«شحنات القتل»

صادرات السلاح التركي إلى ليبيا
* تدفقت مؤخراً أحدث شحنات السلاح من ميناء سمسون في شمال تركيا إلى ميناء طرابلس في ليبيا، وشملت مجموعة متنوعة من الذخائر والأسلحة، بالإضافة إلى نحو 40 مدرعة تركية الصنع من نوع BMC كيربي المضادة للألغام
* أوضح الموقف التركي طبيعة السياسات القائمة على تعزيز الصراعات لا طرح التسويات من خلال دعم الفواعل من غير الدول والقوى ذات التوجهات الراديكالية
* خصصت الحكومات التركية ما متوسطه 1.3 مليار دولار من الموازنة السنوية العامة للصناعات العسكرية
* تستخدم تركيا أدوات كثيرة، لدعم شرعية سلطة «الحكم الإردوغاني»، ومنها دعم جماعة الإخوان المسلمين، التي تستضيف أنقرة الكثير من عناصرها وقياداتها، وترتبط معها بروابط آيديولوجية وعلاقات تاريخية
* دعم أنقرة العسكري للجماعات الراديكالية بـ«شحنات الموت» سيظل تجارة تركيا الرائجة رغم كونها تجارة محرمة دولياً ومحظورة

 

أنقرةسياسات تركيا لا تنقطع نحو دعم الجماعات الراديكالية على مختلف الساحات الإقليمية. فلا تكف ولا تهدأ حركة السلاح المتدفق عبر الموانئ التركية إلى ساحات الجوار المصابة «بفيروس الصراعات». الأراضي الليبية تمثل أحد مسارح العمليات التي لا تزال تعاني من كثافة انتشار السلاح التركي بين أيدى التنظيمات والميليشيات المسلحة، فيما يمكن أن نطلق عليه «تجارة السلاح» الرائجة، التي تدعمها تركيا وتعزز مظاهرها توثيقا لمصالحها وترسيخا لركائز تواجدها على ساحات الجوار، متجاوزة في ذلك قرارات أممية تحظر وتجرم تصدير السلاح إلى الأراضي الليبية بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة.

تدفقت مؤخرا أحدث شحنات السلاح من ميناء سمسون في شمال تركيا إلى ميناء طرابلس في ليبيا، وشملت مجموعة متنوعة من الذخائر والأسلحة بالإضافة إلى نحو 40 مدرعة تركية الصنع من نوع BMC كيربي المضادة للألغام. جاءت هذه الشحنة عبر سفينة أطلق عليها «AMAZON» وترفع علم مولدوفا، وهي لم تحمل السلاح وحده، وإنما «رسائل مشفرة» لأطراف عدة، مضمونها يتمحور حول أن تركيا باتت طرفا رئيسيا في الصراعات الدائرة على الأراضي الليبية بين الجيش الوطني والميليشيات التابعة لحكومة الوفاق، سيما أن الإعلان عن وصول الشحنة التركية جاء بعد أيام معدودة من عمليات الجيش الوطني الليبي لتحرير مدينة طرابلس من قبضة الجماعات الإرهابية، والتي أغضبت الرئيس التركي ليعلن انحيازه ودعم بلاده لحكومة فايز السراج.

أوضح الموقف التركي طبيعة السياسات القائمة على تعزيز الصراعات لا طرح التسويات من خلال دعم الفواعل من غير الدول والقوى ذات التوجهات الراديكالية. فكانت شحنة تركيا العسكرية إلى «لواء الصمود» الليبي، الذي يقوده القيادي العسكري المعروف من مدينة مصراتة والمعاقب دوليا، صلاح بادي، والذي نشر صورا وشريط فيديو يظهر لحظة إنزال السفينة لشحنتها من المدرعات والآليات المسلحة.

 

«سوابق» تركيا

أصدرت حكومة الوفاق بيانا أكدت فيه أن شحنة الأسلحة التركية «تعزّز قواتها بمدرعات وذخائر وأسلحة نوعية». ونشر المكتب الإعلامي لعملية «بركان الغضب»، وهي التسمية التي أطلقت على الهجوم المضاد لقوات حكومة الوفاق، صورا لعشرات المدرعات على أحد أرصفة ميناء طرابلس. هذه الصور قد يكون أهم ما كشفت عنه توضيح أنماط السياسات التركية حيال الصراعات التي تعج بها الساحة الإقليمية. ففي سبتمبر (أيلول) 2015 ضبطت السلطات اليونانية سفينة تركية محملة بالأسلحة كانت تتجه إلى ليبيا، حين داهم زورق تابع لخفر السواحل السفينة التي أبحرت من ميناء الإسكندرونة التركي - إلى ميناء هيراكليون على جزيرة كريت اليونانية.

وفي يناير (كانون الثاني) 2018 ضبط خفر السواحل اليونانية أيضا سفينة تركية محملة بالمتفجرات كانت متجهة إلى ليبيا. وأشارت بيانات تأمين السفينة إلى أنه جرى تحميل ما عليها من مواد في ميناءي مرسين والإسكندرونة التركيين، وأن الربان تلقى أوامر بالإبحار إلى مدينة مصراتة الليبية، لتفريغ الحمولة بأكملها. وفي شهر ديسمبر (كانون الأول) 2018 وصلت سفينة تركية إلى ميناء الخمس البحري، محملة بالأسلحة والذخائر. وجاءت حادثة سفينة «أمازون»، استكمالا للنهج الذي تبنته تركيا حيال ليبيا، والمتمثل في تمويل ومساندة الميليشيات بالأسلحة والذخائر والآليات.

 

الترويج لمنظومات التسلح التركية

ترتبط سياسة تركيا الخارجية بحسابات سياساتها الداخلية، والتي لا تتعلق وحسب بطبيعة معادلة الحكم والرغبة في البقاء في السلطة، وإنما ترتبط أيضا بحسابات بعض العناصر الفاعلة في النظام التركي والمتداخلة بعلاقات نسب مع الرئيس التركي والمالكة لشركات تصنيع سلاح. وقد تلقت بعض هذه الشركات ضربة موجعة مؤخرا بسبب قيام الجيش الوطني الليبي بإسقاط طائرة حربية تركية من دون طيار، في حادثة كشفت عن عيوب مفصلية تعاني منها صناعة السلاح التركية، بما تطلب تدخلا سريعا لمعاقبة الجيش الليبي، وتأكيد جدارة السلاح التركي عبر إرسال الشحنات العسكرية، والتي ترافقت لأول مرة مع تغطية إعلامية واسعة.

ووفق وسائل إعلام ليبية، فإن الطائرة كانت تابعة للكلية الجوية بمصراتة، وقد أسقطت فور دخولها المجال الجوي ‏لقاعدة الجفرة الجوية، في قلب الصحراء الجنوبية. وتحظى مشاريع الصناعات الدفاعية التركية، باهتمام منذ منتصف ثمانينات القرن الخالي، وقد خصصت الحكومات التركية ما متوسطه 1.3 مليار دولار من الموازنة السنوية العامة للصناعات العسكرية، وبلغت نسبة الواردات العسكرية 30 في المائة من مجمل احتياجات تركيا، بينما بلغت نسبة الإنتاج المشترك من الأسلحة مع شركات أجنبية 65 في المائة.

وأشارت تقديرات، إلى أن شحنة السلاح التركية الأخيرة إلى ليبيا، تأتي نتيجة صفقة أبرمها وزير الداخلية في حكومة السراج، فتحي باشا آغا، ورئيس المجلس الأعلى للدولة في ليبيا، خالد المشري، خلال زيارتهما الأخيرة إلى تركيا، التي اجتمعا خلالها مع الرئيس التركي، الذي كان قد أكد في أكثر من مناسبة على أن بلاده تنوي الامتناع بشكل تام عن استيراد منتجات الصناعات الدفاعية بحلول عام 2023. وقال خلال افتتاحه معرض المنتجات العسكرية (IDEF) في إسطنبول: «حين بدأنا نشاطنا السياسي عام 2002، بلغ اعتماد تركيا على المعدات العسكرية المستوردة 80 في المائة، والآن ننتج بأنفسنا 54 في المائة منها، لكن هدفنا بحلول عام 2023 أن نتخلص بشكل كامل من استيراد الصناعات العسكرية».

 

دعم جماعة الإخوان المسلمين

تستخدم تركيا أدوات كثيرة، لدعم شرعية سلطة «الحكم الإردوغاني»، ومنها دعم جماعة الإخوان المسلمين، التي تستضيف أنقرة الكثير من عناصرها وقياداتها، وترتبط معها بروابط آيديولوجية وعلاقات تاريخية. وتنظر تركيا إلى هذه العلاقة بحسبانها إحدى أدوات مراكمة النفوذ وتعاظم دورها الإقليمي. لذلك فإن التحرك على الساحة الليبية يأتي في وقت تعاني فيه جماعة الإخوان بسبب عمليات الجيش الوطني الليبي العسكرية في مدينة طرابلس.

وتدرك القيادة التركية أن تحقيق نصر في طرابلس، التي تمثل آخر معاقل الإخوان في ليبيا، يعني نهاية الهيمنة على القرار السياسي والمالي في ليبيا، ومن ثم عدم القدرة على استخدام الملف الليبي كورقة مساومة في مواجهة جوار ليبيا الجغرافي، وقد يعني ذلك أيضا عدم قدرة الرئيس التركي على الجلوس على مائدة مفاوضات تحديد مستقبل ليبيا، أو حتى الاستفادة من عقود إعادة الإعمار المحتملة. لذلك، تصر الحكومة التركية على ممارسة دورها من خلال الاستمرار في تسليح ميليشيات حكومة الوفاق الليبية، ضاربة بعرض الحائط جميع الدعوات لوقف تسليح التنظيمات الراديكالية، سيما بعد تعرض تيارات الإسلام السياسي لهزائم متتالية في المنطقة، سيما في السودان ومن قبلها في مصر.

 

الضغط على الجيش الوطني الليبي

حقق الجيش الوطني الليبي خطوات ملموسة في إطار تشكل عقيدته القتالية، وعمل على تعزيز هياكله وتعظيم قدراته وإمكانياته العسكرية، على نحو يسهم في الحفاظ على تماسكه ويدعم توجهاته لتوحيد إدارة البلاد والقضاء على بؤر الإرهاب والتطرف، ومجابهة الميليشيات المسلحة التي باتت تمتهن القتال وتمارس الإرهاب، وهو الأمر الذي بات يفاقم من مخاوف تركيا من تصاعد قوة وحضور الجيش الليبي، وما يمثله ذلك من ارتدادات على حضور تركيا على الساحة الليبية.

وفي هذا السياق، قال المتحدث باسم الجيش الليبي اللواء أحمد المسماري إن أسلحة وطائرات تركية مسيرة (درونز) وصلت إلى أيدي ميليشيات طرابلس. وأوضح المسماري أن «استخدام هذه التقنيات يحتاج إلى وقت كبير من الإعداد والتدريب والتجهيز، لكن دخول هذه الطائرات في غضون مدة قليلة ميدان المعارك يوحي بأن ثمة عناصر تركية أشرفت على تسيير هذه الطائرات». وأضاف: «تركيا تدخل في المعركة بشكل كبير جدا».

في مقابل ذلك، قال خالد المشري، إن حكومة الوفاق ستسعى بكل قوتها للحصول على السلاح من تركيا، وذلك في ظل الصراع مع قوات الجيش الوطني الليبي. وكان الرئيس التركي قد قال، خلال الاجتماع التشاوري والتقييمي الـ28 لحزبه في أنقرة، إن ليبيا باتت تشكل مسرحا لـ«سيناريوهات مظلمة تستهدف أمن المنطقة». وعلق على ذلك، أرنو دولالند مستشار شؤون الدفاع قائلا: «يبدو أن تركيا تتحمل كليا مسؤولية ذلك». وأضاف أن «تسليم دبابات أردنية الصنع للجيش الوطني الليبي يثبت أن أيا من الطرفين غير مستعد للتراجع»، مشيرا إلى حرب استنزاف طويلة تعد السيناريو المرجح في ليبيا. هذا فيما أكد وولفرام لاشر الباحث في المعهد الألماني للسياسة الدولية والأمن أن «دعم تركيا للقوات التابعة لحكومة الوفاق سيسهم في تعزيز التوتر والصراع في ليبيا».

وفي تقريرها الأخير أشارت مجموعة خبراء الأمم المتحدة إلى أن «عددا أكبر من آليات مدرعة للمشاة وشاحنات بيك آب مجهزة برشاشات ثقيلة ومدافع غير مرتدة وقذائف هاون وراجمات صواريخ» وصلت إلى ليبيا. وفي ضوء تدفق السلاح التركي على ليبيا أعلن الجيش الليبي فرض حظر بحري على الموانئ الواقعة غرب البلاد، في خطوة تهدف إلى منع وصول الأسلحة وقطع الإمدادات العسكرية للميليشيات المسلحة في العاصمة طرابلس.

وبدأت قوات الجيش الوطني الليبي بتسيير دوريات بحرية لضرب سفن تركيا العسكرية. وقالت شعبة الإعلام الحربي التابعة للقيادة العامة للجيش في بيان، إنه «تطبيقا لقرار القائد العام للجيش خليفة حفتر بقطع الإمدادات عن الميليشيات في المنطقة الغربية، قرر رئيس أركان القوات البحرية اللواء، فرج المهدوي، إعلان حالة النفير لكامل القوات البحرية وإعلان الحظر البحري التام على كامل الموانئ البحرية في المنطقة الغربية».

 

توظيف ليبيا كمدخل لأدوار تركيا في أفريقيا

تسعى تركيا إلى تعزيز وجودها على الساحة الأفريقية عبر توظيف السلاح كأداة لدعم النفوذ. وذلك في استنساخ تكتيكات تنوعت وتعددت في دعم ومساندة الفواعل من دون الدول على مسرح عمليات الشرق الأوسط. فقد برز ذلك على نحو خاص في أنماط العلاقات والتشابكات التي جمعت أنقرة مع مجموعة متنوعة من الجماعات الجهادية التي انتشرت على كثير من مسارح عمليات المنطقة بعد عام 2011.

ولم يكن السلوك التركي موجها في جوهره لساحة من دون غيرها، وإنما امتد وطال الجميع ابتداء من مصر مرورا بليبيا وسوريا والعراق والصومال والسودان. ففي سوريا استخدمت تركيا دعمها للميليشيات والجماعات الراديكالية للحصول على المقابل من جماعات تضخمت عوائدها المالية من جراء عمليات تهريب النفط والآثار عبر الحدود وهي المواد التي لقيت رواجا في السوق التركية، وتورط فيها وسطاء مثلوا مسؤولين أتراكا.

وحصلت تركيا في مقابل دعمها لهذه الجماعات أيضا على نفوذ غير مسبوق، كما حدث في الصومال عبر إقامة أكبر قاعدة عسكرية خارج البلاد، دون تكلفة مالية تذكر، حيث وفرت أنقرة دعما متنوعا لعناصر في «حركة الشباب» التي غضت الطرف عن الانتشار الواسع للثقافة التركية في المجتمع الصومالي. كما وظفت دعمها للجماعات الليبية المسلحة للضغط على دول الجوار، وتوسيع رقعة نفوذها في دولة غنية بالنفط وارتبطت تركيا معها من قبل بمصالح تجارية واقتصادية ضخمة.

وتشير تقديرات إلى قيام تركيا بالمساهمة في عمليات نقل العشرات من العناصر الإرهابية من سوريا إلى ليبيا، وذلك بالموازاة مع نقلها أنواعا من الأسلحة الخطيرة. وحسب اللواء المسماري فإن تركيا تستخدم ليبيا كوسيلة للتغلغل في القارة الأفريقية، لتصل إلى منظمات إرهابية مثل بوكو حرام، وتنظيمات إرهابية أخرى في أفريقيا، ونبّه المسماري الأوروبيين من الدورين التركي والقطري في علاقتهما بالإرهاب وبدعم الإخوان المسلمين، مؤكدا أن الجيش الليبي يخوض منذ 2014 حربا نيابة عن كامل المنطقة والقارة الأفريقية والعالم.

 

تنسيق أهداف محور تركيا - قطرإيران

يتوافق الدعم التركي للميليشيات والجماعات الراديكالية مع سياسات كل من قطر وإيران، اللتين تنتهجان ذات التكتيكات لدعم النفوذ على مسرح العمليات الإقليمي. وعلى سبيل المثال، فإن المدرعات التي أرسلتها تركيا لليبيا هي ذاتها التي تستخدمها تركيا في سوريا وتمد بها الميليشيات التابعة لها. هذا في حين عثر الجيش الوطني الليبي على أسلحة قطرية كانت بحوزة الميليشيات الإرهابية.

وقد نشر مركز الدراسات السويدي «نورديك مونيتور» تقريرا كشف فيه أن شركة «بي إم سي» يديرها رجل الأعمال إيثام سانجاك، وهو عضو في الهيئة التنفيذية لحزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا. وأكد المركز أن قطر اشترت مصنعا للدبابات تابعا لهذه الشركة، من دون أي عطاءات تنافسية أو عملية شفافة، حيث باتت القوات المسلحة القطرية تملك 49.9 في المائة من أسهم الشركة المذكورة.

على جانب آخر، أعلن اللواء المسماري عن وصول أسلحة إيرانية إلى ميليشيات طرابلس، و«ظهور صواريخ 302 الإيرانية في المعارك». وكان النائب العام الليبي قد أمر في مطلع مايو (أيار) الحالي بحجز سفينة إيرانية في ميناء مصراتة، بعد التأكد من أنها على قائمة العقوبات الأميركية. وعلق على ذلك المتحدث باسم الجيش الليبي بقوله إن السفينة مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني.

وأظهر مقطع فيديو مسرب التقطه أحد موظفي ميناء مصراتة، ما قال إنها 20 ألف صاروخ، يعتقد أنها حمولة السفينة الإيرانية. وتخضع مصراتة لسيطرة مجموعة من الميليشيات التي تتحالف مع جماعات مسلحة أخرى في طرابلس، تواجه جميعها قوات الجيش الوطني الليبي الذي أعلن في أبريل (نيسان) الماضي معركة «طوفان الكرامة» لتخليص العاصمة من قبضة الجماعات المسلحة التي تسيطر عليها.

 




عربات مدرعة تركية الصنع في ميناء طرابلس

 

الضغط على الجوار الجغرافي لليبيا

تعي تركيا أن استقرار ليبيا وسيطرة الجيش الوطني على طرابلس من شأنه أن يدعم استقرار الدولة المصرية، ويسهم في تخفيض منسوب مصادر التهديد التي تأتيها عبر الحدود الغربية، لذلك أسرعت في تقديم شحنة الأسلحة للميليشيات التابعة لحكومة الوفاق على نحو استهدفت منه إعادة ضبط توازنات القوى بين الفواعل الرئيسيين، بعدما كادت قوات الجيش الليبي تجتاح ميدان طرابلس العسكري. ورغم القرار الدولي رقم 1970 الصادر عن مجلس الأمن في مارس (آذار) 2011. والذي طالب جميع الدول الأعضاء بالأمم المتحدة بمنع بيع أو توريد الأسلحة ومتعلقاتها إلى ليبيا، بجانب القرار 2420. الذي يسمح للدول الأعضاء بتفتيش السفن المتجهة إلى ليبيا أو القادمة منها بهدف التصدي لوصول السلاح إلى الجماعات الراديكالية في ليبيا، إلا أن الواقع على الأرض كان أمرا مختلفا، سيما من قبل الجانب التركي.

ذلك أن شحنات السلاح التركي لم تتوقف عن التدفق إلى أراضي ليبيا. ففي شهر فبراير (شباط) الماضي أعلنت سلطات الجمارك الليبية مصادرة شحنة أسلحة في ميناء الخمس البحري وقالت إن مصدرها تركيا، وكان قوامها مدرعات قتالية وسيارات دفع رباعي وذلك بعد أسابيع من إحباط دخول شحنة تركية أخرى إلى ليبيا عبر ميناء مصراته. ويذهب دعم تركيا العسكري بشكل مباشر وأولي إلى كتائب مصراته وقوات الدرع المشتركة الليبية.

وتشير تقديرات إلى أن تنامي قدرات الجيش الوطني الليبي على الصعيد العملياتي ومستوى الدعم والإسناد الجوي، بات يدفع تركيا إلى مد حلفائها بأسلحة تكتيكية مضادة للطائرات. كما أنها قد تمد حكومة الوفاق والقوات المتحالفة معها بأسلحة هجومية متطورة ومدفعية ثقيلة لمواجهة الدعم الجوي الذي تلقاه قوات الجيش الوطني الليبي.

 

المواقف الدولية

المواقف الدولية من تجارة تركيا الرائجة عبر دعم الميليشيات الليبية بالسلاح لم تكن بالحزم الكافي لكي تراجع أنقرة مواقفها على نحو مطلق. ومع تصاعد الجدل دوليا حول أنماط التورط التركي في هذه التجارة غير المشروعة، وآلياتها، خصصت كثير من الجهات الأكاديمية جهدا لتوثيق السياسات التركية حيال كثير من الساحات المكتظة بالعناصر الإرهابية. وقد قام برنامج «بناء السلام وحقوق الإنسان» في جامعة كولومبيا، بإعداد تقرير لتقييم طبيعة العلاقات بين تركيا وتنظيم داعش.

وقد أوضح التقرير قيام جهات تركية بتوفير المعدات العسكرية لتنظيمات إرهابية، ورصد كثير من الأدلة، منها قيام وسطاء بتمويل شحنات أسلحة تم تهريبها عبر رحلات طيران كانت متوجهة إلى دول أوروبية، ولكنها هبطت في مطار Etimesgut التركي، وهناك انقسمت محتويات الشحنة على عدد من الحاويات، تم إرسال اثنتين منهما إلى داعش، والثالثة إلى غزة.

وقد تحدث أحد قادة داعش لجريدة «واشنطن بوست» حول قدوم معظم مقاتلى داعش إلى سوريا وليبيا عبر تركيا وكذلك المعدات والإمدادات العسكرية. وذكرت وكالة «CNN Turk» أن هناك عدة مناطق في قلب إسطنبول أصبحت بقعا تجمع العناصر الجهادية وتدربها، وهو الأمر الذي يتضح من خلال عدة مقاطع فيديو تم وضعها على موقع دعائي باللغة التركية تابع لداعش «takvahaber.net».

وقد أكدت تقديرات أمنية أن قوات الشرطة التركية كان في مقدورها إيقاف هؤلاء الإرهابيين، ولكنها لم تفعل. وهو الأمر الذي دفع عددا من نواب البرلمان التركي إلى تقديم أسئلة لوزارة الداخلية حول مدى صحة وجود معسكرات للجهاديين في تركيا، وإذا ما كانت تلك المعسكرات تشهد أعمالا تدريبية بالفعل. ووفقا لتحليل الأكاديمية العسكرية الأميركية «ويست بوينت» (West Point) لأكثر من 4.600 من تسجيلات عناصر داعش، فإن 93 في المائة من المقاتلين الأجانب المسجلين قد دخلوا إلى سوريا عن طريق 6 مدن حدودية مختلفة: يايلاداغي، وأتميا، وأعزاز، والري، وجرابلس، وتل أبيض.

وقد كشفت حادثه إسقاط تركيا للمقاتلة الروسية SU - 24 في نوفمبر (تشرين الثاني) 2015، عن الكثير بشأن تجارة تركيا مع التنظيمات الإرهابية، فاتهمت وزارة الدفاع الروسية عائلة الرئيس التركي إردوغان بالتورط بشكل مباشر في تجارة النفط مع التنظيمات الإرهابية. وقال: أناتولي أنتونوف، وكيل وزارة الدفاع الروسية، إن تركيا مثلت أكبر مشترٍ للنفط المهرب. وأوضح أن عائدات الاتجار غير الشرعي بالنفط مثلت ملايين الدولارت يوميا. وقال إنتونوف: إن التدفقات الناتجة عن الاتجار بالنفط موجهة ليس إلى زيادة ثروة القيادة السياسية والعسكرية في تركيا فحسب، بل يعود جزء من تلك الأموال بشكل أسلحة وذخيرة ومرتزقة جدد في سوريا.

وثمة مؤشرات على أن تجارة السلاح التركية مع الجماعات الجهادية تخطت حدود سوريا وقد شملت كثيراً من الدول والجماعات وأغلبها جاء عبر شحنات قدمت عبر البحر، وقد أشارت تقديرات إلى أن السلطات المصرية قد ضبطت كثيراً من الشحنات التي جاءت داخل حاويات تجارية، وكذلك عبر الحدود الجنوبية والغربية، سيما بعد سقوط حكم الإخوان.

وقد حملت السلطات الليبية تركيا مسؤولية تدهور الأوضاع الأمنية في البلاد بسبب شحنات الأسلحة التي قدمتها للجماعات الإرهابية. واحتجزت ليبيا الكثير من شحنات الأسلحة التي كانت توجد داخل حاويات ومصدرها تركيا. وأطلق مسؤولو ليبيا على شحنات تركيا من الأسلحة «شحنات الموت».

وحاولت تركيا في يناير 2018 تهريب 500 طن من المتفجرات إلى مدينة مصراتة الليبية، لكن يقظة السلطات اليونانية كانت سببا في إحباط عملية تهريب أضخم كمية من المتفجرات والصواريخ إلى ليبيا، وتبين حينها أن ثمة سفينة حملت الحاويات من ميناءي مرسين والإسكندرونة، وكانت متجهة إلى مدينة مصراتة الليبية حسب ما قال ربانها لخفر السواحل اليوناني بعد ضبطه.

ووفق تقرير منظمة Small Arms Survey، فإن تركيا باتت إحدى النقاط الساخنة في الشرق الأوسط لبيع الأسلحة غير المشروعة عبر الإنترنت. ولفت الموقع إلى أن عمليات تتبُع 1346 محاولة بيع لأسلحة عبر شبكة الإنترنت أظهرت أن تجارة قطع الأسلحة تتم بواسطة تطبيقات الهواتف المحمولة، ومواقع التواصل الاجتماعي. وأوضح أنه تم العثور على أسلحة من 26 دولة، في مقدمتها بلجيكا، وتركيا ضمن عروض البيع التي تتبعت مصدرها وحددت مسارات تحركها.

وقامت تجارة السلاح الرائجة بين تركيا والجماعات الإرهابية عبر الإقليم على تحقيق المصالح المتبادلة فالسلاح مقابل النفط في الحالة السورية، والسلاح مقابل النفوذ في الحالة الصومالية، والسلاح مقابل المال والنفوذ على الساحة الليبية، والسلاح مقابل المال عبر وسطاء كانت طريقة التحرك حيال الكثير من المناطق التي استهدف أمنها واستقرارها لتحقيق مصالح الحكم التركي حيال بعض الحالات، كالحالة المصرية بعد يونيو (حزيران) 2013. بما يوضح أن دعم أنقرة العسكري للجماعات الراديكالية بـ«شحنات الموت» سيظل تجارة تركيا الرائجة رغم كونها تجارة محرمة دوليا ومحظورة.

 


اشترك في النقاش