عنصرية «الفينيقيين الجُدد»

* في جمهورية الموز لا مكان سوى للغريزة. ومن يدري إذا ما استمر أهل السياسة في لبنان بانتهاج استراتيجيات حمقاء أن يصبح اللبناني مجددا نازحًا في رحاب الله الواسعة
 

الحرب والعوز وحدهما مسؤولان عن تشريد السوريين إلى بلاد ومدن مجاورة، كان أسوأها عليهم حلولهم في بلاد الفينيقيين. بالملايين نزحوا. لجأوا إلى أراض لا يطالهم فيها صاروخ يحصد الأبرياء عن قصد، وينتقيهم حسب انتمائهم المذهبي، علّ ذلك يغير في واقع عددي يصب في صالح الحاكم في قصر المهاجرين أو حلفائه.
لم يدركوا أن في ترحالهم ما هو أشد قسوة من الموت على يد جلادهم: الذّل.
للبنان و«الفينيقيين الجدد»، السوريون النازحون هم طبعاً خطر ديموغرافي يهدد «الكيان». «كيان» لم يرقَ يومًا إلى مصاف وطن، وكان في أحسن الأوقات وهماً وسراباً ومغارة سرقة لطبقة سياسية ومحظييها، وذلك منذ إعلان استقلاله عام 1943 وحتى يومنا هذا.
أما للأوروبيين فهم مجرد عدد، المطلوب أن يراوحوا مكانهم وأن تثنيهم دول اللجوء عن أي محاولة للوصول إلى شواطئ الغرب المطلّة على دمار الشرق العربي.
وبالنسبة لبعض الدول العربية، النازحون هم مجرد وقود حطب لصراعاتهم العقائدية الدينية.
ولإيران هم حجّة لتمددهم العسكري في العمق السوري، أما لروسيا فهم جسر عبور نحو البحر الأبيض المتوسط، ولحاكم الشام فهم مجرد عبء يجب التخلص منه.
لكن في الواقع، وللحقيقة، هم أفظع مأساة في هذا القرن: بلا مأوى ولا عناية ولا رعاية. ولا أمل في أن يعودوا إلى بلادهم التي استحالت خرابا ودمارا.
في لبنان اليوم يتخذ بعض الساسة من تلك المأساة حجّة لكي يحشدوا الجماهير من حولهم، ليزيدوا من شعبيتهم غير آبهين بآثار بث الحقد والكراهية في نفوس اللبنانيين والسوريين على حد سواء. يستسهلون صبّ الزيت على النار. وما همّهم، فبيوتهم في باريس أو لندن أو غيرها من عواصم العالم الفاخرة، وهي جاهزة «لنزوحهم» إن دنت ساعة حرب طائفية في لبنان. وحساباتهم في بنوك سويسرا آمنة.
ومن أجل استقطاب الجماهير ينشر بعض الساسة اللبنانيين أرقاما مغالطة لواقع النزوح السوري في لبنان. يضّخمون أرقام الولادات السورية بالمستشفيات اللبنانية الحكومية لأجل بث الهلع في قلوب اللبنانيين من خطر ابتلاعهم ديموغرافياً من قبل الآخر «المختلف» دينيا وثقافيا. تلك الأرقام بالطبع ليست صحيحة. ثم يحدثونك عن ارتفاع معدل الجريمة ويربطونها بالنازح السوري. وهي الأخرى أرقام مضللة، ولكنها تفعل فعلها في سيكولوجيا الجماهير. هكذا تربع هتلر على عرش «الرايخ»، مشعلا ومستغلاً ببراعة خوف الناس وحقدهم. هكذا صار موضوع النازحين السوريين لغالبية الساسة اللبنانيين وسيلة للتحشيد الجماهيري على طريق الوصول إلى منصب ما، وبالأحرى صار مجرد شعار انتخابي.
يزرع بعض الساسة اللبنانيين في وجدان ووعي الغالبية أن اللجوء السوري إلى لبنان خطر وجودي وكياني، وأنه على اللاجئين العودة من حيث أتوا ومن دون الأخذ بالاعتبار ما إذا كان لهذه العودة حد أدنى من السلامة والأمن. مع العلم أن الدولة اللبنانية المصونة استقالت من مهامها عندما بدأ توافد النازحين السوريين، ورفض تنظيم وجودهم أو حصره بمخيمات برعاية الأمم المتحدة تحفظ لهم شيئا من حقهم بالعيش بكرامة وإنسانية، وذلك على العكس من دول مجاورة استقبلت الهاربين من أتون الحرب والموت مثل تركيا أو الأردن.
لقد قبل لبنان طوعًا وعن قصد بأن يكون وجودهم فوضويا، ربما كي تسهل السرقة على حساب المأساة. فجيوب الزعماء بحاجة دائما إلى المال الوفير، لأن كلفّة الزعامة مرتفعة في لبنان وبحاجة إلى موارد على الدوام.
كان يمكن لهذا التواجد القسري والمؤقت أن يُنظم. وهذا لم يحصل. الاعتراض جاء من البعض عندما قارن بين نشوء مخيمات للسوريين وتلك التي كانت للفلسطينيين وأنشئت أيام النكبة وما زالت قائمة حتى يومنا هذا.
لسان حال بعض اللبنانيين هو: يجب أن يعودوا من حيث أتوا. وهذا ما رأيناه بأم العين عبر وسائل التواصل وعبر شاشات التلفزة من «غزوات» عنصرية مقيتة بحجة «أحقية» العامل اللبناني وهو حقٌ كان يراد منه باطل. ولقد بدا لكثير من المراقبين أن هذه «الغزوات» قد يكون هدفها استجرار «مساعدات مالية» تسد جشع زعامات ضاقت عليها الموارد جراء الأزمة المالية الاقتصادية التي تضرب جمهورية الأرز.
أحدٌ لم يقدم بعد على القول بوجوب مقاربة هذا الملف أولاً وقبل كل شيء على أسس إنسانية وأخلاقية، وأنه يجب تناول هذا الملف بعيدًا عن الشعبوية اللبنانية التي يمثّل أحد أوجهها البشعة جدا جبران باسيل صهر رئيس الجمهورية اللبنانية. والأهم أن تتم المعالجة بعيدا عن الإعلام وبعيدا عن التضليل وبعيدا عن الشعارات التي ترفع على لوحات إعلانية تفوح منها عنصرية مقيتة.
لبنان من دون شك يمر بظروف اقتصادية صعبة، ليس النازح السوري سببها الأساس أو الحصري، كما أن وجود اللاجئ السوري في لبنان لم يكن ذا وجه سلبي حصرا. فالسؤال: ألم يستفد رب العمل اللبناني من اليد العاملة السورية الرخيصة؟ قطعا أكيد. وهل استفاد اقتصاد لبنان من الأموال والهبات التي دفعت للحكومات المتعاقبة منذ توافد النازح السوري؟ قطعا نعم.
المشكلة الاقتصادية اللبنانية في غير مكان. فمقتلة قطاع السياحة الذي يدرّ على خزينة الدولة مالاً وفيراً كان نتيجة حتمية لمهاجمة أمين عام «حزب الله» دول الخليج في كل خطبة ومناسبة. وكذلك الحرب السورية واستحالة انتقال البضائع اللبنانية إلى الأسواق الخليجية برّا أيضا هي إحدى أهم أسباب تدهور الوضع الاقتصادي. 
وإلى هذا وذاك، هناك الهدر والفساد والتوظيفات السياسية العشوائية التي تعتبر بمثابة بطالة مقنعة، والعجز في قطاع الكهرباء وفشل الدولة في السيطرة على التهريب الجمركي، وخدمة الدين العام. كل تلك المشاكل هي أساس العجز الذي وقع فيه لبنان، وليس النازح السوري الذي يحتاج بالضرورة إلى تنظيم وجوده وليس إلى إذلاله.
ولكن للفاشل ألف طريقة وطريقة للوم الغير.
في جمهورية الموز لا مكان سوى للغريزة. ومن يدري إذا ما استمر أهل السياسة في لبنان بانتهاج استراتيجيات حمقاء أن يصبح اللبناني مجددا نازحًا في رحاب الله الواسعة.