طبيب جزائري شاب قضى رمضان في رعاية الروهينغا

في مبادرة هي الأولى من نوعها
  • «المجلة» التقت الطبيب الجزائري الشاب الذي عاد إلى بلاده منتصف هذا الأسبوع ليروي قصصا ومشاهد مروعة عمّا يعيشه الروهينغا في مخيمهم
  • فكرة السفر جاءته بعد تأثره بالمشاهد المؤلمة التي يتناقلها نشطاء عبر شبكات التواصل الاجتماعي
  •  لماذا لم يُسخر الذين قاموا بتفجيرات سيريلانكا مثلاً جهودهم لمساعدة مسلمي الروهينغا؟

الجزائر: حقيبة ظهر معبأة بالدواء، وقميص أبيض مع سمّاعة طبية للأذنين، وجواز سفر جزائري، تِلكُم هي عُدة الطبيب الجزائري الشاب ياسين عبد الجبار ابن الـ29 ربيعاً، والذي قرر ترك والديه، والسّفر نحو مخيم «كوتيبالونغ» على الحدود البورمية البنغلاديشية المشتركة، لتقديم العلاج للاجئي الروهينغا في هذا المخيم الأكبر من نوعه، والأشدُ بؤسًا وإيلامًا على مستوى العالم.

الطبيب الجزائري الشاب والذي نشر صورا لمبادرته قبل أيام عبر شبكات التواصل الاجتماعي صنعت تفاعلا واسعا بين الجزائريين، حينما نقل لهم مشاهد عما يعانيه اللاجئون الروهينغا في هذا المخيم.

ياسين عبد الجبار، وفي قصة لافتة قرر توديع والديه في أفضل أيام السنة وأعزها، كيف لا والجميع يحرص على قضاء أيام رمضان بين أهله وخلانه، بيد أن عبد الجبار قرر أن يقضي تلك الأيام بعيدا عن أهله على الحدود البنغلاديشية البورمية.

«المجلة» التقت الطبيب الجزائري الشاب الذي عاد إلى بلاده منتصف هذا الأسبوع ليروي قصصا ومشاهد مروعة عمّا يعيشه الروهينغا في مخيمهم، وعن أسباب سفره هذا يقول عبد الجبار إن «الفكرة جاءته بناء على مساره الطويل في العمل الإنساني داخل الجزائر، فمذ كان طالبًا بأقسام كلية الطب دأب على التنقل بين مختلف المحافظات الجزائرية البعيدة حيث وصل إلى منطقة عين قزام، والتي تعد أبعد نقطة في الصحراء الجزائرية».


 

عبد الجبار أوضح أن «فكرة السفر جاءته بعد تأثره بالمشاهد المؤلمة التي يتناقلها نشطاء عبر شبكات التواصل الاجتماعي، لكنه كان يتابع ذلك بألم وصمت لعدم وجود طريقة أو وسيلة للوصول إلى هؤلاء»، وقبل رمضان يقول: «لفت نظره إعلان لصديقه الجزائري المقيم بفرنسا وهو رئيس جمعية خيرية أعلن عن حاجة الجمعية لمتطوعين للسفر إلى المخيمات لتقديم المساعدة لهم بتوزيع وإيصال الطرود الغذائية الخاصة بشهر رمضان»، فاتصل به عبد الجبار للاستفسار عن مدى حاجتهم لطبيب فأخبره صديقه بأنه يمكن ذلك، لكنه لمّح له إلى وجود مخاطر كبيرة من السفر إلى المخيم، لكن الطبيب الشاب أبدى استعداده للسفر، وتقبل أي شيء يحدث بعد ذلك بما في ذلك التعرض للموت، المهم بالنسبة إليه أن يشارك في هذه المهمة الإنسانية، يقول عبد الجبار: «رغم عدم امتلاكي للمال لأنني لست رجل أعمال لكنني أمتلك المهنة كطبيب ويمكنني أن أفيد وأقدم خدمة بها للاجئين».

وبعد أن تم الاتفاق على السفر قام بتجهيز نفسه بتعبئة حقيبة ظهره بمجموعة من الأدوية الأساسية، وطلب بعد ذلك تأشيرة سفر إلى بنغلاديش، ولأن السلطات البنغلاديشية تعيد أي مسافر يصل إلى مطار عاصمتها دكا بنية الخدمة الإنسانية وتقديم يد العون للروهينغا، اضطر عبد الجبار لعدم كشف سبب زيارته مبررا إياها بنية السياحة، هذا المبرر حسب حديثه «أدخل الشك لعناصر الأمن المكلفين بالمراقبة على مستوى المطار، وتساءلوا كيف بجزائري يقصد بنغلاديش للسياحة؟، لكنه وبعد نحو 45 دقيقة من التحقيق المتواصل أقنعهم أنه جزائري اعتاد السفر لعدة دول من العالم وهذه المرة اختار بنغلاديش للاستمتاع بمناظرها الطبيعية خاصة أن الرحلة متزامنة مع شهر رمضان».

مكث عبد الجبار يومين في دكا، تحت رعاية أحد ممثلي اللاجئين الروهينغا، ثم سافر جوًا إلى جنوب شرقي بنغلاديش، ويروي أنهم قاموا بشراء 100 طن من الحاجيات الغذائية والطبية، وقصدوا المخيم، عبر طريق بري صعب، خفية عن أعين الجيش البنغالي، الذي يحتجز في العادة أمثالهم من النشطاء.

في مقابل منع الجيش البنغالي للقوافل الإنسانية، لدواع أمنية كما يقول، يشير عبد الجبار إلى أن «ثمة جماعات شعبية تعمل على تسهيل المهمة، من خلال توفير وسائل نقل بدائية، ورسم طرق بعيدة عن المراقبة، بعضها بدوافع إنسانية، وبعضها بدوافع تجارية، مثلما هو حاصل في كل الحدود عبر العالم، خاصة الحدود المتوترة».

المخيم يقع في مدينة «كوكس بزار»، وهي مدينة تقع في خليج البنغال، وتتبع لولاية شيتاغونغ الواقعة في الجنوب الشرقي من بنغلاديش على الحدود مع ميانمار (بورما)، وهي المدينة التي اكتسبت زخما آخر بعد 25 أغسطس (آب) 2017 حين تدفق نازحو أقلية الروهينغا المسلمة إلى البلاد هربا من قمع الجيش والميليشيات البوذية في ميانمار، وأقيمت مخيمات اللجوء في ضواحي المدينة، فتحولت إلى وجهة عالمية يقصدها مراسلو وسائل الإعلام وموظفو الهيئات الخيرية وموفدو المنظمة الدولية.

ويقدر عدد الروهينغا المضطهدين بـ800 ألف، من طرف الجيش الحكومي في بورما أو ميانمار. وقد صنفت الأمم المتحدة الروهينغا في صدارة الأقليات المضطهدة على مستوى العالم.

في مخيم «كوتيبالونغ»، بدأ عبد الجبار عمله بإغاثة اللاجئين بعد أن التقى بنشطاء للكثير من الجمعيات المتواجدة هناك، هذه الجمعيات وجهته إلى مجموعة من المدارس للأيتام الذين فقدوا أوليائهم في حرب الإبادة، وبدأ بمدرسة البنات ثم مدرسة البنين، حيث قام بفحصهم فحصا شاملا، وشخّص لهم الأمراض التي يعانون منها، ووصف لهم الدواء، وقام بعد ذلك بشراء الدواء وتسليمه للمرضى منهم.

وعن الأوضاع في المخيم قال عبد الجبار إن «الأوضاع كارثية فالمخيم يفتقد لأدنى شروط الحياة، لا غذاء ولا أدوية ولا قنوات صرف صحي، ووصل الأمر بمن يسكنون المخيم إلى قضاء حاجتهم بالقرب من أماكن سكنهم، ومن دون ماء، ما تسبب في انتشار مختلف الأمراض والأوبئة»، وكشف أن «هذا المخيم هو الأكبر من نوعه في العالم ويضم نحو مليون لاجئ، آمالهم ومصيرهم معلقان فقط على المساعدات التي تأتيتهم من هنا وهناك».

ومما يزيد من معاناة اللاجئين حسب عبد الجبار هو أن «اللاجئين هناك محاصرون في المخيم، فهم عاجزون عن السفر خارج بنغلاديش لعدم امتلاكهم وثائق هوية، ولا يستطيعون العودة إلى وطنهم بورما بسبب القنابل المزروعة عبر الحدود، ورغم ذلك فإن الذي يصل إلى المخيم يعتبر من المحظوظين لأنه يمر عبر رحلة شاقة محفوفة بالمخاطر عبر البحر والغابات، ويضطرون إلى أكل الحشيش، لذلك أعداد كبيرة منهم تموت قبل وصولهم للمخيم».

وعن موقف اللاجئين من زيارته باعتباره أول طبيب جزائري يحل بينهم، أكد أن «اللاجئين فرحوا فرحا بالغا بزيارته، واندهش حينما وجد أنهم يعرفون جيدا الجزائر التي قالوا عنها إنها بلد المليون ونصف المليون شهيد»، وفي شهادة قدمها له أحد النشطاء في المخيم قال له فيها «نحن نعرف عن الجزائر أنها بلد يضرب به المثل في مساندة الشعوب ومناصرة القضايا العادلة»، وطلب منه أن يبلغ رسالة للجزائر حكومة وشعبًا، ورسالة موجهة لكل العالم أن لا ينسوا الروهينغا خاصة في رمضان، وطلب منه أن ينقل معاناتهم ومشاكلهم في هذا المخيم، وهي المشاكل التي ستتأزم مع حلول الصيف والحرارة وانعدام شروط الحياة مما يعرض حياة اللاجئين لمخاطر محدقة.

ومن خلال تجربته كطبيب لاحظ أن اللاجئين في المخيم يعانون من أمراض أكل الدهر عليها وشرب، أمراض يقول عنها إنها من القرن الماضي، فهناك انتشار للأوبئة مثل داء الحصبة وضيق التنفس وضغط الدم والسكري وغيرها من الأمراض.

وأوضح عبد الجبار أن «المتجول في المخيم تتناهى إلى مسامعه قصص وشهادات مرعبة للاجئين، فهذا طفل فقد كل أفراد عائلته وبقي وحيدا، وتلك عجوز فقدت شيخها وبقيت وحيدة دون أي سند، وتلك أم فقدت كل أبنائها الواحد تلو الآخر أمام ناظريها، إلى غير ذلك من القصص التي تحمل تفاصيل مروعة توضح حجم المأساة وهول المعاناة، ومما يزيد من معاناتهم افتقادهم لكل وثائق الهوية ولا يستطيعون القيام بأي شيء».

ورغم هول المشاهد التي وقف عليها عبد الجبار إلا أنه يؤكد أنه سيكرر التجربة، بل يقول إنه قطع وعدا للاجئين بزيارتهم مرة كل عام محملا بالمساعدات، وكشف أنه سيقوم بإعلان عن مشاريع لإغاثة مسلمي الروهينغا، هذه المشاريع ستكون في الجزائر، وستكون هناك مساعدة رسمية وشعبية بالعمل على توفير الأغذية والألبسة والأدوية للاجئين. وكشف عن تلقيه اتصالات من شخصية رسمية على أعلى مستوى عبرت عن سعادتها البالغة بهذه الرحلة، واعتبروها مبادرة تشرف الجزائر، وعبروا عن استعدادهم لتقديم يد العون لإنجاح مبادرات تضامنية أخرى مستقبلا. وكشف عن الشروع في تأسيس جمعية ذات بعد وطني تتكفل فقط بإغاثة مسلمي الروهينغا.

وعن موقف عائلته من الزيارة، كشف الطبيب الشاب أن «والديه رفضا فكرة السفر لأنه خطوة محفوفة بالمخاطر، فالمسافر إلى منطقة حرب معرض للقتل ومعرض للسجن»، لكنه أكد أنه «حاول إقناعهم بأن الرسالة التي سيوصلها رسالة إنسانية سامية، وتهون أي ضريبة يدفعها مقابل ذلك».

وبالنهاية يقول: «أنا فرد واحد من أعداد كبيرة من المسلمين وواحد من عشرات من الشباب المسلمين القادمين من القارات الخمس، بمساعدة جمعيتين الأولى تحمل اسم (je vous aime) برئاسة الجزائري محمد كريم دراجي والثانية تحت اسم (HAMEB) برئاسة السيد الرايس نور الدين، فلماذا يترك بعض الشباب العمل في مثل هذا الميدان، ويذهبون ليفجروا دور العبادة وأماكن التجمع؟ لماذا لم يُسخر الذين قاموا بتفجيرات سيريلانكا مثلاً جهودهم لمساعدة مسلمي الروهينغا؟».

 


اشترك في النقاش