حفيدة الشيخ محمد رفعت لـ«المجلة»: عندما فتحوا خزينة جدي بعد رحيله وجدوا فيها ساعة ومصحفاً و«روشتة» علاجه

ما زال صوته مرتبطاً بشهر رمضان رغم مرور 69 سنة على رحيله

* الملك فاروق كان يحرص على دعوة جدي لإحياء ذكرى وفاة والده الملك فؤاد سنوياً

* البرنس محمد علي ابن عم الملك محمد فاروق هو الذي أقنع الشيخ محمد رفعت بقراءة القرآن بالإذاعة المصرية عند افتتاحها عام 1934

* الشيخ رفعت كان يذهب يوم الجمعة إلى حديقة الحيوان ليستمع إلى زئير الأسد!

* الموسيقار عبد الوهاب كان يجلس على الأرض عندما يبدأ جدي في قراءة القرآن، وأم كلثوم كانت تأتي لحرملك المسجد للاستماع إليه

* الشيخ الشعراوي كان يأتي مبكراً قبل الزحام لحجز مكان قريب من الشيخ رفعت في مسجد فاضل

* طلعت حرب أهدى خزينة في بنك مصر لجدي والنحاس باشا كان صديقه

* هذه هي حكاية ضابط الحرب العالمية الكندي الذي أسلم على يد جدي الشيخ محمد رفعت

* رفض عرضاً مادياً مغرياً من مهراجا هندي ولم يسافر خارج مصر أبداً

* لا يوجد سوى 3 تسجيلات إذاعية فقط للشيخ رفعت وباقي ما نسمعه هو تسجيلات منزلية سجلها له زكريا باشا مهران

* هذه هي حقيقة الاستعانة بصوت الشيخ أبو العينين شعيشع في بعض تسجيلات الشيخ محمد رفعت

* عمي «أحمد» حفظ القرآن وأراد السير في طريق جدي ولكن المقارنة لم تكن في صالحه فتوقف

* الشيخ رفعت كان يمتلك مكتبة كبيرة مليئة بالكتب واسطوانات الموسيقى العالمية ويجيد استخدام الحسابات الفلكية

* جدي عاش بسيطاً ومات فقيراً وفضل الاستسلام للمرض الخبيث بعد أن رفض قبول أموال التبرعات التي جمعوها لعلاجه

* لدينا 30 ساعة جديدة من تراث الشيخ رفعت وكل ما نحتاجه هو استوديو حديث لمعالجة الاسطوانات القديمة

كشفت السيدة هناء حسين محمد رفعت عن علاقة جدها الشيخ محمد رفعت الطيبة بالملك فاروق والوطيدة برائد الاقتصاد المصري طلعت حرب مؤسس بنك مصر، كما أكدت واقعة إسلام طيار ومقاتل كندي من الحرب العالمية الثانية على يديه. وقالت حفيدة الشيخ محمد رفعت في حوار خاص لـ«المجلة» إن رئيس وزراء مصر السابق والسياسي الكبير مصطفى النحاس، والشيخ الشعراوي والموسيقار محمد عبد الوهاب كانوا يحرصون على الحضور للاستماع إلى صوت الشيخ رفعت. كما قالت إن أم كلثوم كانت تزور الشيخ رفعت في بيته كما كانت تحرص على التواجد بحرملك مسجد «فاضل» بحي السيدة زينب الشعبي للاستماع إلى قراءته للقرآن والاستفادة من طريقة نطقه للحروف والكلمات.

على الرغم من شهرته الكبيرة كقارئ للقرآن والتي تجاوزت حدود مصر بل والعالم العربي والإسلامي ووصلت للهند، وحرص كبار المشاهير في مختلف المجالات على التقرب منه، إلا أن الشيخ محمد رفعت رفض مغادرة بيته القديم الذي عاش فيه صباه وشبابه كما رفض ترك المسجد الصغير القديم الذي تعلم فيه قراءة القرآن الكريم.

لقد عاش الشيخ محمد رفعت في منزل بسيط قديم بشارع يحيى بن زيد بحي السيدة زينب الشعبي، وظل في بيته الذي خصص منه طابقا علويا للأسرة وطابقا آخر لمكتبه بالدور الأرضي بينما كان بينهما طابق خصصه للخلوة مع نفسه. لكن ظروف مرضه الصعبة أجبرته على تأجير هذين الطابقين بينما اكتفى بالطابق العلوي للعيش مع عائلته حيث لم يكن يتجاوز أجره الذي يتقاضاه من الإذاعة بعد توقفه خمسة جنيهات.

وعلى الرغم من مرور 69 عاما على رحيل الشيخ محمد رفعت إلا أن اسمه لا يزال يتردد بقوة في المحافل القرآنية. وتصادفت ذكرى وفاته التاسعة والستين، والتي توافق في نفس الوقت ذكرى ميلاده، أن تحل في شهررمضان الذي ارتبطت شهرته به وبصوته في قراءة القرآن حتى أصبح إحدى الأيقونات الرمضانية المحفورة في الذاكرة والوجدان. وبهذه المناسبة أجرت «المجلة» هذا الحوار مع السيدة «هناء» حفيدة الشيخ محمد رفعت.

وإلى نص الحوار...

 



هناء حسين محمد رفعت

 

* بداية نود أن نتعرف على أسرة الشيخ رفعت؟

- أنجب جدي الشيخ محمد رفعت أربعة أولاد وبنتا؛ هم عمي محمد الأكبر وكان بمثابة مدير أعماله، وعمي أحمد وعمتي بهية، ثم والدي حسين.

 

* في رأيك ما تفسيرك لاستمرار بقاء اسم الشيخ رفعت طيلة هذه السنوات رغم مرور 69 سنة على رحيله؟

- أظن أن السر في رهافة إحساسه وصوته الجميل الذي لا يوجد مثله، وأشعر بسعادة وفخر كبيرين أن جدي هو الشيخ رفعت، وكثيرا ما ينتابني إحساس الحرج والامتنان من الحفاوة التي ألقاها من الناس عندما يعلمون أنني حفيدته. وحتى الشباب الصغير يعرفونه ويسمونه «شيخ رمضان».

 

* ونحن في شهررمضان ماذا تشعرون كأحفاد الشيخ رفعت حينما تستمعون إلى أذان المغرب بصوته لحظة الإفطار؟

- طبعا مشاعر كثيرة مليئة بالحب والحنين والفخر، وكنا نتمنى أن يكون بيننا ولكننا نستشعر وجوده من خلال صوته كقارئ للقرآن.

 



الشيخ رفعت داخل المسجد

 

* ما سر ارتباط صوته بشهر رمضان؟

- لا شك أن ارتباط صوته بشهر رمضان المبارك هو هدية له من الله تعالى ليظل صوته مرتبطا بشهر كريم إلى قيام الساعة. وقد ارتبط المصريون بصوته في شهر رمضان منذ بدأ عمله كقارئ في الإذاعة المصرية وافتتاحه لها عام 1934.

 

* ما ذكرياتك عن الجد محمد رفعت وعاداته؟

- للأسف لم أحضره لأني ولدت بعد رحيله بقليل ولكن والدي حكى لي الكثير عن والده. لقد كان طيب القلب سريع البكاء خاصة وهو يتلو القرآن وكان عندما ينتهي من القراءة في الإذاعة تكون دموعه قد بللت وجهه فيقول له الإذاعي الكبير علي خليل: «هون عليك يا مولانا»، كما كان يبكيه صوت بكاء طفل صغير. وعندما كان يسير بصحبة عمي في الشارع كان كل الصبية والشباب الذين يتصادف وجودهم أو لعبهم في ذلك الوقت، يتوقفون مكانهم إجلالا لجدي. ومما أذكره أيضا عن جدي الشيخ رفعت حرصه على الذهاب مبكرا كل يوم جمعة إلى حديقة الحيوان قبل موعد الصلاة بفترة طويلة وكان يجلس عند بيت الأسود للاستماع لصوت زئير الأسد، وكان يقول: إنه يحب الاستماع إلى القرار في صوت الأسد للاستفادة به في التلاوات ويعتبره قرارا قويا.

 

* هل كان الشيخ رفعت يقوم بإحياء ذكرى وفاة الملك فؤاد والد الملك فاروق؟

- نعم كان جدي يذهب سنويا إلى قصر عابدين بدعوة من الملك فاروق لإحياء ذكرى والده الملك فؤاد.

 

* كيف كانت العلاقة بين جدك الشيخ رفعت والملك فاروق؟ وهل كان للشيخ رفعت أي تعليق على ما تردد آنذاك من انتقادات لحياة الملك فاروق والتي تأسست عليها ثورة يوليو؟

- سأحكي لك حكاية من والدي نفسه، عندما دق التليفون في الدور الأرضي حيث كان مكتب جدي ورد بابا على التليفون فكان الملك فاروق هو المتحدث ليسأل إن كان الشيخ رفعت سيحضر للقراءة في قصر عابدين! طبعا اهتز والدي من المفاجأة لكن جدي لم يحرك ساكنا وكان جالسا على السرير ولم يغادر مكانه وقال لوالدي: «قل له يا حسين إن شاء الله جايين». ولما بلغ والدي ذلك للملك فاروق عاد الملك وقال لوالدي «إن كان الشيخ رفعت تعبان ومش قادر ييجي فلا مشكلة» وهو طبعا يقول ذلك تأكيدا على عدم الإجبار ورفع الحرج عن جدي إذا ما أراد الاعتذار عن الحضور، فرد جدي وقال لأبي: «قل له إن شاء الله جايين». وهذا الموقف يوضح الاحترام الذي كان يتمتع به جدي من الملك فاروق وأنه لم يكن يذهب بأمر ملكي وإنما بالمحايلة والرجاء. وسمعت أن الملك فاروق كان يقيم موائد للفقراء ويطعمهم وهذا ما أعرفه. ورغم ذلك لم يكن جدي يبغي سكة الملوك والأثرياء وإنما كانت سكته مع الفقراء، وتحضرني واقعة غريبة تؤكد أن جدي كان ينحاز للفقراء مهما كلفه الأمر، أنه ذات مرة أخلف موعده مع الملك فاروق لإحياء ذكرى والده، وذلك لأنه فضل الذهاب لمأتم إحدى جاراته في حي السيدة زينب مما أغضب الملك فاروق منه لكنه لم يهتم. لقد ظل جدي في نفس الحي الشعبي الذي بدأ حياته فيه وحرص على استمرار بقائه في نفس مسجده القديم «مسجد فاضل» بمنطقة السيدة زينب بجوار المدرسة الخديوية وهو جامع صغير جدا وعتيق وما زال موجودا حتى الآن.

 



الملك فاروق

 

* وهل كان جدك الشيخ رفعت يستقبل المشاهير من عشاق صوته في هذا المسجد الصغير القابع داخل الحي الشعبي؟

- نعم كان الجميع يأتون إليه للاستماع لصوته الجميل، فتحول مسجد «فاضل» الصغير إلى مركز إشعاع ديني حيث التف حوله نخبة من مشاهير السياسة والاقتصاد بل والفن والموسيقى، حيث كان الموسيقار محمد عبد الوهاب يعتز بصداقته للشيخ رفعت وكان يقول: «أكون صديقه حتى يبدأ في قراءة القرآن فأتحول إلى خادم يجلس عند قدميه» من فرط عشقه لصوته. كما كانت أم كلثوم تزوره في البيت وتستمع إليه كما كانت تحرص على الذهاب لمسجد «فاضل» وتجلس في حرملك المسجد لتتمكن من الاستماع إليه وهو يقرأ القرآن لتستفيد منه في طريقة النطق ومخارج الألفاظ. وكان مصطفى النحاس باشا رئيس وزراء مصر والسياسي الكبير آنذاك، يحرص على التواجد معه كل يوم جمعة للاستماع لصوته وكذلك الشيخ محمد متولي الشعراوي حيث كان يحرص على الذهاب مبكرا لحجز مكان بالقرب من جدي. وقد سمعت الشيخ الشعراوي يقول: «كنت أستمع للشيخ رفعت كأزهري يلفت صوته نظري لمعاني أخرى للآيات الكريمة كانت غائبة عني وتظهر لي بالاستماع له».

 

* كيف وصل صوته لخارج القطر المصري؟

- رغم صعوبة الاتصالات وانغلاق العالم عما هو عليه الآن إلا أن شهرة جدي جابت الدول العربية والإسلامية وكانت تأتيه دعوات من كبار القادة والشخصيات في الخارج لإحياء ليالي دينية ورمضانية لكنه كان يرفض ولم يسافر خارج مصر أبداً طيلة حياته. ووصل صيته للهند، وأذكر أن مهراجا هندي يدعى «حيدر آباد» وجه له الدعوة لإحياء ليالي رمضان بالهند مقابل أجر مادي كبير يعادل 100 جنيه في اليوم - وكان مبلغا كبيرا جدا آنذاك - لكنه رفض وصمم على موقفه حتى بعد أن ضاعف المهراجا المبلغ ظنا منه أن جدي يرغب في رفع الأجر. وقد حاول الجميع إقناعه بالموافقة على هذا العرض بل إن الموسيقار عبد الوهاب حاول إقناعه وعرض عليه أن يرافقه في الرحلة لطمأنته وإقناعه، لكن جدي رفض تماما لأنه كان زاهدا في المال وفضل أن يظل مع الإذاعة المصرية مقابل 100 جنيها ولكن في الشهر وليس في اليوم.

 



الشيخ رفعت وابنه الأكبر

* إذا كان جدك رفض الأموال زهدا فيها، ألم يكن يفكر في هذه العروض من باب المساهمة بصوته في نشر الإسلام عالميا؟

- لقد اكتفى جدي بعمله في الإذاعة التي كانت الأولى من نوعها في المنطقة، وساهم عبرها من خلال صوته في نشر الإسلام وكل من كان يريده يأتي إليه في مسجده الصغير. ووصل صيته للأجانب أيضا وكان له الفضل في إسلام أحد جنود الحرب العالمية على يديه.

 

* كيف حدث ذلك؟

- حكى لي والدي أن ضابطا كنديا من جنود الحرب العالمية وكان يعمل طيارا عندما جاء لمصر شده الشيخ رفعت بعدما سمع صوته وهو يقرأ القرآن وسأل عن مكانه حتى ذهب إليه وأعلن إسلامه بين يديه.

 

* على ذكر الإذاعة، هل كان الشيخ رفعت حقا يرفض التسجيل للإذاعة أو العمل فيها قارئا للقرآن؟

- في البداية كان جدي الشيخ رفعت رافضا العمل في الإذاعة حتى أقنعه البرنس محمد علي ابن عم الملك محمد فاروق بقراءة القرآن بالإذاعة المصرية عند افتتاحها عام 1934 ووافق جدي بعد أن استفتى الفقهاء في ذلك. وعندما عرض عليه بعد ذلك تسجيل قراءته للقرآن بصوته كان مترددا لأن هناك أشخاصا استغلوا طيبة الشيخ رفعت وحذروه من أنه إذا سجل للإذاعة فسوف يستغنون عنه! وقد لا يعلم الكثيرون أن جدي الشيخ محمد رفعت كان منشدا رائعا ولدينا بعض تسجيلات بصوته وهو ينشد، ولكنها تسجيلات قديمة جدا وقد أجهدتنا حتى استطعنا استخراج الصوت منها.

 

* هل كان ذلك الحرص من الشيخ والتردد في التسجيل سببا في قلة المواد المسجلة بصوته لدى الإذاعة حاليا؟

- للأسف الشديد لا توجد في الإذاعة سوى ثلاثة تسجيلات إذاعية فقط بينما كل المواد الأخرى التي تذاع بصوته إنما هي تسجيلات منزلية قام بها زكريا باشا مهران وكان من ضمن مؤسسي بنك مصر وهو سياسي وكان عضوا بمجلس الشيوخ المصري كما كان من كبار رجال الاقتصاد في مصر آنذاك. وهو صاحب الفضل في حفظ تراث جدي الشيخ محمد رفعت. وقد قامت زوجته زينب هانم مبارك بإهداء هذه التسجيلات لوالدي بعد رحيل زوجها زكريا باشا الذي قضى عمره كله في إصلاح وعمل مونتاج لهذه الشرائط لتكون صالحة للإذاعة. وبشهادة الموسيقار محمد عبد الوهاب فإن ما نسمعه من صوت الشيخ رفعت على الإسطوانات القديمة المعالجة لا يعبر عن جمال صوته الحقيقي، خاصة أنها تسجيلات تمت وكان عمره 52 عاما. وما زالت عندي إسطوانات مدتها 3 دقائق وطبعا فيها بعض أجزاء مفقودة نتيجة لفارق الزمن بين تقليب الإسطوانة وملاحقة قراءة الشيخ أثناء التسجيل. فكانت هناك كلمات أو حروف تضيع في تلك الأثناء ولذلك كانت هناك معاناة كبيرة لنأتي بشخص قريب من صوته ليكمل الكلمة الناقصة. وفي البداية تمت الاستعانة بالشيخ أبو العينين شعيشع فوجدوا الصوت بعيدا، وبدافع حبه لجدي أخذ والدي يقوم بتجميع الحروف والكلمات التي طارت من الإسطوانة بحروف من نفس صوت الشيخ رفعت من مختلف قراءاته وهي عملية شاقة جدا وتستلزم تجميع كل حرف من مكان.

 

* بالمناسبة هناك من يزعم بأن هناك تسجيلات تذاع على أنها بصوت الشيخ رفعت بينما هي من تسجيلات الشيخ أبو العينين شعيشع فما حقيقة هذا الكلام؟

- لا أعرف شيئا عن هذا الأمر ولكن ما أعرفه أنني عندما قابلت الشيخ شعيشع وهو على قيد الحياة وجلست معه، كان يتباهى بقرب نبرة صوته لصوت أستاذه جدي الشيخ رفعت، لكن يبقى صوته بعيدا عن صوت جدي الذي لا يقاربه صوت. ولا أحد يستطيع أن يقترب من منطقة صوت الشيخ رفعت لأنه كان يقرأ بتجليات إلهية وكان يشبه الحرير في انسيابه وهو مختلف تماما عن أي صوت.

 



مرحلة التألق

 

* ألا يوجد من بين أولاده من ورث هذا الصوت؟

- للأسف لا يوجد أحد يشبه جدي في صوته، وحتى والدي كان صوته أجش، ولكن عمي أحمد ربما كان أحلاهم صوتا وقاموا بتحفيظه القرآن وأراد السير في طريق والده الشيخ محمد رفعت ولكن المقارنة لم تكن في صالحه فتوقف.

 

* ما المهن التي امتهنها أبناء الشيخ رفعت؟

- والدي حسين كان موظفا في وزارة الصناعة، وكان عمي أحمد الذي حاول تقليد جدي يعمل في مجال الدراسة والتعليم وكان موظفا في الجامعة.

 

* هل فعلا كان الشيخ محمد رفعت يستمع إلى الموسيقى العالمية مثل موسيقى باخ وبيتهوفن؟

- نعم، كان يحب الاستماع للسيمفونيات العالمية ولديه عدد كبير من الإسطوانات الموسيقية في مكتبته. لكني لا أعرف السبب في ذلك ربما لأمر يتعلق بالقراءات، ولكنه فعلا ترك مكتبة موسيقية كبيرة وكتبا كثيرة في مختلف المجالات، وكلما كان يسمع عن كتاب جديد صدر كان يسارع باقتنائه.

 

* ما نوعية الكتب التي كان يحرص على اقتنائها؟

- في مختلف المجالات.

 



يستمع للإذاعة

                                                                          

* نعرف أن الشيخ رفعت كف بصره وهو في الثانية من عمره، فمن كان يقرأ له الكتب؟

- كان يجلس مع أولاده ويتحدث معهم راجيا أن يقرأ له أحدهم حتى لا يضطر لإحضار من يقرأ له بالأجر وكان والدي وعمره 11 سنة يقول له أنا أقرأ لك، فكان جدي الشيخ محمد رفعت يحدد له مكان الرف والركن الموجود فيه الكتاب ليحضره حتى يقرأ منه ولكنه لم تكن تعجبه قراءة أبي وهو طفل بسبب الأخطاء النحوية وعدم التشكيل. وكان كثيرا ما يتأثر بعبارات ترد في الكتاب عندما يسمعها كانت دموعه تنهمر لأنه كان مرهف الحس.

 

* هل كان الشيخ رفعت مهتما فعلا بعلم الفلك؟ وهل أجرى حقا حسابات فلكية قبل الموافقة على تزويج ابنته من الدكتور عبده فراج؟

- نعم. وكان يهتم جدا باقتناء الكتب العلمية المتخصصة في الفلك، وبالفعل لم يزوج الشيخ رفعت ابنته - عمتي بهية - للدكتور عبده فراج إلا بعد إجراء بعض الحسابات الفلكية، وكان هو يجيد إجراء هذه الحسابات.

 

* ما هي دراسة الشيخ رفعت؟ وهل تعلم بالأزهر؟

- هو لم يدرس بالأزهر ولكنه تعلم بمسجد فاضل ثم ارتقى بنفسه بتتلمذه على أيدي مشايخ كبار حتى حصل على الإجادة.

 

* هل كان زهد الشيخ رفعت في المال سببا في وفاته فقيرا؟

- بالفعل مات جدي فقيرا وعندما فتحوا خزينته التي أهداها وخصصها له طلعت باشا حرب في بنك مصر، لم يجدوا فيها سوى روشتة علاجية وساعة ومصحف. فهو لم يكن أبداً من ذوي الثروة ولذلك كان مرضه مرهقا جدا.

 

* وما حكاية هذه الخزينة؟ وهل كان على صلة بطلعت حرب؟

- لقد أنشأ رائد الاقتصاد المصري طلعت حرب أول بنك مصري وأطلق عليه «بنك مصر»، وكان يهدي كل النخب والمشاهير خزائن فيه لجذبهم وكان جدي يرافق طلعت حرب لإحياء حفلات دينية بمناسبة افتتاح فروع للبنك في مختلف أقاليم مصر على اعتبار أن الشيخ رفعت من النخبة والمشاهير.

 

* وصفتِ فترة مرض الشيخ رفعت بأنها مرهقة. كيف كان حاله بعدما أصابه المرض الخبيث في أعز ما يملك وهو حنجرته؟

- لقد بدأت المشكلة بحالة «زغطة غريبة» تصيب جدي من وقت لآخر ثم أخذت في التزايد لدرجة أنه أصبح يشعر بالحرج منها عندما تهاجمه أثناء قراءته للقرآن، فقرر عدم الخروج من البيت ومع الوقت تم اكتشاف أنها عرض لإصابة خبيثة في الحنجرة. وتسببت هذه الإصابة في احتباس صوته وأصبح لا يكاد يسمع مما كان يضطره للتصفيق بيديه إذا ما أراد أن ينادي على جدتي أو أي منا في البيت.

 

* كيف كان رد فعله عندما أعجزه المرض عن عمله وعزله عن الناس؟ وهل كان غاضبا؟

- أبدأ لم يغضب أو يشكو بل كان يختلي بنفسه ويرفع يديه للسماء ويناجي ربه ويدعو الله أن يعيد إليه صوته ولو لوقت قصير فقط ليستطيع قراءة القرآن الكريم، فكانت هذه هي أمنيته الوحيدة في الحياة التي ظل يدعو لتحقيقها حتى آخر يوم في عمره، ولكنه ظل مريضا في الفراش لثماني سنوات حتى توفي عام 1950 بعد صراع طويل مع المرض ومعاناة في صمت.

 

* ألم يسع الشيخ رفعت للعلاج من أجل الشفاء وتحقيق أمنيته؟

- المرض الخبيث أرهق ميزانية جدي خاصة أنه لم يكن ثريا لذا كان علاجه في حدود المتاح.

 



في حجرته

* هل شعر بالحزن من إهماله وعدم الاهتمام به؟

- الشيخ محمد رفعت كان عزيز النفس وكرامته أغلى من كنوز الدنيا. وأذكر أن مجلة «المصور» زارته وهو في الفراش بعد أن أرسل لهم أحد القراء معاتبا على عدم الاهتمام بالشيخ رفعت في محنته المرضية، وقاموا بتصويره تلك الصورة الشهيرة في أواخر أيامه وبدا فيها نحيفا جدا مما أثار تعاطف الجميع. وتم عمل اكتتاب عام لجمع نفقات علاجه وتم تحصيل خمسة آلاف جنيه، وهو مبلغ ضخم آنذاك، لكن جدي غضب جدا عندما علم بهذا الأمر ورفض المبلغ وقال لهم «وزعوها على أصحابها أو من هم أحق بالمال مني» وقال إن قارئ القرآن لا يمكن أن يهان حيث اعتبرها إهانة في حقه، وفضل مواجهة الموت على العلاج بأموال التبرعات.

 

* هل ما زالت لديكم تسجيلات جديدة للشيخ رفعت لم تذع بعد؟

- نعم لدينا تسجيلات كثيرة لجدي الشيخ محمد رفعت مما قمنا بتجهيزها وحاولنا إصلاحها عدة مرات من قبل وتبلغ مدتها أكثر من 30 ساعة، وهناك بارقة أمل في أن تكلل جهودنا كأسرة الشيخ محمد رفعت بالاتفاق مع الإذاعة المصرية لإهدائها لها. فنحن الأحفاد نكمل ما بدأه آباؤنا لإنقاذ تراث الشيخ محمد رفعت، وكل ما نحتاجه هو استوديو عالي التقنية. ونحن نود استكمال مشوار والدي حيث كان ينتهي من الشريط ويذهب به لإذاعة القرآن الكريم ويهديه لهم ولدي ما يثبت ذلك من أوراق رسمية.

 

* هل يمكن الموافقة على تقديم هذه التسجيلات لجهات خارج مصر ربما تكون لديها تقنيات أعلى في استعادة رونق وصوت الشيخ رفعت؟

- لقد عرض علينا كثيرا قبل ذلك ولم نوافق فأنا لا أرغب أن ينتقل تراث جدي خارج بلده مصر.


اشترك في النقاش