة على أرض مقدسة، فالتناقض في بنية المجتمع الإسرائيلي ناتج عن اتحاد المجتمعات اليهودية التي كانت متفرقة في الشتات وهجرة اليهود من شتى أنحاء العالم. ويضرب مثلا بنفسه كيهودي نشأ في نيويورك في الستينات من القرن الماضي جلب معه قيم التعددية من نمط الحياة الأميركية، مقدما النموذج العكسي لليهود الذين يتحدرون من أصول سوفياتية الذين نشأوا على قيم الاضطهاد الممنهج، ثم يتناول التناقضات التي تولدت مع وجود عرب 48 وما تبعها من سلوكيات مجتمعية وممارسات سلوكية نابعة من هوية «الإسرائيلي الفلسطيني».

 

الرسالة التاسعة: الناجون والضحايا

تستهل الرسالة بذكرى المحرقة (الهولوكوست) ويعود ليذكر جاره الفلسطيني بأن الدولة الإسرائيلية لم تقم نتيجة عقدة الذنب لدى الغرب تجاه اليهود في أوروبا وإنما تستمد شرعيتها من العقيدة اليهودية وارتباطها المتجذر بهذه الأرض.

في هذه الرسالة يكشف للأجيال الجديدة المبادئ التي قامت عليها الدولة الصهيونية، ألا وهي التركيز على عيوب وأخطاء الشخصية اليهودية وإصلاحها، وعدم الالتفات للماضي والمضي قدما، بل إنهم يحملون أنفسهم الكثير من المسؤولية تجاه ما حدث لهم في الشتات جراء سلبيتهم. مؤكدا أن كره إسرائيل لعقلية الضحية وراء وجود إسرائيل اليوم.

في سياق السرد يكشف هاليفي أن والده أحد الناجين من الهولوكوست ونرى عبر السطور أن الهلع والخوف يتملكه من مجرد تذكر وقائع ما حدث لليهود في ظل تخلي البشرية عنهم.

 

الرسالة العاشرة: خيمة في طرف الصحراء

يكتب هاليفي الرسالة العاشرة والأخيرة مع ذكرى عيد العرش (السوكوت) وهو العيد الذي يحيون فيه ذكرى رحلة اليهود من صحراء سيناء إلى أرض الميعاد مصطحبين معهم أكواخا وخياما تقيهم من قسوة الصحراء، وهم ينصبون الخيام أمام بيوتهم لمدة أسبوع ويعيشون فيها كأحد مظاهر هذا العيد. وكل أسرة تزينها بما تراه مناسبا أما هو فيزينها بأيات قرآنية وأعلام من التبت ورموز يهودية، فالخيمة هنا رمز للفناء وهشاشة الحياة الدنيا.

يتأمل هاليفي من خيمته الأوضاع حوله فيجد نفسه بغير مأمن واصفا أحوال منطقة الشرق الأوسط بين الركام والخراب، فها هي سوريا تبدو كالمقبرة، وها هو العراق يلتهم نفسه بنفسه، بينما الديكتاتور التركي يقمع ويعذب صفوة أبناء مجتمعه، فيما اليمن يتضور جوعا. وبينما أنظر إلى حجم الخراب المحيط بنا، أحدث نفسي متسائلا: أي مستقبل ينتظر شعبينا على هذه الأرض يا جاري العزيز؟

ويلقي نظرة على العالم والمخاطر المحدقة بالبشرية من كوارث بيئية ونووية وتكنولوجية يدرك أن البشرية قادرة على تدمير نفسها. وينهي رسالته بتساؤلات من بينها: ما هي مسؤوليتنا كبشر استأمنهم الله على أرض شهدت واحدا من أعقد الصراعات وأشدها استعصاء خلال فترة زمنية تعد من أشد فترات التاريخ خطورة؟

التزم يوسي هاليفي في كتابه الحياد في طرح نقاط التعصب لدى الجانبين، ووقوعهما في دوامة التجاهل المتبادل ودوامة الخرائط والوثائق التاريخية معلقا أمله الأخير على الجوانب الروحانية الصوفية التي تجمع بين أحفاد إسماعيل وإسحاق. لذا يعد من الكتب المرجعية لقراءة تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي ويمهد لفهم مستقبله في ظل المستجدات التي تعصف بالمنطقة العربية الآن.

 



الكاتب يوسي كلاين هاليفي


اشترك في النقاش