السعودية والقمم الثلاث

لا للمهادنة الأميركية للتهديدات الإيرانية

في كل مرة ترتفع حدة التوتر بين إيران والولايات المتحدة حتى يعتقد الجميع أننا على مشرفة من حافة حرب تنخرط فيها الأطراف كافة، ستتغير على أثرها خريطة المنطقة وجغرافيتها، إلا أنه سرعان ما تتراجع هذه الحدة في الخطابات لتبدأ جولة جديدة من الحوارات بين الجانبين بعضها علني وكثير منها في الغرف المغلقة، تطبيقا لما هو معلوم من أن قنوات الاتصال الخفية تلعب دوراً أساسياً في ترتيب العلاقات الدولية والأوضاع الإقليمية، حيث يبدو الظاهر متجهاً لأهداف محددة في حين أن الخفي يشير إلى غير ذلك، بل وربما إلى عكسه تماماً، وهو ما ينطبق بجلاء على الأزمة الأخيرة التي شهدتها العلاقات الإيرانية الأميركية على أثر قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في أوائل مايو (أيار) الماضي (2019) بالانسحاب من الاتفاق النووي المبرم مع إيران عام 2015 وإعادة العمل بالعقوبات المفروضة عليها، واصفاً هذا الاتفاق بـ«الكارثي»، حيث تصاعدت حدة الخطابات المتبادلة بين البلدين إلى الدرجة التي حبس الجميع أنفاسه تحسباً لعمل عسكري شامل تقوم به الولايات المتحدة الأميركية لضرب أهداف استراتيجية في إيران كمحاولة منها لإثبات الوجود، وازداد الأمر اشتعالا مع الإعلان عن إرسال حاملة الطائرات أبراهام لينكولن وقاذفات B52. إضافة إلى زيادة عدد قواتها في المنطقة بـ1500 جندي.
ولكن سرعان ما عاد هذا الخطاب إلى التهدئة مرة أخرى وفقاً لما جاء على لسان الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بقوله: «إنه يأمل أن لا تكون الولايات المتحدة في طريقها إلى حرب مع إيران»، كما أشار كذلك في تصريح آخر إلى أنه: «يعرف الكثير من الأشخاص من إيران... إنهم أشخاص رائعون، إيران لديها فرصة أن تكون بلدا رائعا مع القيادة نفسها... نحن لا نسعى إلى تغيير النظام، أريد فقط أن أوضح ذلك... نسعى إلى زوال الأسلحة النووية... لا أسعى لإيذاء إيران على الإطلاق».
هكذا، عكست هذه التصريحات مدى تراجع مستوى حدة الموقف الأميركي ليثار بذلك كثير من الاستفهامات حول الأسباب وراء هذا التراجع والذي يحدث دوماً في ملف علاقاتهما، إذ إنه لم يكن وليد اليوم فحسب بل حتى منذ الثورة الإيرانية عام 1979 وأزمة الرهائن في السفارة الأميركية والتي تم حلها بذات النهج. ولا يقتصر الأمر على ذلك فحسب، بل تزداد هذه الاستفهامات غموضا إذ نظرنا إلى الخطاب الإيراني ذاته والذي يأتي رداً على التهديدات الأميركية، إذ إنه بدلا من أن توجه إيران تهديداتها للولايات المتحدة نجدها توجه هذه التهديدات إلى العالم العربي، سواء من خلال تحريك أذرعها وميليشياتها وخلاياها المنتشرة في بعض البلدان العربية على غرار ما يجري في سوريا والعراق واليمن ولبنان وكذلك البحرين، أو من خلال دعمها لتنظيمات إرهابية في الدول الأخرى كما يحدث في مصر بدعم طهران لجماعة الإخوان التي اعتبرتها الدولة المصرية جماعة إرهابية، ويدلل على ذلك ما حدث مؤخرا إذ إنه في رد فعل إيران على العقوبات الأميركية بشأن أزمة برنامجها النووي، وجهت عدوانها على الدول العربية، فكان هناك اعتداء إيراني على أربع سفن تجارية من عدة جنسيات بعمليات تخريبية قرب المياه الإقليمية لدولة الإمارات العربية المتحدة، وكذلك ضرب طائرات الحوثيين في اليمن – إحدى الأذرع الإيرانية - لمراكز إنتاج النفط في السعودية.
ولم يقف الأمر عند هذا الحد رغم هذه الاعتداءات التي كان يجب على الولايات المتحدة الأميركية أن تتخذ موقفا أكثر حسما في التعامل مع الطموحات الإيرانية وتدخلاتها في شؤون دول المنطقة. ولكن، ما حدث أن ثمة تراجعا أميركيا كما سبقت الإشارة ليعطي الفرصة لطهران لمزيد من التمددات والتدخلات، ويفسر هذا التراجع أو المهادنة الأميركية حيال طهران في عاملين: الأول، يتعلق بدور اللوبي الإيراني المتعمق في المجتمع الأميركي، صحيح أن اللوبي الإيراني ليس بالوضوح الكبير على غرار اللوبي اليهودي والأرميني، إلا أنه من الصحيح أن اللوبي الإيراني لديه قدرات تمكنه من لعب دور مهم في تغيير صورة إيران لدى الرأي العام الأميركي والنخبة السياسية، حيث يبلغ عدد الإيرانيين المقيمين حالياً في الولايات المتحدة أكثر من ثلاثة ملايين نسمة، 5 في المائة منهم على الأقل ولدوا بها، وتصل ثروات الإيرانيين إلى 400 مليار دولار، وقاموا بتأسيس أكثر من 320 شركة كبيرة، ومساهمين في أكثر من 450 شركة. وتتركز قوة هذا اللوبي في مراكز الأبحاث والمؤسسات الإعلامية، بالإضافة إلى مواقع صنع القرار، ويعمل من خلال مؤسسات غير حكومية ومنظمات سياسية ومدنية، وشركات تجارية لها مصالح اقتصادية مشتركة مع النظام الإيراني، ومن أبرز المؤسسات العاملة في هذا المجال: المجلس الوطني الإيراني الأميركي والذي يعد أهم منظمة إيرانية أميركية. ورغم أنه لا يعبر عن النظام الإيراني ولا يدافع عنه كما هو معلن على موقعه الإلكتروني، حيث تتركز أهدافه في خلق تقارب بين الأميركيين والشعب الإيراني وليس النظام، إلا أن له دوراً كبيراً في التنسيق للقاءات بين مسؤولين إيرانيين وأميركيين، ولعب دوراً مهماً في توقيع الاتفاق النووي، حيث شهدت هذه الفترة (عهد الرئيس السابق باراك أوباما) تأسيس كثير من الروابط والتنظيمات الإيرانية التي ساهمت بدورها أيضا في إبرام هذا الاتفاق، ومنها: «اللجنة السياسية الإيرانية الأميركية» والتي هدفت إلى مساعدة الأميركيين من أصول إيرانية للوصول إلى مراكز سياسية مهمة. كما تأسست «رابطة المحامين الإيرانيين الأميركيين» و«الديمقراطيين الإيرانيين الأميركيين» و«شبكة المحترفين الإيرانيين الأميركيين».
ومن الجدير بالإشارة أن اللوبي الإيراني يعتمد في تحسين الصورة الإيرانية لدى المجتمع الأميركي من خلال بثه لمجموعة من الادعاءات الكاذبة، منها على سبيل المثال:
 - الادعاء بأن إيران لديها القوة على الأرض، ولا يمكن استثناؤها من أي تفاعلات سياسية، مفاوضاتٍ كانت أو تفاهمات أو محادثات، مدللين على ذلك بالتجربة الأميركية في العراق.
 - الترويج لفكرة أن الشعب الإيراني يحب ويقدر الشعب الأميركي، وأن نتائج استطلاع للرأي قد أثبتت أن 51 في المائة من الشعب الإيراني، لديه فكرة إيجابية عن الولايات المتحدة الأميركية وذلك في مقابل العداء العربي لأميركا.
 - الترويج إلى أن التطرف المعادي للغرب هو التطرف السني وليس الشيعي، مستدلين على ذلك بتنظيمي القاعدة وداعش.

أما العامل الثاني، فيتعلق بالأوضاع العربية المتردية، إذ تعيش المنطقة العربية واحدة من أسوأ مراحلها التاريخية، حيث تواجه مأزقاً وجودياً خطيراً في كل دولة على حدة، وعلى مستوى الأمة بكاملها، وكذلك على مستوى علاقاتها مع القوى الدولية، وهو ما أغرى الإيرانيين بالعودة في ثياب الملالي لاستعادة حلمهم القديم بدولة فارسية على حساب الأمة العربية. وهو ما يفرض على الدول القائدة في المنطقة العربية ويقصد بها تحديداً مصر والمملكة العربية السعودية والإمارات، أن لا يقفوا متفرجين مع اشتعال النيران في كل المنطقة العربية، بل عليهم اتخاذ مواقف أكثر حسما وأكثر فاعلية في مواجهة هذه المخاطر وتلك التحديات.
في ضوء هذين العاملين نخلص إلى نتيجة مفادها أن استمرار إيران في نهجها التدخلي في شؤون المنطقة في ظل مهادنة الموقف الأميركي، يرجع إلى نجاح طهران في توظيف أذرعها وخلاياها في المنطقة العربية من ناحية، والاستفادة من لوبياتها المتواجدة في الولايات المتحدة الأميركية من ناحية أخرى. وإن كان الدور الأكبر يقوم به هذا اللوبي الإيراني عبر قنوات الاتصال الخفية والتي تلعب دوراً أساسياً في ترتيب علاقات الطرفين، والتي تخفي دوماً مواقف وسياسات غير تلك التي قد تبدو ظاهرة.
ومن هذا المنطلق، وتفهماً من جانب المملكة العربية السعودية لتلك الحقائق، وإدراكاً منها إلى أن مواجهة هذه السياسة الإيرانية التدخلية لن تكون إلا بالاعتماد على القدرات العربية والإسلامية التي يجب أن تقف حائط صد أمام هذه الاطماع حتى لا يتكرر ما جرى بشأن الاتفاق الذي وقعه نيابة عن المجتمع الدولي مجموعة (5+1) وهم أعضاء مجلس الأمن وألمانيا، والذي أعطى الفرصة لطهران لمزيد من التمدد في الشرق الأوسط على حساب أمن المنطقة واستقرارها، حيث نجحت في التواجد في الأزمة السورية وكذلك تعاظم دورها في الأزمة اليمنية فضلا عن تحكمها في الشأن العراقي، وهو ما يعني أن المجتمع الدولي لم يبال بالمصالح العربية مقابل توقيعه للاتفاق مع إيران.
ومن ثم، كانت الدعوة السعودية إلى عقد القمتين الخليجية والعربية تزامنا مع موعد عقد القمة الإسلامية خلال يومي 30 - 31 مايو 2019. لتشهد مكة المكرمة وللمرة الأولى ثلاث قمم تجمع بين ثلاث منظمات إقليمية كبرى (جامعة الدول العربية ممثلة في القمة العربية، ومجلس التعاون الخليجي ممثلا في القمة الخليجية، ومنظمة التعاون الإسلامي ممثلا في القمة الإسلامية)، تستهدف التأكيد على وحدة الصف الخليجي والعربي والإسلامي في مواجهة التهديدات التي تحيط بالأمتين العربية والإسلامية، وهو ما أشار إليه وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية، أنور قرقاش، على «تويتر» بقوله: «وحدة الصف وتنسيق المواقف ضرورة في هذه الظروف الدقيقة، والرياض بما تملكه من رصيد عربي ودولي مؤهلة للقيام بهذا الدور»، حيث تستهدف هذه القمم بداية وضع قادة العالم الإسلامي في موضع المسؤولية، مروراً بالتأكيد على أن السياسة الإيرانية هي تهديد مباشر للأمن القومي العربي، وما يستوجبه ذلك من حد أدنى من وحدة الصف لإيقاف المخطط الإيراني، وصولا إلى دول مجلس التعاون الخليجي كونهم موجودين في الخندق الأول في هذه المواجهة، وأن التخاذل في اتخاذ المواقف أو حتى مجرد الحياد لن يكون في مصلحة هذه الدول ولا شعوبها.
وفي هذا الإطار، يجدر التأكيد على أن الدعوة السعودية لعقد هذه القمم في مواجهة التعنت الإيراني، لا تعني تراجع الموقف السعودي أو تخاذله في مواجهة التهديدات الإيرانية ولكنه امتثال لتوجهات السياسة السعودية الداعية دوماً إلى الحفاظ على الأمن والسلم والاستقرار، في حين أن استمرار طهران في سياستها التدخلية والعدوانية تجاه دول المنطقة، تلك السياسة التي وضعت المنطقة في حالة حرب مستمرة طوال الأربعة عقود الماضية، وعلى الضفة الأخرى من النهر، تقف المملكة العربية السعودية التي حرصت طوال السنوات السابقة على إجراء حوار مع النظام الإيراني الذي لا يحمل إلا رسل حرب وليس سلام.
ومن ثم، فإن استمرار طهران في سياستها يجعل من الصعوبة بمكان على السعودية أن تقف مكتوفة الأيدي كما أكد على ذلك وزير الدولة للشؤون الخارجية السعودي، عادل الجبير، بأن «المملكة لا تريد حرباً... إلا أنه في حال اختيار الطرف الآخر الحرب، فإن المملكة سترد على ذلك بكل قوة وحزم»، وهو ما أثبتته السنوات السابقة بأن السعودية كانت دوماً الأقدر على بناء التحالفات الفاعلة والمشكلة من دول عظمى، وأخرى عربية وإسلامية، للدفاع عن أرضها ومقدساتها، أو لإعادة الحق لأصحابه، بدءاً من حرب تحرير الكويت في عاصفة الصحراء إلى عاصفة الحزم في اليمن.
ما نود أن نخلص إليه في النهاية أن العلاقات الدولية قائمة على المصالح أكثر منها على المبادئ، وهو ما يعني أن على الدول العربية وخاصة الدول القائدة (والمقصود بها مصر والسعودية والإمارات) أن تتبنى سياسات أكثر برغماتية في تعاملها مع القوى الدولية من ناحية، وفي مواجهتها لإيران وتدخلاتها في المنطقة من ناحية أخرى. فضلا عن أهمية تعميق التعاون والتنسيق المشترك في ظل تزايد حجم المشاكل المراد مواجهتها وتعقيداتها وترابطاتها الدولية، وهو ما عبر عنه بجلاء البيان الختامي الصادر في ختام القمة العربية الطارئة التي عقدت في 30 مايو 2019. حيث أدان كافة العمليات التي قامت بها الميليشيات الحوثية على السعودية، وإطلاق الصواريخ الباليستية إيرانية الصنع من اليمن على السعودية، كما أدان تدخلات إيران في شؤون البحرين ودعمها للجماعات الإرهابية فيها، وكذلك تدخلها في الأزمة السورية وتأثيرها على وحدة سوريا، فضلا عن استمرارها في احتلالها الجزر الإماراتية الثلاث، مؤكدا في الوقت ذاته على تضامن وتكاتف الدول العربية في وجه التدخلات الإيرانية السافرة. ولم يختلف البيان الختامي الصادر أيضا عن القمة الخليجية الطارئة التي عقدت سابقة للقمة العربية، حيث أدان البيان الهجمات التي قامت بها الميلشيات الحوثية الإرهابية على الأراضى السعودية، معتبراً أن تعرض 4 سفن تجارية مدنية لعمليات تخريبية في المياه الإقليمية للإمارات تطور خطير يهدد أمن وسلامة الملاحة البحرية في هذه المنطقة وينعكس سلباً على السلم والأمن الإقليمي والدولي وعلى استقرار أسواق البترول، مؤكداً في الوقت ذاته على تضامن دول المجلس مع المملكة في مواجهة هذه التهديدات الإرهابية التي تهدف إلى إثارة الاضطرابات في المنطقة، وتأييدهم ودعمهم لكافة الإجراءات والتدابير التي تُتخذ لحماية أمن المنطقة واستقرارها وسلامة أراضي دولها.
 


اشترك في النقاش