وزير الثقافة التونسي لـ«المجلة»: نعتمد على الدبلوماسية والشراكات الثنائية لترويج إنتاجنا الثقافي

محمد زين العابدين قال: تغيرت نظرتنا للثقافة وصرنا نتحدث عن الديمقراطية الثقافية وحقوق المبدع والمتلقي
* أحدثنا أيام قرطاج الشعرية والفن المعاصر والكوريغرافيا والإبداع المهجري
* حولنا القصور الرئاسية القديمة إلى مراكز للآداب والفنون والإبداع لاستغلالها فيما ينفع المثقفين وعموم المواطنين

تونس:قال محمد زين العابدين وزير الثقافة في تونس إن النظرة في بلاده إلى الثقافة قد تغيرت وصار هناك حديث عن الحق في الثقافة والديمقراطية الثقافية وحقوق المبدع والمتلقي وإن تونس تعتمد على الدبلوماسية الثقافية والشراكات الثنائية مع كثير من البلدان لنشر وترويج الإنتاج الثقافي التونسي الجيد في الخارج. 
وذكر محمد زين العابدين في حوار خاص لـ«المجلة» أن وزارته خصصت ميزانية للتشجيع على الإبداع ودعم حركة التأليف والنشر وصناديق لإحداث مدن الفنون ومدن الحضارات ومدن الآداب والكتاب وقد تم إحداث مكتبة سينمائية ومتحف الفنون المعاصرة ومسرح أوبرا تونس والمركز الدولي للاقتصاد الثقافي الرقمي وقصر الآداب والفنون.
وقال وزير الثقافة التونسي إنه تم تحويل القصور الرئاسية القديمة إلى مراكز للآداب والفنون والإبداع لاستغلالها فيما ينفع المثقفين وعموم المواطنين كما تم إحداث أيام قرطاج الشعرية وأيام قرطاج للفن المعاصر وأيام قرطاج للكوريغرافيا وأيام قرطاج للإبداع المهجري... وفيما يلي النص الكامل لهذا الحوار: 

 




وزير الثقافة التونسي محمد زين العابدين


 
* كيف يبدو لك حال الثقافة في تونس اليوم وأي مكانة للمثقف وما الجديد في القطاع؟
- إن التزام الدولة التونسية بالمسألة الثقافية وانخراطها في تشجيع المثقفين والمبدعين والمفكرين مسألة أساسية وثابتة، وقد خطونا خطوات هامة كحكومة وحدة وطنية في إرساء واعتماد المسألة المواطنية للثقافة وكسر تملك الفعل الثقافي من قبل المباشرين للنشاط الثقافي أي المبدعين والمثقفين وكذلك المجتمع المدني وبعض المبادرين، حيث صرنا نعتبر أن ربط الثقافة بالمثقف فقط فيه نوع من التقصير في حق الثقافة وإشعاعها، فقد كانت الفكرة السائدة أن الثقافة لا تهم إلا النخبة والمثقفين ولكن هذا الأمر صار يحتاج إلى مراجعة لأن الفعل الثقافي يتوجه إلى الجمهور العريض وإلى قطاعات الطفولة والتربية والتعليم، وصرنا نتحدث عن الحق في الثقافة والديمقراطية الثقافية وضرورة أن يمس الفعل الثقافي كل التونسيين، وصرنا نهتم بحقوق المبدع والمتلقي والحق في المشاركة وإبداء الرأي.
كما اتجهت وزارة الثقافة للاهتمام أكثر بالجانب الفكري من خلال عدة برامج منها مثلا دعم عمل معهد تونس للترجمة وكل ما يهم اللغة والترجمة واللسانيات والبحوث المختصة في الأدب والفكر وإيلاء هذا المعهد ما يستحق من الرعاية والاهتمام والتطوير، كما دعمنا عمل دار الكتب الوطنية وإسهامها في الحركة الثقافية وركزنا اهتماما أكبر على المكتبات العمومية الوطنية والجهوية التي زاد عددها وتدعم رصيدها من الكتب والمؤلفات، واهتمت الوزارة أيضا بسياسة شراء الكتب ودعم المفكرين والأدباء والناشرين وغيرنا طرق العمل وضاعفنا ميزانية اقتناء الكتاب التونسي تشجيعا للمؤلفين والمفكرين.
كما قمنا بإحداث مؤسسات مرجعية في مجالات الفكر والإبداع والمعرفة والتاريخ والفنون ومنها المكتبة السينمائية التي توفر المراجع والوثائق ذات الصلة بفن السينما والفنون السمعية البصرية عموما وبكل ما هو إنتاج رقمي، وهذه المكتبة انطلق عملها ونراهن عليها لإعادة الاعتبار للذاكرة السينمائية والتشجيع على التعرف على تاريخ تونس عبر الوثائق المصورة، كما تم فتح متحف الفنون المعاصرة إلى جانب العمل على دعم الخزينة الوطنية للفنون التشكيلية التي تحتضن نحو 155 ألف عمل وتختزل الذاكرة الخاصة بالرسامين والتشكيليين عموما والمثقفين والمفكرين والعلماء والباحثين.
 ومن الإحداثات الجديدة مسرح أوبرا تونس الذي يبرز إنتاجات قطب الموسيقى والأوبرا ونشتغل الآن على الموسيقى الكونية والأوبرا العالمية وعلى كتابة مدونة جديدة لخلق تجانس بين كل الفاعلين في مجالات الرقص والموسيقى والمسرح والغناء وكل ما يتعلق بالاجتهاد في مستوى الكتابة الجسدية أي الكتابة الكوريغرافية باستخدام الجسد.
كما قررنا تعميم مراكز الفنون الدرامية على كل الولايات (المحافظات) نظرا لأهمية المسرح من الناحيتين الجمالية والفكرية وأقمنا مركز تونس الدولي للاقتصاد الثقافي الرقمي، ويعنى هذا المركز أساسا بالعلاقة بين التكنولوجيا والتراث والهدف منه تسهيل إيلاء اهتمام أكبر بالذاكرة التونسية والتراث التونسي والآثار والتاريخ وهو تاريخ متراكم منذ آلاف السنين ونحاول من خلال التقنيات الجديدة والحوامل الحديثة استعادة وتثمين هذا التاريخ لنجعله أكثر قربا من الجمهور.
ومن باب الاهتمام بالمثقف ركزنا على التشجيع على الإبداع وخصصنا ميزانية وصناديق خاصة لإحداث مدن الفنون ومدن الحضارات ومدن الآداب والكتاب ومن خلالها نحاول وضع هذه القضايا في صلب اهتمامنا، وقمنا أيضا بإحداث قصر الآداب والفنون بقصر السعيد والذي يحتضن مدرسة تونس للفلسفة ومدرسة تونس للتاريخ والأنتروبولوجيا ومركز تونس للسياسات الثقافية، وخصصنا ميزانيات كبرى لدعم الفكر والأدب والشعر والفنون عموما عبر اقتناء الجيد من المؤلفات وقررنا أن نخصص مهرجانا دوليا لكل قطاع من الآداب والفنون على غرار أيام قرطاج السينمائية وأيام قرطاج المسرحية وأيام قرطاج الموسيقية فأسسنا أيام قرطاج الشعرية وصار لها إشعاع ومدى عربي ودولي وأقمنا دورتين من هذا المهرجان، وكذلك أيام قرطاج للفن المعاصر وهو مهرجان ذو إشعاع دولي، وأيام قرطاج للكوريغرافيا وأيام قرطاج للإبداع المهجري لربط الصلة مع المبدعين التونسيين في الخارج، كما ركزنا الاهتمام على الثقافة في الجهات الداخلية وخصصنا ميزانية لفائدة أهل الفكر والإبداع من أجل تفعيل الذكاء والقدرة على الإبداع في الجهات.
 
*لوحظت في السنوات الأخيرة حركة إبداعية جديدة وموجة من الإنتاج الثقافي والفني الغزير في مختلف مجالات الإبداع، وهذا يحتاج منكم إلى تأطير ورعاية، أليس كذلك؟
- لترسيخ مبدأ الفعل الثقافي انطلقنا من فكرة أن الثقافة حق للجميع أينما كانوا، هذه الفكرة تقتضي البعد المواطني للثقافة أي إيصال الثقافة والمنتج الثقافي إلى كل التونسيين في كل مكان، فلا نريد أن تكون الثقافة حكرا على فئة أو نخبة أو جهة وهذه هي الديمقراطية الجديدة للفعل الثقافي والتنشيط الثقافي، ولا نريد أن تكون الثقافة شعارا بل تكون واقعا ملموسا ولذلك نرى اليوم هذا الكم الهائل من الإنتاجات في مجالات الموسيقى والسينما والمسرح والكوريغرافيا والأدب وتنظيم الندوات واللقاءات الثقافية، وهذه السياسة أردناها ثقافة معممة تذهب إلى الجهات ولا تقصي أحدا كما وفرنا كل ظروف التشجيع للمبدعين.
 
*هل هناك تنسيق وشراكة مع الوزارات التي لها علاقة بالقطاع الثقافي مثل وزارات السياحة والاستثمار والتعليم والخارجية وغيرها حتى لا يبقى الشأن الثقافي من مسؤولية وزارة الثقافة وحدها وحتى لا تتشتت الجهود؟
- هناك اهتمام وانخراط من كل الوزارات في الشأن الثقافي ولكن وزارة الثقافة تتولى رعاية القطاع دون أن ينفي ذلك التقاطعات بين عمل الوزارة ووزارات أخرى معنية، ولنا الآن اتفاقية ومشاريع ثقافية مشتركة مع وزارة التعليم العالي ونتعاون أيضا مع وزارة السياحة في مجال السياحة الثقافية والسياحة التراثية والمسالك الثقافية، ولنا أيضا شراكة مع وزارات الفلاحة والبيئة حيث نشتغل على جانب الثقافة البيئية، لذلك لا يمكن تجزئة الثقافة وتبقى وزارتنا هي التي تشرف على القطاع مع التواصل والتعاون مع باقي الوزارات والهياكل المعنية.
 
*المسؤوليات المنوطة بعهدة وزارتكم كثيرة والمشاريع والبرامج التي تنفذونها كبيرة، لكن ميزانية الوزارة ضعيفة، فكيف تواجهون الصعوبات المالية؟
- هذا مشكل كبير فعلا، إذ لا بد من ميزانية هامة ولا بد أيضا من التخطيط ووضوح الرؤية وهذا موجود وقائم، فقد بدأنا سنة 2017 في تجسيد سياسة ثقافية جديدة برؤية جديدة وحاولنا جعل الميزانية مستجيبة لهذه الرؤية ومساعدة على تنفيذها وساهمنا في تحسين مؤشرات التنمية في الجهات من خلال تدخلات حقيقية وساعدنا هذه الجهات على التعبير عن خصوصياتها رغم ضعف الإمكانيات المالية وركزنا على تثمين الميزانية المتوفرة بالطريقة القصوى، ويبقى الاستثمار في التراث والآثار والمسالك الثقافية وحسن استغلال ما لدينا من موارد حضارية وإنسانية أحد الحلول لمشكل الميزانية ويمكن أن تكون هناك وزارة للتراث الحضاري تعنى بالمعالم والمواقع الأثرية والمتاحف وتحميها وبذلك يستقل التراث عن الآداب والفنون وتكون له ميزانية هامة.
 
*إضافة إلى مسألة الموارد المالية تواجه وزارة الثقافة أيضا مشكل ضعف البنية التحتية ونقص الفضاءات الثقافية، أليس كذلك؟
- نظرا إلى أن أغلب المؤسسات والفضاءات الثقافية قد بنيت منذ خمسينات وستينات القرن الماضي فقد أصبحت قديمة وبعضها مهترئ وصار بحاجة إلى الترميم والصيانة وإعادة التهيئة، وقمنا مؤخرا بفتح نحو خمسين مؤسسة جديدة بين دور ثقافة ومراكز للفنون الدرامية ومعاهد موسيقى ومركبات ثقافية وكلها أحدثت في السنوات الثلاث الأخيرة وجعلنا سنة 2019 سنة تأهيل المؤسسات الثقافية والقيام بما يلزمها من ترميم وتعهد وصيانة وتجميل ويهم الأمر 200 مكتبة عمومية و100 فضاء ثقافي بالإضافة إلى تجديد المعدات والتجهيزات رغم نقص الإمكانيات المالية، علما بأن هناك 100 فضاء ثقافي خاص يساهم في تكريس ثقافة القرب ونحاول من جانبنا دعم وتشجيع هذه الفضاءات ماديا لمساعدتها على مواجهة الصعوبات، ونهدف بذلك إلى خلق تناغم وتكامل بين المؤسسات الثقافية العمومية والفضاءات الخاصة والمبادرات الجادة التي تقدم الإضافة وتزيد من إشعاع النشاط الثقافي.

 




مشهد من أيام قرطاج الشعرية في دورتها الثانية التي اختتمت في 29 مارس 2019


 
* هل تبذلون مجهوداً من أجل الارتقاء بالذوق العام ومقاومة الرداءة في بعض الأعمال الفنية والثقافية؟
- نحن في وزارة الثقافة نحبذ دائماً التعاطي مع فعل إبداعي فيه قيمة جمالية تراعي الذوق السليم وأخلاقيات المجتمع ونشجع على هذا، لكن في خضم ما يشهده العالم من طغيان المنطق التجاري وتقريب المادة الثقافية للجمهور العريض، صار هناك استسهال للإنتاج وإقبال من الجمهور على بعض الإنتاجات الهابطة والرديئة، لكننا بعيدين عن كل هذا، والمؤسسات الثقافية تقوم بعمل نوعي وهذا ينطبق على كل المجالات وكل ألوان الإبداع، ونحاول من خلال سياستنا القطاعية تشجيع الجودة وعدم دعم الرداءة، ولنا تعامل خاص مع تراثنا الثقافي والحضاري فهو جزء من ذاكرتنا ورصيدنا الفني والثقافي وعلينا المحافظة عليه وإحياؤه وتثمينه وهذا من صميم دورنا.
 
* يقال إن دعم وزارتكم للأنشطة الثقافية والإنتاج الثقافي (سينما ومسرح وموسيقى وغيره) يمثل باب فساد مالي ومجاملات وتجاوزات، ما مدى صحة هذا الكلام؟
- مسألة إسناد الدعم المالي العمومي للأعمال الإبداعية والثقافية أمر تتولاه لجان خاصة، ونحرص على أن تكون لهذه اللجان ما يلزم من المصداقية والأخلاق وأن تتعامل مع كل الملفات وطلبات الدعم بجدية وهذه قواعد أساسية في عمل هذه اللجان، ونحرص أيضا على أخلقة العمل الثقافي والتأكيد على جانب الثقة. كما أن تنظيم الأنشطة الثقافية تقوم به الجمعيات وهي التي تختار برامجها بكامل الحرية ولا نتدخل في عملها وتوجهاتها.
 
* ماذا في برنامج احتفالات تونس بمظاهرة تونس عاصمة الثقافة والتراث الإسلامي 2019؟
- هذه المظاهرة ترعاها المنظمة الإسلامية للتربية والثقافة والعلوم (الإيسيسكو) وهي حدث هام ونسعى إلى أن تقدم تونس ما لها من ثراء ثقافي وحضاري، وسنحاول من خلال الأنشطة المبرمجة (ندوات ومحاضرات ونشر كتب وترميم معالم أثرية إسلامية) إبراز قيم التسامح والاعتدال والرحمة التي تميز الدين الإسلامي.
 
* في تونس طاقات إبداعية وإنتاجات فنية وثقافية راقية تستحق الترويج في الخارج، هل تشتغلون على هذا الجانب؟
- نعتمد باستمرار على الدبلوماسية الثقافية وعلى شراكات ثنائية مع كثير من البلدان لنشر وترويج الإنتاج الثقافي الجيد في الخارج من خلال معارض الكتب والتعريف بفنانينا ومبدعينا، وهناك عدد كبير من المبدعين التونسيين الذين يمثلون تونس في المهرجانات الدولية والمظاهرات الثقافية الدولية المتنوعة.
 
*ما الذي تعتزم وزارتكم إنجازه في المرحلة القادمة في إطار استكمال تنفيذ رؤيتكم الهادفة إلى تطوير القطاع الثقافي والنهوض به؟
- قمنا مؤخرا بإعادة الحياة إلى عدة فضاءات وأقصد هنا القصور الرئاسية التي بناها الرئيس الأسبق الحبيب بورقيبة والمنتشرة في عدة مدن وهي قصور عمومية ملك للدولة ولكنها كانت مغلقة ولا يدخلها أحد فحولناها إلى مراكز للآداب والفنون مثل القصر السعيد بباردو وقصر بورقيبة بمدينة باجة وقريبا القصر الرئاسي بمدينة توزر وأيضا القصر الرئاسي بعين دراهم، وهكذا ستصبح هذه القصور فضاءات للأدب والثقافة والإبداع والفكر وتستغل فيما ينفع المثقفين وعموم المواطنين، كما سنصل إلى إحداث 24 مركزا للفنون الدرامية لنا منها الآن نحو 16 مركزا ونأمل أن تتواصل هذه النجاحات التي تحسب لفريق عمل يجتهد ويعمل من أجل الصالح العام وسنعمل على تعيين المزيد من الكفاءات من أهل الفن والثقافة والفكر في المؤسسات الثقافية وتحميلهم مسؤولية المشاركة في إدارة قطاع الثقافة وتنميته، ونسعى أيضا إلى تحقيق الرهان الأكبر وهو أن تكون لنا ثقافة ريادية ولوزارة الثقافة موقع متقدم ضمن باقي الوزارات نعمل ونجتهد ونعطي للثقافة المكانة التي تستحق ونساهم في البناء الوطني والنهوض بالإنسان التونسي.


اشترك في النقاش