«الراية الأمازيغية» تحيي صراع الهوية بالجزائر.., وقائد الأركان يحذّر من رفعها

هل هي علَم يطرح كبديل للعلم الجزائري الرسمي؟
* قايد صالح: للجزائر علم واحد استشهد من أجله ملايين الشهداء، وراية واحدة هي الوحيدة التي تمثل رمز سيادة الجزائر واستقلالها ووحدتها الترابية والشعبية
* اقتحام الشرطة لمسيرات الجمعة، ومصادرتها للرايات الأمازيغية، أكد جليًا أن المسألة تتعدى الأقلية الانفصالية الممثلة في حركة «الماك» ومنتسبيها
* التجاذب والاستقطاب الهوياتي والعرقي الحاد، خلق مخاوف بين أوساط الجزائريين، من أن تتحول مطالب الحراك بالانتقال الديمقراطي، إلى صراع آيديولوجي وعرقي
 

الجزائر: الراية الأمازيغية هل هي علَم يطرح كبديل وينافس العلم الجزائري الرسمي، أم أنها مجرد راية ثقافية تعبر عن هُوّية الأمازيغ؟ 

هذا السؤال كان الأبرز في المشهد السياسي الجزائري خلال هذا الأسبوع، وذلك بعد خطاب عاصف وغير متوقع من قائد أركان الجيش الجزائري الفريق أحمد قايد صالح، الذي أعلن الأربعاء أن حمل أي راية دون الراية الجزائرية الرسمية سيكون مصيرها الحجز، واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة ضد حاملها.

فبعد خطابه الأخير بتاريخ الأربعاء 17 يونيو (حزيران) الجاري، أشعل قائد أركان الجيش الجزائري الفريق أحمد قايد صالح مواقع التواصل الاجتماعي ببلاده، بعد إصداره أوامر بمنع رفع رايات غير الراية الجزائرية ثلاثية الألوان الأحمر والأخضر والأبيض.

قايد صالح، وخلال خطابه الأخير أعلن أن «للجزائر علمًا واحدًا استشهد من أجله ملايين الشهداء، وراية واحدة هي الوحيدة التي تمثل رمز سيادة الجزائر واستقلالها ووحدتها الترابية والشعبية». 

وتابع: «هناك محاولات لاختراق المسيرات من خلال رفع رايات غير الراية الوطنية»، وكشف عن «إصدار أوامر صارمة لقوات الأمن للتصدي لكل من يحاول المساس بمشاعر الجزائريين».

تصريح قايد صالح تلقفه ناشطون عبر مواقع التواصل الاجتماعي على نطاق واسع، وبات موضوعهم الأبرز للنقاش وما يزال، مؤكدين أن صالح كان يقصد علم الهوية الأمازيغية ذات اللون الأصفر والأخضر والأزرق، والذي يرمز لنضال المكوّن الأمازيغي بالجزائر طوال عقود من الزمن.

وبينما أكد هؤلاء سعي قيادة الأركان لاستغلال الفوارق العرقية لتفريق المتظاهرين، تصوّر آخرون أن السلطة تسعى لحماية الحراك من الدخلاء من أصحاب الراية الانفصالية التي يتزعمها السياسي المغترب بفرنسا فرحات مهني، والذي يطالب باستقلال منطقة القبائل الأمازيغية عن الجزائر، وليس علم الهوية الذي رافق المتظاهرين منذ بدء المظاهرات يوم22   فبراير (شباط) الماضي.

بيد أن الخلاف المتعلق بهوّية الراية التي قصدها قايد صالح زال سريعا بعد أول جمعة أعقب الخطاب، حيث أعلنت السلطات الجزائرية السبت الماضي، عن إيداع 17شخصا في الحبس المؤقت لرفعهم راية غير الراية الرسمية يوم الجمعة الماضي، بعد أن تم توجيه تهمة «إهانة هيئة نظامية» لهم.

اقتحام الشرطة لمسيرات الجمعة، ومصادرتها للرايات الأمازيغية، أكد جليًا أن المسألة تتعدى الأقلية الانفصالية الممثلة في حركة «الماك» ومنتسبيها، الأمر الذي بعث مخاوف جادة وحقيقية من تأثير هذه الخطوة على إحياء صراع الهوية الذي عاشته الجزائر بداية من الثمانينات بين الأمازيغ والعرب.

ومما غذّى هذه المخاوف بروز مواقف وصفها البعض بـ«المتطرفة» في كلا الفريقين المؤيد والمعارض لخطوة قائد الأركان، فرئيسة حزب العدل والبيان نعيمة صالحي المعروفة بخطابها العنصري والمتطرف ضد المكوّن الأمازيغي، سارعت إلى مباركة قرار قائد الأركان، ونشرت فيديو انتشر على نطاق واسع دعت فيه إلى مقاطعة كل من يرفع علم الأمازيغ، أو علم «الفرشيطة» مثلما سمته، في إشارة منها إلى الحرف الذي يتوسط العلم الأمازيغي.

صالحي لم تكتف بذلك، بل شبّهت من يرفع علم الهوية الأمازيغية باليهود، وأنه على الجزائريين مقاطعتهم، وعدم الزواج ببناتهم، وعدم تزويجهم، وعدم ممارسة التجارة معهم، لأن من يعادي قائد الأركان وينتقد قيادة الجيش برأيها هو «خائن وعدو للوطن».

تصريحات صالحي وهي عضو في البرلمان أيضا، قابلتها تصريحات أخرى من الأمازيغ بتحدي قرار قيادة الأركان، وعمد أحد الأطباء الأمازيغ بولاية «محافظة» البرج إلى رفع العلم الأمازيغي بدل العلم الجزائري في مكتبه، ووضع الصورة في حسابه الرسمي مرفوقة بعبارات عنصرية ضد نساء العرب، وقد تم مباشرة اعتقال الطبيب ووضعه رهن الحبس الاحتياطي، وقبل سلوك هذا الطبيب قام ناشط من محافظة بجاية التي يسكنها الأمازيغ بتمزيق العلم الجزائري، وقد تم اعتقاله من طرف الشرطة وتم وضعه السجن الاحتياطي.

هذا التجاذب والاستقطاب الهوياتي والعرقي الحاد، خلق مخاوف بين أوساط الجزائريين، من أن تتحول مطالب الحراك من مطالب سياسية هدفها تحقيق الانتقال الديمقراطي في البلاد، إلى صراع آيديولوجي وعرقي، ينسف كل ما حققه الحراك من نتائج إلى حد الآن.

وبالنسبة للأمازيغ فإن الراية التي يرفعونها لا تطرح كبديل للعلم الجزائري الرسمي، بل هي راية ثقافية تعبر عن ثقافتهم وهويتهم الأمازيغية، لذلك هم متمسكون بها ويرفضون التنازل عنها، باعتبارهم جزءا لا يتجزأ من الحراك.

وأشار المؤرخ والقيادي السابق بحزب جبهة القوى الاشتراكية محند أرزقي فراد في حديثه لـ«المجلة» إلى أن «الراية الأمازيغية لا تخص فقط أمازيغ الجزائر، بل هي راية لكل أمازيغ شمال أفريقيا، ولكل أمازيغي حيثما حلّ أو ارتحل»، لأجل ذلك يرى أن «التهويل الذي رافق رفع هذه الراية أمر غير مبرر».

وحسب فراد فإن الراية الأمازيغية قام بتصميمها محند أعراب مسعود من منطقة إيواضيين بتيزي وزو، حيث تم اعتماده في عام 1998 من طرف المؤتمر العالمي الأمازيغي الذي انعقد بمدينة تافيرا بجزر الكناري الإسبانية، والتي تعرف تواجدا أمازيغيا منذ القدم تحت اسم (الغواشن).

هذه الراية تتكون من ثلاثة أشرطة بنفس المقاس بثلاثة ألوان: الأزرق والأخضر والأصفر، يتوسطها حرف الزاي بأبجدية التيفيناغ باللون الأحمر، وهذه الألوان مجتمعة ترمز لمنطقة (تمازغا) والتي تعني المغرب الكبير أو مناطق تواجد الأمازيغ بشمال أفريقيا.

ولكل لون رمز ودلالة خاصة، فاللون الأزرق يرمز للبحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي نسبة لأمازيغ الساحل، واللون الأخضر يرمز للطبيعة والسهول والجبال الخضراء، نسبة لأمازيغ التلال والسهوب، في حين يرمز اللون الأصفر لرمال الصحراء الكبرى، نسبة لسكان الصحراء الكبرى كالطوارق.

ويتوسط الراية حرف الزاي بالتيفيناغ باللون الأحمر وذلك رمز للحياة والمقاومة التي قدمها الأمازيغ عبر قرون من شهداء ودماء، منذ تواجدهم في شمال أفريقيا دفاعا عن أراضيهم وأوطانهم وثقافتهم ولغتهم، عبر مملكة تامزغا الكبرى.

وتامزغا لفظ محدث باللغة الأمازيغية وضعته الأكاديمية البربرية بباريس، ويتم تداوله من طرف ناشطي الحركة الأمازيغية في الجزائر وفي غيرها، في إطار خطاب يتعلق بالمسألة الأمازيغية وتعني وحدة ترابية تمثل أرض الأمازيغ في شمال أفريقيا والمغرب العربي، أو كما تمتد من واحة سيوة في مصر شرقًا حتى جزر الكناري غربا ومن سواحل البحر الأبيض المتوسط شمالاً حتى نهر السنغال جنوبًا. وبالتالي فهذه الرقعة الجغرافية تضم بشكل كامل 6 دول عربية هي: ليبيا وتونس والجزائر والمملكة المغربية وموريتانيا وبشكل جزئي جزر الكناري ومصر (واحة سيوة) ومالي والنيجر.

ويرمز العلم الأمازيغي حسب فراد إلى الامتداد الجغرافي لتامزغا، وهو علم كما أجمع عليه المؤتمر العالمي الأمازيغي بإسبانيا نهاية عام 1997على أنه: علم لا علاقة له بمشروع دولة، ولا علاقة له بعلم أي دولة، كما يعتقد الكثير، وأكد المؤتمرون أنه علم ليس بديلا للأعلام الوطنية الرسمية للدول، وإنما يمثل فقط الهوية الثقافية والتاريخية واللغوية للأمازيغ قاطبة لذا يرفعه كل الأمازيغ في جل أنحاء العالم تقريبا في مناسبات ثقافية وتاريخية ورياضية مختلفة كمونديال البرازيل وجنوب أفريقيا والربيع الأمازيغي.

الباحث والأستاذ جمال سيدهم وفي منشور له عبر صفحته الرسمية في موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك»، كتب «لم تقف ولا دولة عالمية من غير الدول العربية ضد رفعه أو انتشاره، لكونها ليست راية سياسية أو علامة تجارية أو عرقية عنصرية، لإدراك هذه الدول بالبحث العلمي في تاريخ الأمازيغ في العالم أنها مجرد راية تعبر عن انتماء ثقافي تاريخي لغوي أمازيغي لا غير»!!

وتابع: «حتى أغلب الجامعات العالمية المحترمة تدرس في كليات التاريخ والاجتماع والتراث التاريخ الأمازيغي كحضارة بشرية عريقة كحضارة الفينيقيين وحضارة اليونان وحضارة الآشوريين وحضارة اليبوسيين وحضارة البابليين وحضارة الفراعنة، لأنهم لا يخلطون بين القانون والسياسة والسيادة ورموز ثقافة الشعوب المختلفة».

إثارة موضوع الراية الأمازيغية في هذا التوقيت برأي بعض المتابعين هدفه إجهاض الحراك، بخلق وإيجاد معارك هامشية تدخل الجزائريين في نقاشات لا تنتهي، ويعتقد البروفسور رابح لونيسي من خلال مساهمة فكرية نشرها مؤخرا أن «هناك مناورات من السلطة لضرب الحراك بإدخال الجزائريين في نقاشات عقيمة حول قضايا هوياتية ولغوية والرايات وغيرها موظفين في ذلك حلفاءها الذين طبلوا لكل قوي، ومنهم إعلاميون كانوا يسبحون ببوتفليقة بالأمس فقط، ليتحولوا ضده اليوم».

لونيسي تساءل بالمقابل عن السر في فتح نقاشا بخصوص إمكانية تغيير العلم الرسمي الجزائري، من خلال إثارة هذا النقاش في ندوة صحافية عقدتها زوبيدة عسول القيادية في حركة «مواطنة» المعارضة، واعتبر أن «طرح هذا السؤال وإثارة موضوع الراية الأمازيغية في نفس الوقت يأتي ضمن مخطط مدروس يريد الترويج لفكرة نشرها أعداء التغيير في الجزائر، وهي أن دعاة المرحلة الانتقالية الديمقراطية يريدون تغيير كل ما بني عليه المجتمع الجزائري كهوية ودين ولغات (العربية والأمازيغية) وغيرها، وهو ليس صحيحا إطلاقا، بل بالعكس، فأصحاب الانتقال الديمقراطي يريدون بناء نظام جديد يجد كل الجزائريين أنفسهم فيه».

ومن مخططات السلطة أيضا برأيه «دفع البعض إلى التطرف تحت غطاء الراية المعبرة عن فكرة الوحدة المغاربية ويقصد بذالك الراية الأمازيغية، والتي عادة ما ترفع في غالب الأحيان إلى جانب العلم الوطني المقدس، والتي لاعلاقة لها إطلاقا بعلم الإنفصاليين الذين دحرهم الحراك نهائيا، ولم يعد لهم وجود، لكن السلطة تريد إعادتهم وتقويتهم كي تستخدمهم كذريعة لإجهاض عملية الانتقال الديمقراطي، وهو نفس أسلوبها بعد 1988 بالدفع إلى التطرف الديني ودفع البعض إلى الإرهاب للانقلاب على المسار الديمقراطي».

وحذر لونيسي الجزائريين من الوقوع في هذه المناورات، والانحراف عن مطلب الثورة السلمية والمتمثل في تغيير جذري للنظام، وبناء نظام ديمقراطي يجد كل الجزائريين أنفسهم فيه إلى نضال من أجل مسائل هوياتية أو لغوية وغيرها، وهو ما تخطط له السلطة.

وخلال وقفة لمجموعة من النشطاء بمحافظة باتنة للمطالبة بإطلاق سراح الموقوفين على خلفية الراية الأمازيغية، أصدر المحتجون بيانا اعتبروا فيه أن «هذا الفعل يعبر النظام من خلاله مرة أخرى عن احتقار دستوره الذي يدعي العمل تحت سقفه، هذا الدستور الذي يعترف بالأمازيغية بكل أبعادها كما يشير إلى البعد الشمال أفريقي للجزائر».

واعتبر النشطاء أن «الشبان المتظاهرين بكل سلمية وهم يعبرون عن هدفهم في التجديد الديمقراطي للوطن المستمد لقوته من القاعدة الشعبية، بعد عقود طويلة من التسيير البيروقراطي الخانق الذي أنتج فشلا عاما كان مبرمجا لبلد يستحق الأفضل، عبروا أيضا عن أحلامهم في كيان يجمع كل هذا الشتات الذي عمل الاحتلال على تفتيته وما زال يعمل».

وحسب هؤلاء النشطاء، فإن «أملا بزغ مع بداية الحراك في إقامة العدل بدأه قضاة شبان لفترة وجيزة»، لكنهم عبروا عن «خيبة أملهم في عودة قوية للأساليب التي خرجوا للشوارع من أجل التنديد بها»، ودعا هؤلاء الشبان القضاة بأن «يكونوا في مستوى تطلعات الشعب التواق للحرية والديمقراطية واستقلال العدالة كشرط ضامن للحقوق والحريات»، كما دعوا الجزائريين إلى «الوحدة والتهدئة والسلمية لمواصلة العمل على تحقيق أهداف شعبنا في دولة الحق والحريات التي خرجوا لأجلها منذ22  فبراير (شباط)».

وفي المعسكر الآخر ممن يرفضون رفع الراية الأمازيغية، هؤلاء يقولون إن الحدث حدث جزائري لا أمازيغي، وإن رفع أي لافتات أو شعارات جهوية تخص منطقة بعينها يعدُ انحرافا للحراك ومحاولة لركوب موجة الحراك.

ومن المخاوف التي يطلقها هذا المعسكر هو إمكانية اختراق الحراك من طرف منتسبي منظمة الماك الانفصالية بقيادة فرحات مهني، ومن بين التهم التي يوجهها داعمو القايد الصالح في فكرة منع الرايات الأمازيغية هو أن حركة الماك ومعها بعض الرموز المحسوبة على الفصيل الديمقراطي، والتي تنادي بمجلس تأسيسي ومرحلة انتقالية تسعى من خلال مطالبها إلى مراجعة جذرية للدستور، والمساس بالثوابت الوطنية للدولة الجزائرية وهي الإسلام دين الدولة، واللغة العربية اللغة الرسمية للدولة، إلى جانب الأمازيغية، إلى جانب تغيير قانون الأسرة المستمدة من الشريعة الإسلامية.

كما يُتهم التيار الديمقراطي والذي يضم الكثير من الأمازيغ أبرزهم حزبا التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية وجبهة القوى الاشتراكية، وعدة شخصيات من حركة مواطنة المعارضة إلى جانب المعارض البارز كريم طابو بمحاولة استغلال الحراك لصالحهم من خلال رفض مقترحات الجيش بالذهاب إلى انتخابات رئاسية، في حين أنهم متمسكون بمرحلة انتقالية أو مجلس تأسيسي، يتم من خلاله تعيين شخصيات لإدارة المرحلة بشكل توافقي، وحسب منتقديهم فإن التيار الديمقراطي يفتقد لقواعد شعبية واسعة تؤهله للفوز في أي انتخابات مقبلة، لذلك هو يسعى لتجاوز معضلة التمثيل الشعبي بمحاولة فرض مرحلة انتقالية يكون له فيها موطئ قدم.

ما سبق يفسر الشعار الذي يرفعه أنصار المؤسسة العسكرية وهو التأسيس لجزائر نوفمبرية باديسية، مقابل جزائر حرة وديمقراطية وهو الشعار الذي يرفعه التيار الديمقراطي الذي يطالب بمرحلة انتقالية ومجلس تأسيسي، لأجل ذلك تحولت الرايات التي ترفع كلسان حال لهذه الأطرف المتصارعة بشأن هوّية الجزائر الجديدة.


اشترك في النقاش