البرغماتية «البوتينية»

روسيا وإدارة الأزمة الإيرانية
* تعي موسكو أن التهدئة الأميركية حيال إيران ليست قريبة كما أن التصعيد العسكري ضد طهران ليس بعيدا، بما يحتم الانتقال من المساحات الرمادية إلى نطاق المواقف المحددة التي تضمن لموسكو مصالحها
* رئيس البعثة الدبلوماسية الأميركية في روسيا: تأمل واشنطن في أن يسهم اللقاء الأمني بين الولايات المتحدة وإسرائيل وروسيا في بلورة نهج مشترك «أكثر فعالية» إزاء إيران
* تعتبر المنهجية الروسية الواقعية لحساب التكاليف والأرباح حيال السياسة الخارجية بالغة الأهمية. ولو أن الغرب لن يبدأ في إثارة موسكو من خلال أنشطة تهدد الأمن القومي والمصالح الاقتصادية الروسية، يبدو أن إدارة بوتين لن تقوم بأي خطوات سلبية ومفاجئة فيما يتعلق بإيران
* موسكو تدرك أيضا حينما تصوغ مقاربتها حيال أزمة طهران المتفاقمة أن اعترافاً رسمياً بأولوية إيران في السياسة الروسية قد يضر بالحوار الروسي مع عدد من الدول التي لها علاقات غير مستقرة مع إيران
* ثمة تحولات تشهدها علاقات مختلف الأطراف، على نحو قد يُضعف الفرضيات التقليدية للعلاقات الروسية–الإيرانية لصالح تحولات متصاعدة في علاقات موسكو مع كل من واشنطن وتل أبيب

 

تطورات متلاحقة تشهدها أنماط التفاعلات الدولية بسبب الأزمة الإيرانية. التطورات هذه المرة ترتبط بروسيا التي طالما كانت لاعبا دوليا عولت إيران عليه كثيرا إما للمناورة أو لتخفيف حدة الضغوط الدولية، أو لإيجاد مساحات للحركة لتفادي ارتدادات السياسات الغربية الرافضة لاستراتيجيات طهرات الإقليمية. فقد أُعلن مؤخرا على انخراط ثلاثي يشمل موسكو وواشنطن وتل أبيب في اجتماعات ستعقد في القدس للتباحث حول «حلقة وصل» بين القضية السورية وأنماط السياسات الإيرانية، وذلك في إطار أطلق عليه من قبل البعض «مساومات دولية» تستهدف إيجاد ما سماه المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا، جيمس جيفري: «المسار المحتمل للمضي قدماً» يستهدف حل الأزمة السورية، وإنهاء عزلة سوريا الدولية ضمن خطوات أخرى تشمل تخفيض منسوب النفوذ الإيراني في سوريا.
الاجتماع الثلاثي غير تقليدي، من حيث أطرافه، وموقعه، وحيثياته، كما أنه يكشف طبيعة البرغماتية الروسية التي تسعى إلى تحويل عبء السياسات الإيرانية إلى فرصة لتخفيض مستوى التوتر في العلاقات الأميركية–الروسية، عبر اجتماع متوقع بين الثلاثي، مستشار الأمن القومي الأميركي، جون بولتون، وسكرتير مجلس الأمن الروسي نيكولاي باتروشيف، ومستشار الأمن القومي الإسرائيلي مئير بن شبات، لإيجاد أرضية مشتركة لتقويم سياسات إيران عبر أطر تقبلها واشنطن وتضمن مصالح موسكو.
يأتي ذلك عبر استراتيجية عدم الفصل بين الملفات والقضايا المتداخلة، التي ترتبط بسياسات إيران الإقليمية وتحركاتها على الساحة السورية وما تمثله من تهديدات لجوارها الجغرافي، وذلك في معادلة غير مسبوقة أطلق عليها البعض مصطلح «صفقة» تقضي بتجميد مسار «آستانه» لصالح مسار «جنيف» على أن يكون الضابط للتحركات في هذا الإطار التفاهمات بين واشنطن وموسكو. وتتطلب هذه الصفقة تعاوناً روسياً وسورياً وإسرائيلياً لإخراج إيران من الأراضي السورية مقابل مساهمة أميركية في الوصول إلى الحل السياسي للأزمة السورية، بما يتناسب مع الشروط الروسية والمصالح الأميركية والإسرائيلية.

 




بوتين وروحاني


 
روسيا وعبء السياسات الإيرانية
تعي موسكو أن التهدئة الأميركية حيال إيران ليست قريبة كما أن التصعيد العسكري ضد طهران ليس بعيدا، بما يحتم الانتقال من المساحات الرمادية إلى نطاق المواقف المحددة التي تضمن لموسكو مصالحها، وتدفع طهران إلى إدراك أن ساعة الحقيقة قد حان موعدها، وأن العمليات الإيرانية الخاصة باستهداف طرق النفط ومنتجيه لن تسهم إلا في رفع ثمن سياساتها، وأن التلويح بخيارات تصعيد الهجمات الصاروخية أو تنشيط جبهة إسرائيل–«حزب الله» لن تفضي إلا إلى تصعيد وتيرة السياسات التي تستهدف إنهاء الملف الإيراني ووضع حد لسياسات نظامه العدائية في الإقليم، والتي لا تستهدف من عملياتها الإرهابية الأخيرة، سوى الضغط على القوى الغربية لإنهاء «الضغوط» العسكرية الأميركية حيال طهران.
وعلى الرغم من أن ثمة قراءات مختلفة للسياسات الروسية وأهدافها، غير أن طبيعة العلاقات الروسية–الإيرانية ربما تفسر أنماط الحركة الروسية والمدى الذي يمكنها بلوغه. فقد مرت العلاقات بين البلدين بمنعطفات وتعرجات متباينة كما اعترتها انقطاعات مفاجئة، وأدت إلى قيام موسكو وطهران باتهام بعضهما البعض بالإخفاق في الوفاء بالتزامات المعاهدات أو حفظ التعهدات. يرتبط ذلك بعدد من المحركات، منها ما أشار إليه تقرير صدر حديثا عن معهد Washington Institute، حيث طبيعة التعاطي الروسي مع سياسات طهران، والذي يتسم بأنه يتحرك وفقاً لكل حالة على حدة، بما يعني أن أسس العلاقات تتحقق بناء على مصالح متبادلة في قضايا مختلفة لا تتساوى أهميتها وأولوياتها لدى موسكو.
وبناء على ذلك، فثمة إمكانية للتنبؤ بأن أنماط تطور العلاقات الروسية-الإيرانية ترتبط بمجموع مصالح موسكو لدى طهران حيال الكثير من القضايا التي لا تنفصل عن حسابات علاقات موسكو مع قوى دولية أخرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية، والتي يبدو أن سياساتها التصعيدية حيال الكثير من الملفات والأطراف ككوريا الشمالية والصين ومؤخرا إيران، قد دفعت الجانب الروسي إلى العمل على رأب صدع العلاقات المشتركة، عبر استخدام إيران كورقة ضغط في حوار موسكو السياسي مع واشنطن، سيما أنه سبق لها توظيف الورقة نفسها أثناء فترات التقارب والتوتر مع الولايات المتحدة، إما بتجميد التعاون مع إيران تارة أو بتعزيزه تارة أخرى.

 




بوتين يعانق الحاخام السابق في روسيا آرون بيلسكي بينما الحاخام الحالي بيرل لازار يقف على اليمين خلال حفل الكشف عن النصب التذكاري لأبطال المقاومة في معسكرات الاعتقال النازية والأحياء اليهودية أثناء الحرب العالمية الثانية في المتحف اليهودي ومركز التسامح بموسكو (غيتي). 


 
«القمة الأمنية» والسياسات الإيرانية
أشارت تقديرات أميركية إلى أن إدارة الرئيس دونالد ترامب ستُطلع السلطات الروسية، خلال القمة الأمنية الثلاثية المقرر عقدها في نهاية يونيو (حزيران) الجاري، على الموقف الأميركي المتمثل بـ«ضرورة إخراج القوات الإيرانية من سوريا»، وذلك كمدخل لتقديم طلب إلى القيادة الروسية، لطرح مقارباتها حيال سبل إخراج القوات الإيرانية من سوريا، والحد من أدوارها السلبية في مناطق الجوار. وقد أوضحت التقارير الأميركية المختلفة أن اللقاء الثلاثي المزمع عقده في مدينة القدس المحتلة ليس تعبيرا إلا عن مدى القلق الأميركي من سياسات طهران الإقليمية، ويُعد تجسيدا في الوقت نفسه لقنوات الاتصال التي جمعت الأطراف الثلاثة على أكثر من مستوى خلال الفترة الماضية.
وقد أعلن مدير قسم الإعلام والصحافة في وزارة الخارجية الروسية، أرتيوم كوجين، أن من أبرز أهداف اللقاء المرتقب «البحث عن سبل إيجاد خطوات مشتركة لتسوية الأزمة في سوريا وفي منطقة الشرق الأوسط». 
وتابع أن موسكو تعطي أهمية كبيرة لتحقيق هذا الهدف وأنها ترى «إمكانية لاستخدام صيغ عمل جديدة من شأنها أن تسهم في تحقيق السلام والاستقرار في سوريا». وأضاف أن «موسكو تتعامل مع قضايا تنظيم وإجراء اللقاء المرتقب بمسؤولية بالغة، وتعول على وقف مماثل من قبل الأطراف الأخرى». هذا فيما أكد مجلس الأمن الروسي أن قادة الأجهزة الأمنية في الدول الثلاث سيعقدون اجتماعا يومي 24 و25 يونيو، لبحث «قضايا الأمن في المنطقة». وأوضح المجلس أنه من المخطط عقد اجتماعين ثنائيين لباتروشيف مع كل من بولتون وبن شبات، وعقد اجتماع ثلاثي روسي–أميركي-إسرائيلي.
في مقابل ذلك، أعرب رئيس البعثة الدبلوماسية الأميركية في روسيا، أنتوني غودفري، عن أمل واشنطن في أن يسهم اللقاء الأمني بين الولايات المتحدة وإسرائيل وروسيا في بلورة نهج مشترك «أكثر فعالية» إزاء إيران. ويبدو أن ذلك عبر عن تفهم أميركي لأنماط البرغماتية الروسية والرغبة في الإمساك بكل الأوراق، والتي عبر عنها نائب سكرتير مجلس الأمن الروسي، ألكسندر فينيديكتوف، حينما شدد على ضرورة أن تراعي الخطوات المشتركة بين الدول الثلاث «مصالح جميع الجهات الفاعلة».
الإعلان عن اللقاء الثلاثي، كان قد استبقه وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو في 14 مايو (أيار) الماضي بزيارة روسيا، وهي زيارة مهد لها - على ما يبدو - تقرير المستشار الخاص روبرت مولر الذي صدر في مارس (آذار) 2019. والذي برأ الرئيس دونالد ترامب من اتهامات «التواطؤ»، بما أتاح فرصة لإعادة تدشين قنوات اتصال مباشرة بين البلدين. وعلى الرغم من أن زيارة بومبيو لم تسفر عن تقدم كبير فقد سمحت للجانبين باستكشاف سبل التعاون والتي من المحتمل أن تمضي قدماً في الاجتماع الثلاثي القادم.
وفي هذا الصدد، فقد أظهر الكرملين أنه على استعداد لتقديم بعض الإيماءات بحسن نية تجاه الولايات المتحدة. فبعد لقائه مع بومبيو اقترح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أنه لا ينبغي لإيران الاعتماد على روسيا في مواجهتها مع الولايات المتحدة. وقال الرئيس الروسي خلال مؤتمر صحافي في سوتشي: «روسيا ليست فرقة إطفاء، لا يمكننا إنقاذ كل شيء». وقد سبق حديث بوتين ما ذكرته وكالة «بلومبرغ» بشأن رفض روسيا تزويد إيران بنظام S-400. وذلك على نحو أكد جدية الاتصالات الروسية-الأميركية، وإدراك موسكو أهمية أن لا تشكل طهران عقبة أمام أي فرصة لاختراق جدار العلاقات مع الولايات المتحدة.
وتشير تقديرات مختلفة إلى أن الموقف الروسي ربما يريد مراكمة المكاسب من وراء الأزمة الإيرانية، ليس وحسب في إطار العلاقات مع واشنطن، وإنما فيما يخص أيضا الكثير من القضايا الأخرى، ومن ضمنها التفاعلات بين بلدان «أوبك» والتي من المقرر أن تجتمع في أوائل يوليو (تموز) القادم، لتحديد الإنتاج من النفط في النصف الثاني من عام 2019. والتي من المرجح أن تستغله موسكو للضغط من أجل إقرار إعادة توزيع «حصة طهران» بين أولئك الذين هم جزء من الاتفاقية من أجل الحفاظ على سوق النفط الدولية مستقرة وتجنب مزيد من تقلبات الأسعار. وفي الوقت نفسه يمكن لروسيا أيضا الاستفادة من انشغال إيران بالأزمة المتفاقمة مع واشنطن، لتحقيق المزيد من المكاسب في سوريا، سيما أن موسكو تحركت مؤخراً لكبح النفوذ الإيراني في بعض المجالات الاستراتيجية عبر تحركات وإجراءات مختلفة بعضها كان ذا طابع عسكري.

 




خامنئي والأسد


 
توترات إيرانية – روسية في سوريا
كانت العلاقات الروسية-الإيرانية قد شهدت توترات متصاعدة الحدة في سوريا، سيما بعد استهداف إسرائيل لمواقع المجموعات الإرهابية التابعة لطهران بسوريا. وبحسب اتجاهات تركية رائجة، فثمة بوادر صراع طفا على السطح بين البلدين في سوريا، لأسباب أحدثها اندلاع اشتباكات بين قوات النظام الموالية لموسكو، وأخرى لطهران. والتقارب الإسرائيلي-الروسي، جاء بعد أن شهدت علاقات الطرفين توترا عقب تسبب مقاتلات إسرائيلية في منتصف سبتمبر (أيلول) 2018، بإسقاط طائرة استطلاع روسية ومصرع 15 عسكريا كانوا على متنها، خلال غارات شنها سلاح الجو الإسرائيلي على مواقع في سوريا.
وكان موقع «دويتشه فيله» قد نشر تقريرا مؤخرا، حول الموضوع، جاء فيه أن «روسيا وإيران يبتعدان عن بعضهما البعض في سوريا، فيما يترسخ ثنائي جديد يتمثل في روسيا وإسرائيل، ويجمعهما هدف تخفيض منسوب الوجود الإيراني في سوريا». وقد نقل التقرير عن وزير الهجرة الإسرائيلي يواف غالانت، قوله، إن «المرحلة التي كان لا بد فيها من النظر إلى روسيا وإيران و(حزب الله) كحلفاء، قد انتهت، وبات إخراج إيران من سوريا هدفا مشتركا لروسيا وإسرائيل». وأوضح أن إسرائيل تعتبر وجود «دولة شيعية» على حدودها أمرا غير مقبول، فيما ترى روسيا في وجود إيران «عامل تشويش» ومعطلا لجهودها في ترسيخ وقف إطلاق النار في سوريا بعد ثماني سنوات من الحرب. ولفت إلى أن «الاتصالات الدبلوماسية بين موسكو وتل أبيب تكثفت في الآونة الأخيرة بخصوص سوريا». واعتبر أن الاشتباكات بين «قوات النمر» و«الفرقة الرابعة» في مدينة حماه، تعبر عن العزلة السياسية التي تعاني منها إيران حتى وسط حلفائها.
وفي هذا الإطار يقول الخبير السياسي الروسي أنطون مردسوف، إن الصراع الروسي الإيراني كان دائما جزءا من الحرب السورية، إلا أن هذا الصراع تطور مؤخرا ليأخذ بعدا سياسيا. وذكرت صحيفة «RBC» الاقتصادية الروسية في مقال قبل نحو شهرين، أن المجموعات التي تدعمها إيران تزيد قوتها مع الزمن مستفيدة من فراغ السلطة، وهذا يعوق هدف روسيا في توحيد جيش النظام السوري تحت قيادة واحدة. وأكدت الصحيفة ضرورة أن تقوم روسيا بتقييد قوة المجموعات التابعة لإيران في سوريا، وتشكيل قيادة عسكرية قوية لقيادة الجيش بحيث تبتلع بقية القوى العسكرية في مناطق النظام السوري.
هذا فيما قال المحلل العسكري في صحيفة «يديعوت أحرونوت» الإسرائيلية، ألكس فيشمان، إن المواجهة الإيرانية الروسية، خلال الأسابيع الأخيرة، حول ميناء طرطوس هي مرحلة أخرى في سلسلة الصدامات بين الدولتين للسيطرة على الأصول الاستراتيجية، الاقتصادية والسياسية في سوريا. ولفت إلى أن المؤتمر الأمني الأميركي-الروسي-الإسرائيلي، والذي أعلن عنه رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، سيؤسس لصفقة ثلاثية تعترف بموجبها تل أبيب وواشنطن بشرعية نظام الأسد مقابل أن تعمل روسيا على الحد من النفوذ الإيراني في سوريا. كما ستقلص واشنطن بموجب هذه الصفقة العقوبات المفروضة على روسيا. وكان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قد اتفقا خلال زيارة نتنياهو إلى موسكو على تأسيس «ورشة عمل إقليمية» لتعزيز التنسيق المشترك، ويعتبر الاجتماع المقبل المرحلة الأولى منها.

 




المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا جيمس جيفري


 
موسكو وطهران... أنماط التشابكات
على الرغم من طبيعة البرغماتية الروسية والتي تُعد المحرك الرئيسي لأنماط الإجراءات المتخذة حيال الأزمة الإيرانية، إلا أنه من الصعوبة بمكان إغفال التشابكات الروسية–الإيرانية، وارتداداتها المحتملة على سياسات موسكو، فقد تدعم روسيا استراتيجية «الضغط الأقصى» للولايات المتحدة إزاء إيران، ولكن على نحو لا يثير ارتدادات سلبية على مصالح روسيا في الشرق الأوسط، ورغبتها في تعزيز صادراتها من السلاح إلى منطقة يشوبها التوتر وعدم الاستقرار، بما يخلق طلبا على أدوارها، ويدفع واشنطن إلى تقديم تنازلات وتسهيلات في ساحات أوخرى، كالساحة السورية أو الأوكرانية.
وتريد موسكو تخفيض النفوذ الإيراني في سوريا وليس إنهاءه حتى تظل هناك حاجة أميركية–إسرائيلية لأدوار روسيا حيال مختلف الملفات الإقليمية، سيما أن القيادة العسكرية الروسية تشير إلى أن الإيرانيين مندمجون بعمق في جسم النظام السوري وقواته المسلحة، ويستلزم القضاء عليهم إزالة النظام السياسي والعسكري برمته، وهو تحول ليست موسكو مستعدة للقيام به إلا على نحو نسبي وتدريجي.
وتشير تقديرات رائجة في هذا السياق، إلى أن كلا من موسكو وطهران يتعاونان بشأن قضايا محورية في منطقة بحر قزوين وآسيا الوسطى حيال مجموعة متنوعة من الملفات من الطاقة إلى الأمن. ويتصل بذلك طبيعة المصالح الاقتصادية للنخبة الروسية. فللرئيس فلاديمير بوتين وإدارته علاقات وطيدة مع شركات ومؤسسات اقتصادية متنوعة، تصل إلى درجة أن التعويل على المصالح الاقتصادية لهذه الشركات قد أصبح أحد أهم الأهداف الرئيسية للسياسة الخارجية الروسية.
ويرى نيكولاي كوزهانوف، الخبير في معهد الشرق الأوسط في موسكو، إن القيادة الروسية تسعى إلى المحافظة على مصالح موسكو لدى إيران في حال تغيير النظام أو القيام بعمليات عسكرية أميركية ضد إيران. ذلك أن النخبة السياسية الروسية تشعر بقلق بالغ من فقدان التأثير السياسي والاقتصادي في الشرق الأوسط نظراً لما حدث بعد الإطاحة بصدام حسين ومعمر القذافي. وكنتيجة لذلك تسعى روسيا للحصول على ضمانات بعدم تضرر المصالح الروسية بشكل كبير إذا ما سقط النظام الإيراني.
هذا فيما تقول بعض الصحف القومية الروسية، أن «الصفقة الثلاثية» مغرية جداً لروسيا، بيد أن القيادة الروسية ترى أنه ليس هناك حاجة للاستعجال في اتخاذ القرار بشأنها، لأن «اعتراف الولايات المتحدة وإسرائيل بالأسد قد يكون مكلفا جدا بالنسبة لموسكو». وتشير اتجاهات روسية إلى أن إيران، بالنسبة لروسيا، قد تغدو أهم من سوريا نفسها. وفي مقالة سابقة لصحيفة «الكرملين»، نشرتها في نهاية الشهر الماضي تحت عنوان «لماذا تضحي روسيا بإيران؟»، علقت فيها على قرار موسكو الامتناع عن تزويد إيران بمنظومة S-400، وقالت الصحيفة، إن «القرار إذا كان صحيحاً، فهو قرار غير مبرر، لأن العلاقات الدولية هي بيزنس، ليس إلا». ولهذا ليس من المستغرب أن تساوم روسيا على سوريا وإيران في صفقة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، طالما أن العلاقات بين الدول هي مجرد «بيزنس».
ولا تثق السلطات الروسية بطهران على نحو دائم وشامل. وقد توقع كبير الباحثين في مركز دراسات الشرق الأوسط، بمعهد موسكو الحكومي للعلاقات الدولية، ألكسندر كريلوف أن تتفاقم الأزمة حول إيران، وقال: «بالطبع، لن تدير روسيا ظهرها لإيران، لأنها أحد شركائها الاقتصاديين الرئيسيين». وأضاف: «أنا متأكد تماما من أننا سنبقى على موقفنا السابق نفسه. ليس لدينا بالتأكيد اتفاقات تلزم روسيا بتقديم المساعدة لإيران في حال حدوث عدوان من طرف ثالث، إنما تجارة الأسلحة قائمة».
أما مدير معهد الطاقة الوطنية سيرغي برافوسودوف فقال: «يجب أن يكون مفهوما أن إيران تحتل المرتبة الثانية في العالم من حيث احتياطي الغاز، بعد روسيا. وهي قريبة بما فيه الكفاية من الأسواق الأوروبية، أي من سوق تصريف الغاز الروسي. وطالما أن العقوبات تعمل ضد إيران، فلا يمكن أن تكون طهران منافسة لنا في الغاز. وهكذا ستبقى الأمور ما دام نظام آيات الله موجودا. ولكن إذا تغير النظام إلى مؤيد لأميركا، فسوف تُمنح إيران الفرصة فورا للكسب من تصدير الغاز إلى أوروبا».
وتعتبر المنهجية الروسية الواقعية لحساب التكاليف والأرباح حيال السياسة الخارجية بالغة الأهمية. وعلى افتراض أن الغرب لن يبدأ في إثارة موسكو من خلال أنشطة تهدد الأمن القومي والمصالح الاقتصادية الروسية، يبدو أن إدارة بوتين لن تقوم بأي خطوات سلبية ومفاجئة فيما يتعلق بإيران. ذلك أن موسكو تدرك أيضا حينما تصوغ مقاربتها حيال أزمة طهران المتفاقمة أن اعترافا رسميا بأولوية إيران في السياسة الروسية قد يضر بالحوار الروسي مع عدد من الدول التي لها علاقات غير مستقرة مع إيران مثل الولايات المتحدة وإسرائيل والمملكة العربية السعودية والكثير من الدول العربية. وكنتيجة لذلك، فإن البرغماتية الروسية تعتبر أن العلاقات مع طهران ينبغي أن لا تتجاوز المستوى الذي يهدد علاقاتها مع الدول الأخرى. وكما أوضح أحد الخبراء الروس، فقد أصبحت العلاقة تمثل نوعا من «الشراكة الحذرة».
بناء على ذلك، ثمة تحولات تشهدها علاقات مختلف الأطراف، على نحو قد يُضعف الفرضيات التقليدية للعلاقات الروسية–الإيرانية لصالح تحولات متصاعدة في علاقات موسكو مع كل من واشنطن وتل أبيب وكذلك في إطار مساعٍ روسية–أميركية لإيجاد توافقات شاملة تُجهض سياسات إيران الإقليمية وتنهي فاعلية سياساتها التخريبية وتحركات وكلائها من الجماعات الإرهابية. وعلى ما يبدو فإن مصالح واشنطن من ذلك مثلما تستهدف إضعاف طهران، فإنها تستهدف مراجعة العناصر التي تدفع موسكو لاستخدام التقارب مع إيران كوسيلة للرد على تحديات الأمن القومي التي نشأت عن الدبلوماسية الأميركية خلال السنوات الأخيرة.


اشترك في النقاش