الأجيال الجديدة والتغيرات الاجتماعية

دراسة: الحفاظ على التراث الثقافي أساس استقرار المجتمعات وتقدمها
* قد تتعارض القيم والاتجاهات والمفاهيم الجديدة مع بعض العناصر الثقافية السائدة، وهنا يظهر دور التربية في توضيح هذه القيم والمفاهيم والأساليب السلوكية والمعايير الاجتماعية وأهميتها للفرد والمجتمع من خلال المناهج والطرق والوسائل التربوية
تسهم التربية في فترات التغيرات الاجتماعية السريعة في بناء النظام الاجتماعي الجديد، كما تعمل على الحفاظ على قيم المجتمع الهامة وتراثه الثقاقي والحفاظ على هوية وآيديولوجيا المجتمع

الأسكندرية: تشهد المجتمعات الكثير من التغيرات في شتى المجالات، وما ينتج عنها من تحديات تواجه المجتمع وأفراده ومؤسساته المختلفة. فنجد أن التربية الاجتماعية لها الدور الأكبر فيما يخص ملاحقة التغيرات الاجتماعية وتوجيه التغير ومساعدة وتهيئة الأفراد لفهمه وتقبله والتكيف معه والاستفاده منه، وبالطبع لكل مجتمع معاييره واتجاهاته ومفاهيمه الثقافية التي تميزه عن سائر المجتمعات، فقد تتعارض القيم والاتجاهات والمفاهيم الجديدة مع بعض العناصر الثقافية السائدة، وهنا يظهر دور التربية في توضيح هذه القيم والمفاهيم والأساليب السلوكية والمعايير الاجتماعية وأهميتها للفرد والمجتمع من خلال المناهج والطرق والوسائل التربوية.
علم الاجتماع التربوي أو سوسيولوجيا التربية أحد فروع علم الاجتماع العام، يمدنا هذا العلم بأبحاث ودراسات تهتم بمعرفة دوافع السلوك الاجتماعي بغية فهم هذا السلوك ووصفه والتنبؤ به والتحكم فيه للاستفادة منه في تحقيق الأهداف المرجوة.
ويرى إيميل دور كايم، وهو من رواد علم الاجتماع الحديث، أن التربية تقوم على أساس التنشئة الاجتماعية الممنهجة التي تمارسها الأجيال السابقة أو الراشدة على الجيل الصاعد الذي لم ينضج بعد، لمواجهة تحديات المجتمع من خلال تنمية التفاعل الفسيولوجي والفكري والأخلاقي لدى الطفل والذي يتطلبه المحيط الثقافي والسياسي العام والوسط الاجتماعي الخاص.
إن الاستمرارية الثقافية مع الحفاظ على التراث الثقافي تعتبر أساسا لاستقرار المجتمع وتقدمه، وهذه الاستمرارية تقع على عاتق التربية الاجتماعية، بحيث تسعى التربية جاهدة إلى التخلص من كل ما يعيق تحقيق أهداف التربية لتحل محلها قيم وعادات واتجاهات جديدة ذات فائدة فعاله وعملية لكل من الفرد والمجتمع.
نرى الآن في عصرنا هذا كم التغيرات الاجتماعية والثقافية السريعة، مما أدى إلى تغير وتحديث في الكثير من الدول النامية. وقد ينطبق ذلك على الكثير من الدول العربية وخاصة الدول الخليجية. وقد ساعد الاتصال بين هذه المجتمعات على تعزيز وسرعة انتشار الثقافات المختلفة والانفتاح على العالم الخارجي وبالتالي يحدث التبادل الثقافي، وينتج عن ذلك رغبة هذه الدول في التحديث ومسايرة العصر إلى انتشار عناصر ثقافية جديدة لم تكن معروفة من قبل في هذه المجتمعات، وبدورها تحدث تغيرات جذرية بهذه المجتمعات. ويحدث التغير على كافة الأصعدة بحيث يتغير نمط المعيشة في هذه المجتمعات، ونظم ومراحل التعليم، ووضع المرأة ومكانتها الاجتماعية وطبيعة العلاقات الأسرية والاجتماعية وغيرها...
ونجد أن المجتمعات التي تتعرض لمثل هذا التغير السريع يمتاز أفرادها بالاختلاف في اتجاهاتهم ومن حيث درجة تقبلهم للتغير والتكيف معه والعمل على إحداثه، فينقسم الأفراد بين مؤيد ومعارض للعناصر الثقافية الجديدة من مخترعات وأفكار وقيم واتجاهات ومعارف وعادات، فالمؤيد يسعى للتقبل والتكيف لما هو جديد والمعارض يسعى للحفاظ على كل ما هو قديم وعدم الرغبة في تبني الكثير من الوسائل والمفاهيم والطرق والقيم الجديدة.
ومن هنا يأتي دور التربية في توجيه التغير ومساعدة وتهيئة الأفراد لفهمه وتقبله والتكيف والاستفادة من هذا التغير، وتوضيح التعارض بين العناصر الثقافية الجديدة وبعض العناصر في الثقافة السائدة، فالتربية تدعو للمرونة والتفكير العلمي في تقبل العناصر الثقافية الجديدة وتوجيه الفرد لأهمية دوره في الاستغلال الإيجابي لها، مما يتيح للمجتمع مواكبة الجديد والاستفادة منه في كل ما يخص التطوير والنهوض بالفرد وتعزيز وضعه الاجتماعي والثقافي.
وعادة قد يصاحب التغير الاجتماعي السريع بعض المشكلات الاجتماعية من أهمها الصراع الثقافي، فيأتي دور التربية في توعية الأفراد لحل الكثير من المشكلات الاجتماعية وكيفية التغلب عليها. كما أن التغير الذي يحدث في أي عنصر ثقافي يتوجب بالضرورة أن ينعكس هذا التغير على بعض العناصر الثقافية أو النظم الاجتماعية المرتبطة بها، بحيث إذا لم يحدث التغير بنفس السرعة فقد ينتج عن ذلك ما يسمى التخلف الثقافي.
وتسهم التربية في فترات التغيرات الاجتماعية السريعة في بناء النظام الاجتماعي الجديد، كما تعمل على الحفاظ على قيم المجتمع الهامة وتراثه الثقاقي والحفاظ على هوية وآيديولوجيا المجتمع. وفي نفس الوقت تساعد الأفراد على تقبل التغيرات الهامة والأساسية والتكيف معها وتدريبهم لكي يصبحوا أداة تغير فعالة في المجتمع. وأيضا تسهم التربية في تحقيق التغير الاجتماعي عن طريق المؤسسات التربوية بحيث تلعب هذه المؤسسات دورًا كبيرًا في هذا الصدد. ومن أهم هذه المؤسسات «الأسرة»، فقد طرأ الكثير من التغيرات التي أثرت على دور وشكل الأسرة في العصر الحديث ومنها انتقالها من كونها وحدة إنتاجية إلى وحدة استهلاكية واعتماد الأسرة الحديثة على غيرها من المؤسسات الاجتماعية. وتأتي المدرسة بحيث تكون ثاني أهم مؤسسة تربوية تسعى لمواجهة التغير الاجتماعي والظروف الناجمة عنه، فتسعى المدرسة إلى تكيف الأفراد مع ظروف التغير الاجتماعي عن طريق الأخذ بالأسلوب العلمي وتدريب الأبناء على أن يكون لديهم مقومات الفكر النقدي الذي ينير لديهم الحس الذي يجعلهم أكثر قدرة على التمييز بين ما يتفق وما يتعارض مع عناصرنا الثقافية.
ويمكن إجمال دور التربية في مواجهة التغيرات الاجتماعية في الإعداد المهني للأفراد والمحافظة على آيديولوجيا المجتمع ومقوماته الأساسية والتأكيد على القيم الدينية وتهيئة الأفراد ليصبحوا هم أنفسهم أداة فعالة للتغير الاجتماعي، وتشجيع الابتكار والاستفادة من التقدم التكنولوجي واستغلال شتى قنوات المعرفة. وبهذا يتطلب بدوره من التربية بتغيير فلسفتها وأهدافها ومناهجها وطرق وأساليب التدريس لمسايرة التغير ومتطلباته.


اشترك في النقاش