المرأة في الدراما العربية

إما ضعيفة ومستسلمة... وإما خائنة
* هل عززت الدراما العربية دور المرأة «الضحية» أم إن وضعها في هذا الإطار يخدم قضايا النساء؟
* مسلسلات رمضان 2019 لم تخلُ من مشاهد العنف اللفظي والجسدي تجاه النساء
* اتهامات للدراما العربية بتهميش صورة المرأة والتشجيع على العنف وجرائم الشرف
* عواضة: في الدراما لا يجري معالجة قضايا النساء بل يتم تصويرها كما هي دون إعطاء مقاربة جديدة
* فياض: الدراما تنقل الواقع كما هو ولا يجب لومها على ذلك لأن الواقع أحيانا يكون أسوأ بكثير مما تنقله الدراما
* علماء النفس يحذرون من أن التعود على مشاهدة العنف على الشاشة يؤدي إلى استسهال وتقبل العنف على أرض الواقع

بيروت: يقال إن الدراما ليست إلا مرآة تصوّر مجتمعاتنا الداخلية بحلوها ومرّها من خلال محاكاتها لواقع عالمنا العربي بجميع تناقضاته، لكن في الحقيقة هذه المقولة يختلف عليها الكثيرون باعتبار أن الدراما في بعض أعمالها تشوّه الحقائق وتسيء لمجتمعاتنا العربية ولا تخدم القضايا الإنسانية.
الدراما العربية والصورة النمطية للمرأة
ولعلّ قضايا المرأة تشكّل مادة دسمة في الدراما العربية منذ بداياتها، ولطالما أثارت الأعمال الدرامية التي تتطرق لقضايا النساء في العالم العربي الكثير من الانتقادات لجهة إظهارها في ثوب المرأة الضعيفة الخانعة لسلطة الرجل، أو تصويرها في إطار الجرأة والإغراء، بالمقارنة مع القلة القليلة من الأعمال التي تتطرق إلى الأدوار الريادية للمرأة في المجتمع. فهل عززت الدراما العربية دور المرأة «الضحية» أم إن وضعها في هذا الإطار يخدم قضايا النساء، أم إنّ الدراما على العكس ساهمت في إبراز قضية تمكين المرأة وقدرتها على الإبداع والعطاء؟
المسلسلات الرمضانية لعام 2019 لم تبقَ بعيدة عن هذا الجدل القديم الجديد، حيث رُصِد الكثير من مشاهد التعنيف الأسري والظلم والقهر الذي تعرضت له النجمات العربيات في الدراما الرمضانية لهذا العام، ولكن اللافت هذا العام أنه رغم عكس بعض الأعمال للمكانة الاجتماعية والمهنية للمرأة إلا أنها لم تخرجها خارج بوتقة السلطة الذكوريّة.
ثمة وجهات نظر كثيرة تصوب السهام على الأعمال الدرامية وتتهمها بتهميش صورة المرأة في الوقت الذي باتت فيه تعتلي وتنافس على أكبر المناصب في الوطن العربي، وأصبحت حرية المرأة من أهم القضايا التي تشغل كثيرين، إذ لا تزال بعض الأعمال الدرامية تظهر خنوع المرأة للرجل وتعرّضها للعنف والإهانة، وهو ما يتناقض مع الصورة التي تحاول المرأة الشرقية الوصول لها ونجحت في كسر الكثير من التابوهات خلال السنوات القليلة الماضية بتحقيقها كثيرًا من الإنجازات ولو أن هناك الكثير من هذه الحالات في الواقع.


 
مسلسلات شهر رمضان 2019
لعلّ المسلسل اللبناني - السوري المشترك «خمسة ونص» هو من أكثر المسلسلات هذا العام إثارة للجدل، خصوصا أنه يتناول قصة «بيان نجم الدين» الطبيبة المتخصصة بالأمراض السرطانية والتي تؤدي دورها الممثلة اللبنانية نادين نجيم وتمثل المرأة القوية والمستقلة والتي تشغل مكانة مهنية واجتماعية مهمة في المجتمع حتى تتعرف على رجل الأعمل وابن عائلة سياسية عريقة في لبنان «غمار الغانم» الذي يؤدي دوره الممثل السوري قصي الخولي، سرعان ما تعيش الشخصيتان قصة حب في المسلسل ومن ثم زواج حتى تكتشف بيان أن زوجها خدعها واستغلها كي يرتبط بها لتبدأ رحلة التعنيف الأسري، وعلى الرغم من أنه وفقا لأحداث المسلسل تصبح الدكتورة بيان أكثر نفوذا في المجتمع عبر تبوئها منصبا نيابيا وتفوقها على زوجها إلا أنها داخل المنزل تتعرض للتنعيف الجسدي واللفظي كما الخيانة الزوجية إضافة إلى أن العمل يتطرق إلى قضية الحضانة وكذلك غيرة الرجل من تفوق زوجته عليه في مجال العمل نفسه.
المعاناة الزوجية تستمر حتى تقع بيان بحب حارسها الشخصي وصديق زوجها وما إن يدرك الأخير الأمر حتى يقوم بقتلها إثر تعرضها لحادث سير مفتعل ما يطرح قضية جريمة الشرف التي لا تزال موجودة في مجتمعاتنا العربية. وهو ما أشعل جدلا كبيرا على مواقع التواصل بين مؤيد لهذه النهاية كونها العقوبة التي تستحقها المرأة الخائنة وهو الرأي الذي عبرت عنه المطربة العراقية شذى حسون، ما أدى إلى انقسام الجمهور العربي بين مؤيد ومعارض من حيث تشجيع العمل على جريمة الشرف أو غسل العار.
وثمة كثير من النماذج التي يمكن إعطاؤها عن المسلسلات الدرامية في هذا المجال، فخلال عشرة مواسم استمر فيها المسلسل السوري «باب الحارة» الذي صوّر لنا الحياة الشامية خلال فترة الاحتلال الفرنسي. قصص مختلفة تتمحور حول الحرب ضد المستعمر، وقصص نساء الحارة المهتمّات بأعمال المنزل، والجلسات النسائية، والمناوشات، وراحة الزوج الذي يهدد بيمين الطلاق عند كل حركة أو كلمة لا تعجبه. أعادنا «باب الحارة» إلى مفردات تكاد تكون انقرضت من منطقتنا مثل: «ابن عمي» و«حرمة»، وأظهر الدور النسائي في الحياة الاجتماعية محدودًا وسخيفًا.
أما المسلسل اللبناني - السوري المشترك «الهيبة» ويؤدّي فيه الممثل السوري تيم حسن دور «جبل شيخ الجبل» دور البطولة بأجزائه الثلاثة ويجسد شخصية الرجل «القبضاي» المطلوب للعدالة لقيامه بأعمال خارجة عن القانون، وإضافة إلى تسويق فكرة السلاح المتفلت والثأر بحجة تجسيد الواقع في المجتمعات البقاعية في لبنان وهو ما أثار معارضة شديدة لهذا العمل من أبناء هذه المنطقة إلا أن «الهيبة» أيضا في جزئه الثاني يظهر أن جبل ذو الشخصية القوية يقوم بتعنيف زوجته عقابا لها لأنها ثرثارة. أما في جزئه الثالث الذي تشارك في بطولته الممثلة اللبنانية سيرين عبد النور بدور «نور رحمة» الإعلامية المشهورة والتي تحارب الفساد من خلال مهنتها، والتناقض الذي يظهره المسلسل من أن نور المعروفة بمحاربة الفساد لم تصل إلى مكانتها بجدارتها بل من خلال القيام بعلاقة مع أحد الشخصيات السياسية النافذة (ثروت). ما يطرح علامات استفهام حول تصوير المرأة بأنها مضطرة إلى تقديم تنازلات في مجال العمل كي تنجح حتى لو أن ثمة مثل هذه النماذج في مجتمعاتنا. غير أن سيرين لم تنجُ من التعنيف على يد حبيبها ثروت الذي يعمل على إهانتها وضربها وذلك بعدما تبلغه قرارها بفتح أحد ملفات الفساد في البلاد والتي قد تطاله بالفضائح. عدا عن تصوير إعلامية شهيرة ذات مكانة في المجتمع تنساق بمشاعرها كي تحب رجلا مطلوبا للعدالة وتتزوج منه في صورة يتم فيها تغليب مشاعر المرأة على فكرها.
فهل تخدم الدراما بهذا الشكل قضايا النساء أم أنها تعيدها إلى الوراء؟

 




قصي خولي ونادين نجيم في مسلسل خمسة ونص


 
الدراما مرآة المجتمع
الصحافي والناقد الفني جمال فياض، رأى في حديثه لـ«المجلة» أن «الانتقادات التي توجه إلى بعض الأعمال الدرامية ليست في محلها، لا سيما أن الدراما هي نقل لواقع نعيشه ونراه في حياتنا اليومية، إذ ثمة آلاف الحالات من النساء اللواتي يتعرضن للتعنيف والقتل والخيانة وبالتالي دور الدراما أن تكون واقعية وليست خيالا علميا»، مشيرا إلى أنه «لا يمكن تصوير العلاقات الاجتماعية على أنها مثالية وبالتالي الدراما عندما تنقل واقعا أليما لا تقوم بتزييف الحقائق لأن ثمة نماذج أسوأ في حياتنا اليومية وعلى العكس فربما عندما تصور الدراما الصورة الحقيقية لتعنيف رجل لزوجته قد يجعل المشاهد يخجل من نفسه في حال قيامه بهذا الفعل».
وأكد فياض على أنه «لا يجب لوم الدراما عندما تنقل الواقع لا سيما أن الكاتب يفترض أن يكون جزءا من هذا المجتمع»، لافتا إلى أنه «ثمة الكثير من الأعمال الدرامية التي تعكس نموذج المرأة الحاكمة والمدللة كالممثلة السورية منى واصف بدورها في (الهيبة) كأم جبل وغيرها من الأدوار التي تعكس سطوة المرأة وموقعها في المجتمع». وتابع: «الدراما تنقل صورة المجتمع بإيجابياته وسلبياته ونجاحها يكون بقدر ما يمكنها تجسيد الواقع كما هو دون المبالغة وهو ما يُحسب لبعض الكتاب والمخرجين والممثلين».
ورأى فياض أن «العنف تجاه الزوجة أو الطرف الآخر أو الابن في الأعمال الدرامية يخدم القضية، لا سيما أنها تسلط الضوء على مدى شناعة هذا الفعل، كذلك الأمر عندما تصور مدمني المخدرات كيف تكون نهايتهم وهنا يكون دور الدراما توعوياً»، مؤكدا على أن الدراما ليست مدرسة ولكن في حال نقلها للواقع بطريقة صحيحة يمكن أن تقوم بتأثير إيجابي على المشاهد، ولكن تأثيرها يكون محدودا لأن هذه القضايا ترتبط بذهنية وعقلية الفرد.
وشدّد فياض على أن «تأثير الدراما على الفرد أقل بكثير مما نتصوره إيجابا أو سلبا لكن الأطفال هم الأكثر تأثرا بالمشاهد الإباحية والعنف والتعبيرات البذيئة، لذا لا بدّ من التنبه لهذا الأمر وعدم المبالغة بتقديم هذه المشاهد بشكل لا يخدم العمل لتجنب التجربة المصرية حيث أدت المبالغة بنقل هذه المشاهد إلى نفور الناس منها».

 




فيفي عبدو في مسلسل مملكة الغجر


 
الدراما سيف ذو حدين
العضوة المؤسسة في منظمة «كفى عنفا واستغلالا» المحامية ليلى عواضة، رأت في حديثها لـ«المجلة»، أن طريقة الطرح والمعالجة لقضايا المرأة في الدراما العربية هي التي من شأنها الإساءة للمرأة والمجتمع أو على العكس تقديم التوعية والإرشاد في هذا الصدد.
وأشارت عواضة إلى أن جمعية «كفى عنفا» استعانت بالدراما في الكثير من الحملات التوعوية الخاصة بقضايا النساء، لافتة إلى أن «الدراما سلاح ذو حدين يجب معرفة كيفية تناول القضايا ومقاربتها».
هذا ورأت عواضة أن «صورة المرأة في بعض الأعمال الدرامية دائما ما تتأرجح في قالب المرأة الضعيفة والمستسلمة أو بقالب المرأة الخائنة، ناهيك عن أن بعض الأعمال الدرامية تروج لفرض تسلط الرجل في المجتمع، بالإضافة إلى قضية الخيانة في الدراما حيث تعكس الدراما كيف يحاكم المجتمع المرأة الخائنة ويتمنى لها أقسى النهايات كما حصل في مسلسل (خمسة ونص) وثمة كثير من الأمثلة على ذلك بينما في المقلب الآخر خيانة الرجل مبررة ويطلب من المرأة مسامحته باعتبارها نزوة»، مشيرة إلى أن «القضايا الاجتماعية في الدراما لا يجري معالجتها بل على العكس يتم تصويرها كما هي من حيث عكس كيفية تعاطي المجتمع معها دون إعطاء مقاربة جديدة أو صورة بديلة».




ليلى عواضة

كما شددت عواضة على أهمية تعاون القائمين على مثل هذه الأعمال الدرامية مع جمعيات تعنى بمجال قضايا المرأة وذلك حرصا على تقديم العمل ضمن قالب واقعي وخدمة القضية بدل الوقوع في فخ الإساءة للنساء وأدوارهن في المجتمع أو ترسيخ لبعض الأفكار الذكورية والعادات الرجعية».
وتأسفت عواضة في الختام لعدم إعطاء مقاربة حقوقية متساوية في الدراما والإعلام لقضايا النساء، وتابعت: «الدراما يمكن أن تكون نظرة نقدية للمجتمع من خلال إظهار المشاكل والقضايا التي يعاني منها المجتمع وليس مجرد نقلها فحسب، خصوصا أن هذه المشاكل معروفة ولسنا بحاجة إلى مشاهدتها على التلفزيون دون مناقشتها ومعالجتها وإعطائها مقاربة جديدة لتوعية المجتمع ككل».

 




مسلسل باب الحرة 10


 
العنف في المسلسلات المصرية
العنف الأسري حضر أيضا في المسلسلات المصرية وفق تقرير حديث صدر عن المجلس القومي للمرأة المصرية برئاسة الدكتورة مايا مرسي لتحليل صورة المرأة في الإنتاج الإعلامي لمنتصف شهر رمضان لعام 2019.
وقر أكد التقرير تراجع نسب التجاوزات سواء في العنف ضد المرأة في استخدام الألفاظ الخادشة، أو في إظهار الصور السلبية للمرأة عن الأعوام السابقة، إلا أنه لفت إلى تصدر قضية العنف الأسري في كثير من المسلسلات المصرية، مثل الطريقة الوحشية التي استخدمها الأب ضد ابنته في مسلسل «زلزال» وكانت عبارة عن عملية صفع على الوجه تكرر لـ3 مرات صفعات عنف غير مقبول، معتبرا أنها دعوة صريحة لاستخدام الأسر تلك الطريقة في تربية أبنائها.
لا يمكن الجزم بأن مجتمعاتنا سليمة من أي عاهات خصوصا فيما يتعلق بقضايا النساء فرغم التقدم الذي أحرز في هذا الصدد في عالمنا العربي، إلا أنه يبقى غير كاف ولا يزال هذا الطريق أمام المرأة العربية طويلا وشائكا. وهنا الإشكالية التي تجعل الدراما سيفا ذا حدين من خلال طريقة معالجة وطرح قضايا المرأة ومعاناتها من التهميش الاجتماعي والتعنيف الأسري ذكورية المجتمع وغيرها الكثير... 
ويبقى أخيرا أن نشير إلى أنه رغم اعتبار صناع الدراما أن تلك المشاهد تعكس بعضا من الواقع في المجتمع إلا أن علماء النفس يحذرون من أن التعود على مشاهدة العنف على الشاشة يؤدي إلى استسهال وتقبل العنف على أرض الواقع.


اشترك في النقاش