المتحف اليوناني الروماني يستعيد أمجاد الإسكندرية بداية 2020

بعد 13 سنة من إغلاقه وبتكلفه 120 مليون جنيه
* يضم بين مقتنياته تماثيل للإسكندر الأكبر ومارك أنتوني وإيزيس وأفروديت
* المتحف أنشئ منذ 128 عاماً ويضم آثاراً تعود لـ300 عام قبل الميلاد
* يحتوي المتحف على حديقة متحفية بها جزء من معبد «سوبك» يعود لعهد بطليموس السابع

الإسكندرية: رغم المتاحف المتنوعة في مصر إلا أن للمتحف اليوناني الروماني مكانة خاصة على خريطة السياحة العالمية، ليس لكونه ثاني أقدم المتاحف في مصر بعد المتحف المصري بالتحرير، أو لأنه من أهم المتاحف الشاهدة على الحضارة الإغريقية والرومانية؛ بل لأنه يمثل جزءاً من الذاكرة الجمعية لأبناء وأحفاد أجيال ممن عاشوا تحت سماء الإسكندرية من مختلف أنحاء العالم، فهو المزار الذي يذكرهم بأن لهم جذورا ممتدة عبر القرون في هذه البقعة التي كانت منارة الحضارة والعلم في العالم القديم.
وفي الوقت الذي لا يزال قبر الإسكندر لغزا يحير العالم منذ آلاف السنين كان هذا المتحف قبلة لمن يريدون تلمس آثار الإسكندر وتاريخ مدينته. يكمن سحر هذا المتحف في أنه يعود بك إلى 300 عام قبل الميلاد حينما بنيت الإسكندرية لتخلد ذكرى الإسكندر المقدوني، تم إنشاء المتحف اليوناني الروماني عام 1892 وافتتحه الخديوي عباس حلمي الثاني عام 1895م، لكنه أغلق للترميم منذ عام 2005. 
كانت زيارة المتحف تمثل زيارة قلب المدينة النابض بالذكريات التاريخية، لكنه لا يزال قيد الترميم منذ 13 عاما ومؤخرا أعلنت وزارة الآثار المصرية عن افتتاحه مطلع عام 2020.
وأعلنت إلهام صلاح رئيس قطاع المتاحف بوزارة الآثار المصرية، أن المتحف سيضم أكثر من 30 قاعة للعرض طبقًا لسيناريو العرض المتحفي الذي قامت بوضعه لجنة أثرية تم تشكيلها لعرض قرابة 20 ألف قطعة أثرية ترجع للعصور اليونانية والرومانية، حيث يتم تنفيذ المشروع الشامل للتطوير واستحداث نظم العرض المتحفي لتواكب المتاحف العالمية ووفقا للنظم الأوروبية بتكلفة تقدر بنحو 120 مليون جنيه.
مشيرة إلى أن المتحف سيصبح مركزًا علميًا وثقافيًا لحضارات البحر المتوسط؛ فإلى جانب قاعات العرض المتحفي، وحديقة المتحف، سيضم مركزا لحفظ وترميم الآثار، ومركزا آخر لبحوث العملة، ومركزا للبحث العلمي. كما يضم أيضا قاعات للدراسة والمؤتمرات، ومكتبة وورشة طباعة، وقاعات وسائط متعددة Multimedia، وأيضًا مدرسة للتربية المتحفية لتنمية الوعي الأثري للأطفال.
ويقع المتحف في قلب الإسكندرية بالقرب من مكتبة الإسكندرية والمسرح الروماني، كما أن موقعه الحالي يجعله يقف على أطلال الحي الملكي الذي كان مشهودا له منذ نشأة الإسكندرية وتحديدا في العصر البطلمي بالفخامة والمعابد والقصور الملكية.
كان المتحف من أهم المزارات على خريطة السياحة العالمية لما يحتويه من آثار تخص الإسكندر الأكبر ومارك أنتوني وكانت إيراداته السنوية تقدر بنحو 40 مليون جنيه. ويرجع الفضل للإيطالي جوسيبي بوتي في تأسيس المتحف اليوناني الروماني حيث كان هو صاحب الفكرة وأقنع بها الخديوي، وكان له الكثير من الكشوف الأثرية في مناطق كوم الشقافة وكوم الدكة وكرموز.
ويشمل مشروع تطوير المتحف الإبقاء على طرازه المعماري وبوابته الخارجية ذات الشكل اليوناني الروماني والتي تشبه واجهة معبد الأكروبوليس بأثينا، ومضاعفة مسطح المتحف ليصل إلى 10 آلاف متر مربع من خلال إقامة دور ثان وزيادة عدد قاعات العرض المتحفي وإقامة مكتبة وقاعة للمحاضرات واستخدام أحدث نظم الإضاءة.

 




صورة لتماثيل التناجرا تتضمن تمثال أفروديت التقطت عام 1930

ورغم وجود آثار يونانية ورومانية في كثير من مناطق الشرق الأوسط إلا أن مقتنيات هذا المتحف تتميز بفرادتها. 
وتشير الدكتورة يسرية حسني، مدرس التاريخ والحضارة والإرشاد السياحي، بالمعهد العالي للسياحة والفنادق بالإسكندرية (إيجوث) في حديثها لـ«المجلة» عن قيمة وأهمية هذا المتحف إلى أنه يضم آثارا تجسد إمبراطورية قامت على أرض مصر لمدة 900 عام أنتجت القصور والمعابد والقلاع وأفرزت فنا ممتزجا بالفن المصري القديم فخرجت بإبداعات لها طابع خاص يميزها عن الآثار الهيللينة والإغريقية في أي مكان في العالم.
وتضيف: «تأسس المتحف عام 1891م في شارع الحرية بجهود أبناء المدينة من طبقة النبلاء والأثرياء وعشاق جمع الآثار؛ حيث كان متاحا التنقيب عن الآثار وجمعها دون قانون يقنن ذلك، وأشهرهم وافرستو برتشيا وجوسيبي بوتي والأمير عمر طوسون الذين نقبوا عن الآثار الغارقة في أبو قير والفيوم وكانت مقتنياتهم نواة لهذا المتحف كذلك شارك الملك فؤاد والأمير عباس كامل وجيلمونوبلو ومحرم باشا بإثراء المتحف ببعض القطع، إلا أن المتحف في مقره الحالي منذ عام 1895م».
وتؤكد حسني: «بدأ المتحف بـ10 قاعات ثم أصبح يضم 27 قاعة فضلا عن الحديقة المتحفية، ومن أهم مقتنياته جزء من معبد كان مخصصا لعبادة الإله (سوبك) من الحجر الجيري يعود لعصر بطليموس السابع وكان معروضا في حديقة المتحف، رأس تمثال من الرخام الأبيض للإسكندر الأكبر ورأس تمثال من الجرانيت الأحمر للإسكندر أيضا، وتمثال الثور أبيس (الإله على الهيئة المصرية) من البازلت الأسود وعلى بطنه نقش يشير إلى أنه صمم في عهد الإمبراطور هادريان (117 - 138م) وقد اكتشف هذا التمثال في قدس الأقداس بمعبد السيرابيوم، وتمثال إيزيس من الرخام وعثر عليه بمعبد الرأس السوداء مع تماثيل للإله أوزوريس وهرمانوبيس وحربوقراط».
وتشير حسني إلى أن «المتحف يضم مجموعات تمثل كل مظاهر الحياة اليومية من أوانٍ وأباريق وأكواب وأدوات طعام وملبس وعملات معدنية وأثاث وحلي نسائية، إلى جانب تماثيل بمعالم تشريحية، هذا إلى جانب مجموعة آثار الحضارة البيزنطية والقبطية التي تم اكتشافها في أديرة الإسكندرية»
وتلفت إلى أن «المتحف كان بحاجة ماسة للترميم وإعادة تصميم العرض المتحفي لمقتنياته التي لا تقدر بثمن؛ لأنه كان مكدسا بالقطع الأثرية ويكفي أن نعلم أنه يحتوي على أكبر مجموعة من تماثيل التناجرا وقد استلزم نقل القطع عدة سنوات لتخزينها والبدء بمشروع الترميم».
 




صورة لقاعة من المتحف اليوناني الروماني التقطت عام 1930

وأضافت حسني أن الإسكندرية لا تزال بها الكثير من القطع الاثرية المبهرة التي لم يتم استخراجها بعد وتطالب بتخصيص مبنى منظمة الصحة العالمية بمحطة الرمل ليكون متحفا للآثار الغارقة التي تم انتشال أجزاء كبيرة منها، ومن أهمها أجزاء فنار الإسكندرية الأسطوري أحد عجائب العالم القديم.
وحول القيمة الأثرية والتاريخية للمتحف اليوناني الروماني بالإسكندرية، يقول الدكتور خالد أبو الحمد، مدير عام آثار الإسكندرية لـ«المجلة»: «هو من أقدم المتاحف المتخصصة حيث إن المتحف بالأساس تم تشييده لحفظ الآثار المكتشفة بالإسكندرية والتي ترجع في أغلبها للعصرين اليوناني والروماني، كما زود المتحف بمجموعات مكتشفة من محافظات مصر الأخرى منها: المنيا وبعض مقتنيات متحف القاهرة وعدد من لوحات ومومياوات الفيوم حيث يرجع تاريخ معظم مقتنيات المتحف إلى الفترة الممتدة ما بين القرن الثالث قبل الميلاد والقرن الثالث الميلادي وتشمل العصرين اليوناني والروماني وكذا العصر القبطي». ويوضح: «أول افتتاح للمتحف لم يكن في مبناه الحالي وإنما كان عبارة عن شقة مكونة من خمس غرف في شارع رشيد (طريق كانوب أو طريق الحرية حاليا) وذلك عام 1892م ثم نقلت محتويات المتحف إلى المبني الحالي عام 1895م وكان المبني من تصميم المعماري ديتريش وستيون على طراز المباني الإغريقية السائد في الإسكندرية القديمة».
ويلفت أبو الحمد إلى أن المتحف قد تم تطويره من قبل عام 1984 وفي عام 2005 صدر قرار بغلق المتحف للتطوير حيث بدأت أعمال جرد وتوثيق مقتنيات المتحف وترميم ما يلزمه ترميم منها ثم عملية التغليف والنقل إلى المخازن المتحفية كما تمت إعارة مجموعات من القطع لمتحف آثار مكتبة الإسكندرية ومتحف الاسكندرية القومي والمتحف الكبير بالجيزة ومتحف الحضارة بالفسطاط ليعرض بعضها بصورة دائمة وبعضها بصورة مؤقته في هذه المتاحف.
ويتابع: «تم نقل مكتبة المتحف اليوناني الروماني إلى المتحف البحري بالإسكندرية وكانت هذه المكتبة تعد واحدة من أهم مكتبات الاسكندرية لما تحتويه من كتب نادرة ووثائق أصلية تخص سجلات الحفائر في الإسكندرية في القرن الـ19 وبدايات القرن الـ20، وقد ظل المتحف مغلقا بعدها نظرا لعدم توافر الاعتمادات المالية لاستكمال الأعمال بسبب توقف السياحة بعد ثورة 25 يناير».

ويشير مدير عام آثار الإسكندرية إلى أن استكمال أعمال التطوير في المتحف في مطلع عام 2018 بعد توفير الاعتمادات المالية اللازمة وذلك ضمن خطة الحكومة المصرية وتوجيهات رئاسة الجمهورية والتي تؤكد على الاهتمام بالآثار المصرية بكافة مراحلها التاريخية كجزء هام من الهوية المصرية وأهمية استغلال هذا الناتج الحضاري الضخم من الكنوز والأعمال الفنية لوضع مصر وشعبها في مكانتهما الصحيحة التي يستحقانها كأحد أعرق الأمم والحضارات.
ولفت إلى أن التطوير الحالي للمتحف «نابع من إدراك الدولة المصرية لأهمية الثقافة والتراث في مكافحة الأفكار المتطرفة وزيادة الدخل القومي عبر تنشيط السياحة ومن المنتظر افتتاح المتحف للجمهور عام 2020 لتتزين مصر بلؤلؤة جديدة في تاجها بين بلدان العالم».

 


اشترك في النقاش