«بوتفليقة رجل القدر»... كتاب أزعج جنرالاً وأرّخ لبوتفليقة

جنرال متقاعد هدد كاتبه بالمتابعة القضائية

* يعدُ بوباكير أحد أبرز الكتاب الصحافيين في الجزائر، وتمتد تجربته الإعلامية لعشرات السنين، وسبق له رئاسة تحرير عدد من المؤسسات الإعلامية

* تهديد الجنرال للكاتب خلّف ردود فعل غاضبة ودفع بعشرات الكتاب والمثقفين لإصدار بيانات تنديد ورفض لما يتعرض له الكاتب بوباكير من تهديدات
* في متن الكتاب تطرق بوباكير إلى عدة محطات من حياة الرئيس بوتفليقة منذ أن كان شابا يافعا، ورمزا للفتوة، ومثالا لقوّة الإرادة، ونموذجا لسحر النجاح
 

الجزائر: لم تمض سوى أسابيع قليلة على نهاية حقبة الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة بإعلان استقالته في الثاني من أبريل (نيسان) الماضي، استجابة لمطالب حَرَاك الجزائريين، حتى أعلن الكاتب الجزائري عبد العزيز بوباكير عن صدور كتابه «بوتفليقة رجل القدر»، وهو الكتاب الذي أثار عاصفة من الجدل قبل صدوره بأيام، بسبب تهديد وزير الدفاع الأسبق الجنرال المتقاعد خالد نزار بمتابعة الكاتب في حال الإصرار على نشر الكتاب وتوزيعه.

واسم الكاتب عبد العزيز بوباكير ارتبط خلال السنوات الأخيرة بكتابة المذكرات السياسية، حيث تولى كتابة إحدى أشهر المذكرات والتي تعود للرئيس الراحل الشاذلي بن جديد الذي تولى رئاسة البلاد بعد وفاة الرئيس الراحل هواري بومدين من9  فبراير (شباط)1979  وحتى11  يناير (كانون الثاني) 1992. ويعدُ الرئيس الرابع للجزائر منذ التكوين والاستقلال بعد فرحات عباس، وأحمد بن بلة، وهواري بومدين.

ويعدُ بوباكير أحد أبرز الكتاب الصحافيين في الجزائر، وتمتد تجربته الإعلامية لعشرات السنين، وسبق له رئاسة تحرير عدد من المؤسسات الإعلامية أبرزها صحيفة «الخبر الأسبوعي» الأسبوعية السياسية الأبرز في الجزائر.

الكتاب الصادر عن «دار الوطن للنشر» لصاحبها الروائي كمال قرور في126  صفحة، من القطع المتوسط تحتوي على 23 عنوانا فرعيا، تستوقف القارئ عند أبرز محطات حكم بوتفليقة (82 عاما)، أثار نقاشا واسعا على خلفية تكليف الجنرال المتقاعد خالد نزار محاميه برفع دعوى قضائية ضد بوباكير اعتراضا على ما قال إنه «كُتب في حقه»، وبعد أن نقل الأخير خلال ندوة فكرية عقدها بمقر صحيفة «الحوار» بالعاصمة قبل أيام، شهادة للرئيس الجزائري الراحل الشاذلي بن جديد (1979-1991) قال له فيها شخصيا إنه «ندم على تعيين الجنرال خالد نزار وزيرا للدفاع مطلع التسعينات».

تهديد الجنرال للكاتب خلف ردود فعل غاضبة ودفع بعشرات الكتاب والمثقفين لإصدار بيانات تنديد ورفض لما يتعرض له الكاتب بوباكير من تهديدات.

صاحب دار النشر كمال قرور لم يعبأ بأعذار عجال محمد، محامي الجنرال المتقاعد الذي أرسله له يوم الثامن والعشرين من نيسان، وأبدى تضامنا مع بوباكير، وعبر عن موقفه في صفحته «الفيسبوكية»، مؤكدا أن «هذا الكتاب شيق وممتع ويستحق أن يقرأه الجزائريون وأنه لا يمس بسمعة أحد، ويتقيد بالموضوعية، متسائلا عن السرّ في تحرش كثير من الدوائر به»، وعبر عن «رفضه للرقابة ومصادرة الرأي ومحاكمة النوايا»، وأن «دار نشره مع الحرية المسؤولة». مؤكدا أن كتاب «بوتفليقة رجل القدر» تضمن شهادات أدلى بها الرئيس الراحل الشاذلي بن جديد لمؤلفه الذي سبق أن أحدث ضجة بنشره الجزء الأول من كتاب مذكرات الرئيس الراحل، والذي سيتضمن في جزئه الثاني حقائق مرعبة عن علاقته بالرئيس السابق بوتفليقة، ومن المنتظر أن يصدر الصيف المقبل.

الكتاب يسرد بأسلوب شيق وماتع في فصوله مجموعة من التأملات والأفكار التي ينقلها الكاتب عن حياة الرئيس السّابع في تاريخ الجزائريين، ونظرته للحكم وعلاقته بالجيش، وكيفية إدارته للحكم، هذه التأملات نشرت سابقا ضمن سلسلة مقالات بين 1999 و2002، وبعضها الآخر نشر موخرا.

بداية الكتاب كانت بنبوءة تنسب لأحد المشعوذين الذين عاصروا الشيخ عبد الحميد بن باديس وهو الشيخ الطاهر بن الموفّق الذي وافته المنية عام 1935، حيث تنبأ هذا الشيخ بأن الجزائر يحكمها سبعة رؤساء بعد الاستقلال أولهم (بهلول) أحمد بن بلة، وثانيهم (رمول) هوراي بومدين، والثالث (حطوه يقول) الشاذلي بن جديد، ورابعهم (يموت مقتول) محمد بوضياف، وخامسهم (بقرة محاطة بالعجول) علي كافي، وسادسهم (يكثر معاه القتل والهول) اليامين زروال، وسابعهم (يأتي بالحلول) عبد العزيز بوتفليقة.

في متن الكتاب تطرق بوباكير إلى عدة محطات من حياة الرئيس بوتفليقة منذ أن كان شابا يافعا، ورمزا للفتوة، ومثالا لقوّة الإرادة، ونموذجا لسحر النجاح، كيف لا وهو الشاب الذي تربع على عرش وزارة الشباب والرياضة وعمره لا يتجاوز الخامسة والعشرين عاما.

ورغم أن بوتفليقة بلغ ذرى المجد وهو شاب، إلا أن هذا المجد يقول بوباكير «سرق منه وهو لا يزال شابا في سنة 1978، وقضى عشرين سنة يعبر صحراء قاحلة موزعا وقته بين استشارات لملوك وأمراء الخليج، وقراءة الكتب والتأمل».

ورغم أن بوتفليقة عاد لبلاده بعد عشرين عاما من التيه، ورغم أنه تجاوز الستين عاما، إلا أنه حافظ على نضارة الشباب، فوعد الشباب في برنامجه الانتخابي بأن يفتح لهم نوافذ الحلم ويشرّع أمامهم أبواب الأمل، بوتفليقة أصبح رئيسا، لكنه لم يعد شابا يقول بوباكير: «فما إن تربع على عرش الرئاسة بالمرادية حتى انقلب على الشباب، واعتبر أن معيار الكفاءة هو سن ما فوق الخمسين فأحاط نفسه بمستشارين تجاوزوا الستين وقضوا نصف عمرهم بعيدا عن البلد وهمومه»، ففي جزائر بوتفليقة يقول بوباكير «اختصر جيل واحد ثلاثة أجيال كاملة باستحواذه على ريُوع الثورة ومنافع الثروة، جيل جعل من الأبوية والاحتكار والإقصاء والتهميش شعارا له في مملكة تشبه الاقطاعات القديمة التي علّقت على أبواب مداخلها شعارا يقول: هنا حكم الشيوخ وعقيدتها، أيها الشباب لا تفكروا، إن الشيوخ يفكرون من أجلكم».

في فصله «غسّال موتى القصر» يسرد بوباكير تفاصيل اختيار رؤساء الجزائر حينما يبلغ الصراع أشده بين من يقررون الرئيس الذي يحكم رقاب الجزائريين، فغسال الموتى الذي يجهله السواد الأعظم من الجزائريين كان أحد دايات الجزائر عام 1808، فكتب التاريخ حسب ما ذكره بوباكير «تروي حادثة طريفة غريبة وقعت إبان حكم الأتراك للجزائر، وتفاصيلها أن أهل الربط والحلّ اختلفوا في أمر تعيين الداي، ووصل الأمر بينهم إلى طريق مسدود، فاتفقوا على الخروج من القصر وتعيين أول شخص يصادفونه، اعتقادا منهم أن يكون ذلك الشخص منتميا بالضرورة إلى أحد الفريقين، ولكم كانت دهشتهم كبيرة حين وجدوا أنفسهم وجها لوجه مع غسّال موتى القصر، وهكذا عين علي الغسال دايا على الجزائر، لكن ولايته لم تدم سوى أربعة أشهر انتشر فيها الخراب والفساد، وانتهت بمقتله مشنوقا في السابع من فبراير 1809»، والمهم في هذه القصة الغريبة يقول بوباكير أنها «تذكره بمثيلاتها في حاضرنا فما أشبه اليوم بالبارحة».

وهكذا رصد بوباكير مسلسل وكواليس اختيار روساء الجزائر، وكيف يهتدي المتخاصمون من أهل الحلّ والعقد إلى حلول تكون فيها مصلحة الشعب هي آخر اعتبار، فحين اختلفوا بعد وفاة بومدين اهتدوا إلى قاعدة الأكبر سنا والأعلى رتبة في الجيش لتجاوز معضلة الخلافة فحكم البلاد الشاذلي بن جديد لمدة 13 عاما، وبعد استقالته اهتدوا إلى دعوة بوضياف الذي كان قابعا في مصنع للآجر في القنيطرة، ورغم أنه لم يشنق كما شنق علي الغسال إلا أنه اغتيل أمام كاميرات التلفاز، وبعد وفاته اهتدى أهل الحلّ والعقد إلى رئاسة جماعية لتجاوز الخلاف، لكن اتضح بعد ذلك أن الخمسة كثر ففكر وزير الدفاع آنذاك خالد نزار في استقدام اليامين زروال الجنرال المتقاعد ليكون رئيسا للجزائريين.

واللافت أن هذه الجملة هي الوحيدة التي جاء فيها ذكر الجنرال الغاضب خالد نزار، ما أثار تساؤلات عميقة بشأن مبررات وأسباب غضبه من نشر الكتاب، لكن فيما يبدو أن الجنرال استبق نشر الكتاب بالغضب، لأنه يعلم أن الكاتب بوباكير خزان أسرار لو كشف الغطاء لتبين الكثير من المجهول من تاريخ البلاد.

وهكذا وبعد أن استقال اليامين زروال اهتدى أهل الحلّ والعقد مجددا إلى البحث عن شخصية تكون محل توافق بينهم، فاهتدوا إلى بوتفليقة الذي حرموه من المجد عام 1978 بعد وفاة الرئيس هواري بومدين، لكن بوتفليقة كان متطلبا، ورفض أن يكون ثلث رئيس، بل طلب السلّطة كلها لا بعضها.

وفي فصل عنونه بـ«رجل القدر» سرد بوباكير ما وقع بين الرئيس عبد العزيز بوتفليقة وصحافي فرنسي حين استفزه هذا الأخير بقوله «أنت قصير القامة» فأفحمه الرئيس برده «ولكني أطول من إمبراطوركم نابليون بثلاثة سنتيمترات»، سرعة البديهة لدى بوتفليقة تنم حسب بوباكير عن «معرفته العميقة بدقائق سيرة الإمبراطور الفرنسي وخبايا نفسيته، وتخفي في آن واحد إعجابه بشخصيته الفذّة وانبهاره أمام مصيرها الاستثنائي».

بوباكير ومن خلال هذا الفصل يؤكد أن بوتفليقة منبهر حد التقليد الأعمى لحركات نابليون وسكناته وطريقة تسييره لدواليب الدولة، تماهي بوتفليقة حسيًا، ووجدانيًا، وعقليًا، وصل إلى حد تحول فيه نابليون إلى «نموذج أعلى»، وبرأي بوباكير فإن «لهذا التماهي مبررات، فكلاهما منحدر من أصول متواضعة، وكلاهما ينطوي على ضروب من الشجاعة والاعتداد بالنفس وسعة الخيال مدعومة بطاقة من النشاط الفياض والطموح العارم الذي لا حدّ له».

نابليون آمن أنه رجل قدر حين دحر الإنجليز في مدينة طولون، فتألق نجمه وأصبح جنرالا، وهو لم يتجاوز الرابعة والعشرين من عمره، وبدأت تراوده أحلام غزو أوروبا، وبوتفليقة أيضا آمن أنه رجل قدر حين خرج من صُلب الثورة، ووجد نفسه وهو في العقد الثالث من عمره وزيرا للشباب والرياضة، ثم وزيرا للخارجية في بلد فتي مفعم بالطموحات العارمة والأحلام الجنونية.

نابليون آمن أنه رجل قدر ورجل القدر نرجسي بطبعه، معجب بنفسه، لا يقبل أفكار غيره، لا ينحاز إلى طائفة إلا بدافع الأنانية لا إيمانا بمبادئ، لذلك لم ينتم لأي حزب، وكذلك بوتفليقة آمن أنه رجل قدر، عاش في ظلال بومدين وأفكاره شبه الاشتراكية لكنه حافظ على ميوله الليبرالية، ترشح للرئاسة فوق كل الأحزاب وحينما فاز بالرئاسة طلق كل الأحزاب بالثلاثة.

بوباكير رصد عدة نقاط تقاطع بين الرجلين، فكلاهما لا يعترف بالهزائم، وبقدر ما كانت تلك الهزائم متعددة إلا أن عودتهما تكون الأقوى، وكل منهما يؤمن بأن القدر ساقهما للتغيير، كما أنهما لا يثقان بأحد، لأجل ذلك يسندان المناصب الحساسة في الدولة لأفراد من عائلتيهما وذويهما، رغم ما عرف عنهما من حماقة وطيش.

الكتاب تضمن أيضا علاقة بوتفليقة مع فرنسا، وسرد تفاصيل موافقته حضور الجزائر قمة الدول الأعضاء في منتدى الفرنكفونية وكيف أن «هذه الخطوة فتحت عليه جبهة ساخنة تكرس التنابذ والتخاصم حول مكانة اللغة والثقافة الفرنسية بالجزائر، رغم أن الجزائر لم تغنم من فرنسا التي تتزعم هذا الفضاء سوى تحويل 400 مليون فرنك من ديونها إلى استثمارات وجائزة الفرنكفونية للآداب التي فاز بها الروائي الجزائري محمد ديب عام 1994 رغم أنها ثاني دولة فرنكفونية في العالم بعد فرنسا».

الكتاب رصد أيضا جهود بوتفليقة من أجل المصالحة مع فرنسا، فمنذ صعوده إلى سدة الحكم بذل عدة جهود في سبيل ذلك مثل لجوئه للحديث بلغة موليير، وحديثه عن إسهام اليهود في التاريخ الثقافي للجزائر، ودعوته للمغني انريكو ماسياس لزيارة الجزائر، وقبوله التعامل مع حظيرة الفرنكفونية، وإصراره على إقامة عام الجزائر في فرنسا عام 2003. وهذه الخطوات يؤكد بوباكير أنها «تقود بلا شك إلى تلك المصالحة التاريخية مع العدو القديم الذي كان بوتفليقة يحلم بها من 1963 حينما استقبل ديغول الوزير الشاب عبد العزيز بوتفليقة، وكان من المقرر أن يدوم اللقاء ساعة فقط لكنه استمر ساعتين، وقال ديغول عن بوتفليقة هذا الشاب يريد لنا خيرا».

وفي فصل «جيسكار، بومدين، وبوتفليقة» يسرد بوباكير تفاصيل مثيرة عن علاقة ونظرة الرئيس الفرنسي الأسبق فاليري جيسكار للجزائر، وروى كواليس عن أول زيارة له كرئيس فرنسي للجزائر وكان ذلك في أبريل 1975 وكانت هذه الزيارة أول زيارة رسمية لرئيس فرنسي إلى الجزائر، وخلال جولته بشارع ديدوش في العاصمة الجزائر أصر جيسكار على إهانة الجزائريين بقوله «فرنسا التاريخية تحيي الجزائر المستقلة، أي إن الجزائر بلا تاريخ، فرد عليه بومدين بقوله لقد طوينا الصفحة ولم نمزّقها، لكن الجزائر هي صنيعة التاريخ».

جيسكار حسب بوباكير «دعا بعد ذلك بومدين لزيارة باريس قبل وبعد مرضه لكنه رفض خوفا من تسميمه، وفضل موسكو، وحين عودة الطائرة في آخر رحلة لها من موسكو، وبومدين في سكرات الموت، حلّقت في أجواء كورسيكا الفرنسية، ويتعجب جيسكار من ذلك، ويتعجب أيضا من فحوى البرقية الرائعة والحارّة التي أرسلت إليه من الطائرة، وتدعو إلى استدراك الفرصة الضائعة في العلاقة بين البلدين، فمن أمر بحرف مسار الطائرة بتحليقها في الأجواء الفرنسية، ومن كتب البرقية مع بومدين في الطائرة لم يكن سوى عبد العزيز بوتفليقة».


اشترك في النقاش