روسيا وجورجيا... أزمة برلمانية تعيد جراح الحرب

رئيسة جورجيا سالومي زورابيشفيلي: روسيا عدو ومحتل
* عضو مجلس النواب الروسي سيرغي غافريلوف يثير امتعاض الجورجيين بعد جلوسه على مقعد رئيس برلمان جورجيا وإلقائه خطابا باللغة الروسية.
* مثلت التحولات الخارجية للجورجيين المقيمين في روسيا مصدرا مهما لدعم الاقتصاد الجورجي، إذ بلغ حجم هذه التحويلات ما يقرب من ربع التحويلات الواردة من الجورجيين المقيمين في كل من الولايات المتحدة وإسرائيل وتركيا

موسكو:«روسيا عدو ومحتل» بهذه الكلمات وصفت رئيسة جورجيا «سالومي زورابيشفيلي» روسيا، وذلك جراء المظاهرات التي شهدتها العاصمة الجورجية «تبليسي» في 21 من يونيو (حزيران) 2019، احتجاجا على جلوس النائب «سيرغي غافريلوف» عضو مجلس النواب الروسي على مقعد رئيس برلمان جورجيا وإلقائه خطابا باللغة الروسية أمام البرلمان الجورجي، وذلك بمناسبة المشاركة في الدورة العامة للجمعية البرلمانية الدولية الأرثوذكسية الهادفة إلى تعزيز الروابط بين البرلمانيين الأرثوذكس، الأمر الذي أثار امتعاض نواب البرلمان الجورجي من الحزبين المعارضين «جورجيا الأوروبية» و«الحركة الوطنية الموحدة»، الذين غادروا القاعة احتجاجا على ذلك وهو ما تسبب في رفع الجلسة. وقد أدت هذه المظاهرات إلى وقوع إصابات بين المحتجين الذين سارعوا إلى التجمهر أمام مبنى البرلمان الجورجي، وبين الشرطة الجورجية التي استخدمت الغاز المسيل للدموع والرصاص المطاطي لمنع المحتجين من اقتحام البرلمان.
وفي خضم ذلك دخلت العلاقات الروسية الجورجية مرحلة جديدة من التوتر وصل إلى حد اتخاذ روسيا قرارا بوقف الرحلات المتبادلة بينهما بدءا من الثامن من يوليو (تموز) القادم (2019)، ليُفتح المسار أمام سيناريوهات مختلفة يمكن أن تسلكها علاقاتهما في المستقبل، وهو ما يستعرضه هذا التقرير من خلال ثلاثة محاور على النحو الآتي:

 




عضو مجلس النواب الروسي سيرغي غافريلوف


 
روسيا وجورجيا ما قبل الأزمة... تباعد سياسي وتقارب اقتصادي
رغم استمرار القطيعة السياسية بين روسيا وجورجيا منذ قطع علاقاتهما الدبلوماسية عام 2008 احتجاجا على الاعتراف الروسي باستقلال إقليمي أبخازيا وأوسيتا الجنوبية كدولتين مستقلتين بعد حرب الخمسة أيام بين البلدين في ذلك العام، شهدت العلاقات الاقتصادية بينهما تطورا ملحوظا خلال العامين الماضيين، حيث تفيد البيانات الرسمية أن حجم التبادل التجاري بينهما ارتفع بنحو الثلث عام 2018 مقارنة بعام 2017، ليبلغ 1.184 مليار دولار، ولتصبح روسيا بذلك الشريك التجاري الثاني لجورجيا بعد الاتحاد الأوروبي.
كما أضحت المدن الجورجية وتحديدًا (تبليسي وباتومي) وجهتين شائعتين للسياحة الروسية، حيث تتراوح التقديرات ما بين 1.7 – 2 مليون روسي زاروا جورجيا العام الماضي (2018) وفقا للمصادر الروسية، في حين تشير إحصاءات الجانب الجورجي إلى أن 1.4 مليون زائر روسي (بما في ذلك الزيارات المتكررة من قبل نفس الأشخاص)، ويشمل هذا الرقم جميع المعابر الحدودية، ورحلات العمل أو الزيارة أو المرور عبر جورجيا إلى بلدان أخرى. ووفقا للبيانات الرسمية الجورجية شهد الربع الأول من عام 2019 زيادة في عدد الزيارات الروسية إلى جورجيا بمقدار الثلث بل وصلت إلى النصف خلال شهر مايو (أيار) من العام ذاته مقارنة بنفس الفترة من العام الماضي.
ولم يقتصر الأمر على ذلك فحسب، بل شهدت علاقاتهما تطورا ملحوظا في مجالات أخرى، كان أبرزها تزايد حجم الواردات الروسية من النبيذ الجورجى، إذ تتصدر روسيا بفارق كبير جميع البلدان المستوردة للنبيذ الجورجي، حيث بلغ حجم صادراته إلى روسيا خلال الربع الأول من 2019 نحو 13.2 مليون زجاجة بواقع 68 في المائة من جميع صادراتها من النبيذ، وهو ما يمثل مصدرا للدخل القومي الجورجي قُدر خلال عام 2019 بنحو 210 ملايين دولار أي ما يعادل 1.2 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي.
إضافة إلى ذلك، مثلت التحولات الخارجية للجورجيين المقيمين في روسيا مصدرا مهما لدعم الاقتصاد الجورجي، إذ بلغ حجم هذه التحويلات ما يقرب من ربع التحويلات الواردة من الجورجيين المقيمين في كل من الولايات المتحدة وإسرائيل وتركيا. فعلى سبيل المثال قدرت تحويلات الجورجيين المقيمين في روسيا خلال الفترة (يناير – مايو 2019) بنحو 163 مليون دولار وإذا ما أخذنا بنفس المعدل، سيصل حجم هذه التحويلات حتى نهاية العام إلى ما يقرب من 390 مليون دولار، أو 2.4 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. فضلا عن ذلك تعتبر روسيا المورد الرئيسي للبنزين والمشتقات النفطية إلى جورجيا، وهو ما يمثل ورقة اقتصادية إضافية في يد موسكو للتعامل مع جورجيا.

 




رئيسة جورجيا سالومي زورابيشفيلي


 
خسائر الاقتصاد الجورجي... هل يمكن تحملها؟
بين ليلة وضحاها دخلت العلاقات الروسية الجورجية نفقا مظلما بعد ما شهدته من تطورات إيجابية على المستوى الاقتصادي خلال العامين الماضيين كما سبقت الإشارة، وهو ما عبر عنه المتحدث باسم الكرملين «ديمتري بيسكوف» بقوله: «بشكل عام، للأسف، يمكن القول، إنه تسود في جورجيا الآن هستيريا كراهية للروس روسوفوبيا، يتم تسخينها بمهارة من الداخل من قبل هذه العناصر المتطرفة، لا يمكن للمرء إلا أن يعرب عن الأسف في هذا الصدد... وهناك علامات معينة على الأزمة السياسية الداخلية في جورجيا، لكن هذا ليس من شأننا، إنه شأن داخلي لجورجيا، عملنا هو عندما يكتسب ذلك طابعا معاديا لروسيا، هذا ما يجعلنا قلقين».
وقد جاء القرار الروسي الذي وقعه الرئيس «فلاديمير بوتين» بالحظر على شركات الطيران الروسية تسيير رحلاتها إلى جورجيا اعتبارا من 8 يوليو المقبل (2019)، وهو اليوم الذي اعتبرته وزارة المواصلات الروسية موعدا لحظر تحليق الطائرات الجورجية فوق الأراضي الروسية. ليلقي بتداعياته السلبية على علاقات البلدين، إذ من شأن مثل هذه القرارات عرقلة التطور الذي صبغ علاقات البلدين اقتصاديا، حيث يؤثر هذا القرار سلبا في حجم السياحة الروسية الواردة إلى جورجيا، والذي من المتوقع أن تشهد تراجعا بنسبة تتراوح ما بين 60 - 70 في المائة وفقا لتقديرات «زارينا دوغوزوفايا» نائبة رئيس مؤسسة «روس توريزم»، وهو ما يعني خسارة كبيرة في موارد النقد الأجنبي التي تمثل مصدرًا مهمًا للدخل القومي الجورجي، إذ يتوقع أن تصل خسارة هذه العوائد السياحية في العام الواحد نحو 100 مليون دولار أميركي وفقا لتقديرات الخبير الاقتصادي الجورجي «بيسو نامتشافادزه» العامل بمنظمة Transparency International Georgia، بل من المنتظر أن تصل الخسارة وفقا لتقديرات البعض إلى 130 مليون دولار أميركي، وهو ما يمثل 0.8 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي لجورجيا. كما يتوقع وقوع خسائر لشركات النقل الجوي الجورجية بنحو ثلاثة مليارات روبل. مع الأخذ في الحسبان أن الخسارة لا تتوقف عند هذا الحد بل تمتد إلى الصناعات المتداخلة مع السياحة وذات الصلة، وهو ما يعني مضاعفة حجم تلك الخسائر وفداحتها. وإذا كان صحيحا كما يرى البعض أن جورجيا يمكن أن تسعى إلى تقليص هذه الخسائر من خلال جذب سياحة من دول أخرى، إلا أنه من الصحيح كذلك أن الأمر ليس بهذه السهولة في ضوء عوامل عدة، منها الحاجة إلى برامج للترويج والدعاية التي تتناسب مع طبيعة المقاصد السياحية التي كانت تجذب السياح الروس، فضلا عن القرب الجغرافي وسهولة الانتقالات وانخفاض تكلفتها، بما يجعل من الصعوبة بمكان أن تجد جورجيا تعويضات سريعة عن تلك الخسائر.
وغني عن القول إن هذا التوتر لن يقتصر فحسب على تراجع السياحة الروسية وخسائرها، بل يمكن أن يمتد إلى القطاعات الاقتصادية الأخرى التي شهدت تطورا مهما خلال الفترة الماضية، حيث يمكن أن يتراجع حجم الواردات الروسية من النبيذ الجورجي، كما قد يتراجع حجم التحويلات الخارجية الواردة من المقيمين الجورجيين في روسيا، بل يمكن أن تستخدم موسكو دورها كمورد رئيسي للبنزين والمشتقات النفطية إلى جورجيا كأحد أوراق الضغط على جورجيا.
ومن ثم، يبرز تساؤل مهم يتعلق بمستقبل علاقات البلدين، وهو: هل لدى موسكو النية في استخدام كل هذه الأوراق أو بعضها كأوراق ضغط اقتصادية على تبليسي كرد فعل على ما جرى؟
وتأتي الإجابة في أنه في ضوء القاعدة الحاكمة للعلاقات الدولية المتمثلة في أن المصالح الوطنية هي الموجه الأول لسياسات الدول وتفاعلاتها الخارجية، وفي ضوء السياسة التي يتبناها الرئيس الروسي «فلاديمير بوتين» والتي تتمحور حول كيفية الحفاظ على الأمن والاستقرار في الجوار الإقليمي والتي لها علاقات متميزة مع الغرب والولايات المتحدة ومن بينها جورجيا، فإنه من غير المتوقع أن تشهد العلاقات الروسية الجورجية مزيدا من التوتر إذا ما أدركت الحكومة الجورجية مخاطر التصعيد مع موسكو وتداعياته المحتملة على أمنها القومي من ناحية وعلى الأمن والاستقرار في المنطقة من ناحية أخرى، خاصة أن منطقة جنوب القوقاز على وجه الخصوص تشهد حالة حرب مستمرة منذ تسعينات القرن المنصرم ويقصد بها الحرب الأذربيجانية الأرمينية حول إقليم كاراباخ الأذربيجاني المحتل من أرمينيا، وهو ما يعني أنه على الحكومة الجورجية أن تقرأ أبعاد الأزمة بعمق وتتفهم جوانبها وتداعياتها بعقلانية بعيدا عن خطابات المعارضة الداخلية التي تحاول المزايدة على أداء الحكومة في هذه الأزمة على غرار ما جاء في رد فعل رئيس البرلمان الجورجي «إيراكلي كوباخيدزه» والذي اتهمته المعارضة بالخيانة، إذ لم يكن موجودا وإنما كان في زيارة إلى العاصمة الأذربيجانية «باكو»، حيث أشار إلى أنه: «كان سيبدي رد الفعل المطلوب والفوري على تصرف البرلماني الروسي، لو كان موجودا في البلاد... كنت سأطلب بوقف الجلسة فور علمي بالموضوع».
وفي الوقت ذاته، على الحكومة الجورجية أن تدير الأزمة بعيدا عن المواقف الغربية بصفة عامة والأميركية على وجه الخصوص استفادة من خبرات الحرب التي خاضتها جورجيا عام 2008 ونتج عنها قطع علاقاتها الدبلوماسية مع موسكو بعد اعتراف الأخيرة باستقلال إقليمي أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية بعدما تخاذل الغرب والولايات المتحدة وعدم مساندته الجدية لها في حربها، رغم تضامنه معها آنذاك إلا أنه ظل بعيدا عن الأزمة ولم يمنحها العضوية في منظماته سواء الاتحاد الأوروبي أو حلف الأطلسي.
وعليه، تظل الاستفادة الجورجية مما حدث في حرب الأيام الخمسة مع روسيا (عام 2008) درسا مهما في كيفية إدارة أزمتها الراهنة، حيث كشفت مواقف بعض المسؤولين الجورجين آنذاك عن رؤية مغايرة لموقف الحكومة الجورجية السابقة خلال هذه الحرب، من بين هؤلاء «نينو بورجاندزه» الرئيسة السابقة للبرلمان زعيمة حركة «الحلم الجورجي» حيث طالبت بمناسبة إحياء الذكرى العاشرة لهذه الحرب (عام 2018) عن رؤية مختلفة عن الخطاب الرسمي للدولة الجورجية مؤكدة على أن: «تجنب الحرب كان ممكنًا لو أظهرت قيادة جورجيا آنذاك مزيدًا من ضبط النفس وبُعد النظر»، محملة الرئيس السابق «ميخائيل ساكاشفيلي» وفريقه مسؤولية «مغامرة عرضت البلاد لخطر الموت»، وذلك على حد وصفها، وهو ما يطالب به البعض اليوم بأن لا تكرر الحكومة الجورجية ذات الأخطاء في اندفاعها في رد الفعل تجاه ما جرى في البرلمان حفاظا على مستقبل علاقات البلدين اللذين يقعان في نطاق جغرافي واحد ويدينون بمذهب واحد، ورفض أي تجاوزات بحق المواطنين الروس المقيمين في جورجيا على غرار ما جرى مع وفد طاقم قناة «روسيا 24» التلفزيونية عقب الأحداث مباشرة وتحديدا في 22 يونيو 2019. حينما حاول المهاجمون ضرب المراسل والمصور التابعين للقناة، وهو ما دفع الخارجية الروسية إلى إصدار بيان طالبت فيه تبليسي «بضمان الأمن غير المشروط للصحافيين والمواطنين الروس بشكل عام في البلاد».
 
الأزمة وسيناريوهات المستقبل
في ضوء ما سبق، نصبح إزاء سيناريوهين لمستقبل الأزمة: الأول، من المحتمل أن تتجه الأزمة نحو مزيد من التوتر والتصعيد في ظل خطاب جورجي متعصب، الأمر الذي يجعل الأزمة مفتوحة على كافة الاحتمالات وصولا إلى الدخول في حرب جديدة لا تملك فيها جورجيا أي أدوات ضامنة للنصر سوى وعود بعض الدول الغربية والولايات المتحدة، وإن ظلت هذه الوعود غير مضمونة التنفيذ في ضوء خبرات تلك الدول بتخليهم عنها (2008) وعن أوكرانيا (أزمة القرم 2014) في حربهما مع روسيا. أما المسار الثاني، فيتمثل في اتجاه الأزمة نحو التهدئة وذلك في ضوء القراءة الدقيقة والهادئة من جانب الحكومة الجورجية للأزمة وأبعادها وتداعياتها من ناحية. وكذلك في ضوء تفهم موسكو مدى حساسية موقف الحكومة الجورجية الواقعة تحت ضغط معارضة الداخل ومطالب الخارج من ناحية أخرى، وهو ما يعني أن يتجه الطرفان لاحتواء الأزمة عبر المسار السياسي بعيدا عن المراهنات والمزايدت التي تدفع الحكومة الجورجية إلى التصعيد والذي يتحمل خسائره المواطن الجورجي في المقام الأول.

 


اشترك في النقاش