الجيل الرابع من الإرهاب

بعد عودتهم من سوريا إلى كردستان... «أشبال الخلافة» يروون لـ «المجلة» تفاصيل تجنيدهم وكيفية تحريرهم
* أطفال «الدواعش»: كانوا يعاقبون من لا يحفظ الدروس ويخطئ في تلاوة القرآن... وكانت الدروس تبدأ من الساعة 3 فجراً
* حياة الأطفال بعد تحريرهم من داعش معقدة، فالغالبية من هؤلاء الأطفال تجدهم مسلوبي الطفولة... 
* في فصول تعليمية، تلقى الأطفال دروسًا حول أنواع الأسلحة، وأصناف الفقه والفكر المتشدد التي يتبناها التنظيم
* كان يتم تجميع الأطفال ليروا مشاهد قطع رؤوس وإعدامات ينفذها جلادون لا تزيد أعمارهم على 12 عامًا
* كشف «داعش»عن أطفال إيزيديين نفذوا عمليات انتحارية في مدينة الموصل، وقال عنهم التنظيم إنهم كفروا بدين آبائهم واهتدوا إلى الإسلام
* ظهر في مقطع فيديو للتنظيم، طفلان شقيقان إيزيديان نفذا عمليتين انتحاريتين، ضد القوات العراقية في الموصل، أحدهما قال باللغة الكردية إنهم «مستعدون لقتل أعداء الله ولو كانوا آباءهم»
* تقتصر مراحل التجنيد على 6 محطات، بداية من الإغواء، حيث يقوم خلالها التنظيم بعرض أفكاره على الأطفال عبر لقاءات غير مباشرة تجمعه بهم
* إذا كانت الأمم المتحدة قد أقامت يوما عالميا للقضاء على العنف واحتفلت هذا العام بهذا اليوم تحت عنوان حقوق الأطفال المولودين في الحرب، فإن ذلك لم يثن الجماعات الإرهابية عن المضي قدماً في تجنيد الأطفال مدعومة من دول مثل تركيا وقطر

أربيل«كردستان العراق»سـألته مباشرة: لو لم يكن هناك قصف، هل كنت هربت من الدواعش؟ أجابني مترددًا: «يمكن نعم... يمكن لا... أقسم بالله لا أعرف».
موسى شبل كردي إيزيدي من أشبال الخلافة المزعومة، يبلغ اليوم 15 عاما، هرب أو تحرر (هو نفسه لا يعرف)، خلال معارك الباغوز السورية آخر معاقل داعش، يفضل الحديث بالعربية التي تعلمها عند الدواعش، التقى بأمه أخيرا بعد خمس سنوات، إلا أن موسى كبر أضعافا مضاعفة، ما عاد ذلك الطفل ابن العشر سنوات عندما انتزع من أمه ليخضع لقسوة لم يخترها لا هو، ولا أبناء جلدته من الإيزيديين.
يقول موسى لـ«المجلة»: «عندما أخذوني من أمي درسنا في المعهد الشرعي، بقيت طويلا إلى أن تم اختياري لأكون بين أشبال الخلافة، أخذونا إلى معسكر خاص، تلقينا مختلف أنواع التدريبات»، راجيا عدم الخوض في التفاصيل.
يضيف: «كنت أحفظ دروسي ولا أخالف التعليمات... المعهد الشرعي غالبيتهم كانوا من أطفال سنجار ثم التحق بنا أطفال شيعة تركمان وأطفال من دار الأيتام بالموصل، كنا ننادي المعلمين بألقابهم».
ويتابع: «في معسكر أشبال الخلافة كانت أعدادنا كبيرة... كنا كثر، خلال إحدى الغزوات أصبت بشظية في صدري نتيجة قصف الطائرات، لم يكن متوفرا أي علاج، إلى أن عولجت في مشفى هجين، هناك أسعفوني وأعطوني الدواء ولم أخضع لأي عملية جراحية لإخراج الشظية من صدري»، مضيفا: «من كانوا معي بعضهم عاد وبعضهم قتل وبعضهم فضل البقاء لا يريدون العودة... يقولون دخلنا في هذا الدين وتعلمنا وتعودنا عليه»، سألته: وأنت لم عدت....؟!!! 
- «رجعت بسبب القصف المستمر... حتى الدواعش هربوا...!!!!».
أما آيدن فقد سألته مباشرة هل تخاف عودة داعش أجابي بلا تردد «لا..!!!!، عشنا وتعايشنا معهم».
آيدن طفل إيزيدي يتحدث تارة بالمصرية، وتارة أخرى بالسورية، مستخدما أحيانا اللهجة العراقية، لا يعرف مصير أمه ولا أبيه، من تبقى له عمه وجدته التي ترعاه بعد هروبه خلال معارك الباغوز، ينتظر موعد سفره إلى كندا رغم عدم رغبته، إلا أنها رغبة جدته التي يعتبرها بمقام والدته المجهولة المصير.

 




هروب مجموعة من الاطفال من داعش وتسليم انفسهم الى قوات سوريا الديمقراطية


آيدن يخبر «المجلة» موجزا تجربة خمس سنوات في جمل قصيرة، مستعجلا في السرد، متفاديا الوقوف حتى على اللحظات القاسية، يقول: «تم أخذنا أنا وأمي وأبي وإخوتي في 2014. فرقونا، أخدوا الرجال لمكان، والنساء لمكان آخر، فصلت عن أخي، أخذت للمعهد الشرعي بالموصل، ومن الموصل أخذونا لسوريا، أربع سنوات كنت في المعهد، تعلمت تلاوة القرآن ودروس الشريعة الإسلامية، إلا أنني هربت من المعهد، اشتقت إلى أخي، هربت إلى الهجين حيث كان أخي لدى إحدى العوائل الداعشية، بقيت هناك عدة أشهر».
آيدن لم يشر إلى أنه تلقى أي تدريبات على القتال إلا أنه في سياق الحديث قال إنه كان قد أصيب في إحدى المعارك، يقول: «كان هناك أطفال من سنجار وأيضا أطفال شيعة وأيضا أطفال من دار الأيتام بالموصل هؤلاء لم يكن لديهم أهل، أما أطفال الدواعش فكانوا يدرسون في معهد خاص، ولهم معسكرات خاصة لم نكن نحتلط معهم».
وحول برنامجهم اليومي قال: «كانوا يعاقبون من لا يحفظ الدروس ويخطئ في تلاوة القرآن، كانت الدروس تبدأ من الساعة 3 فجراً،وبعد صلاة الفجر، ندرس حتى يحين موعد الفطور الساعة 8 ثم ندرس لحين موعد الغداء الساعة 12 ثم ندرس حتى العشاء، لم يكن مسموحا لنا باللعب إلا في الأعياد (الفطر والأضحى)، وأحيانا بسبب القصف لم يكونوا يسمحوا لنا بالخروج أو اللعب، كنا نتنقل معهم حتى وصلنا إلى الباغوز، بعد الغزوات والمعارك وإصابتي في وجهي، خفت، فهربت مع عوائل داعش التي نزحت من الباغوز، هربت إلا أن أخي رفض أن يأتي معي».
ويضيف: «لم أر أمي ولا أبي، أما أخي فهو بمخيم الهول، هو لا يريد أن يعود، حاولت إقناعه بالهروب معي إلا أنه رفض، أخي يصغرني بعام، يعيش عند إحدى عوائل داعش بمخيم الهول».
وعن مدى تأثرهم بأفكار داعش، لا يخفي أن غالبيتهم تأثروا من الخوف والترهيب إلا أنه لا يجزم بهذا الاتجاه ليعود ويقول: «لم يؤثروا على أخي فقط، أثروا علينا جميعاً، كلنا مقتنعون، أنا هربت من الخوف، هربت من القصف، هربت لكي لا أموت، وأنا مصاب بوجهي، الكثير من الذين كانوا معي الآن هم في صحراء الأنبار، آخرون من السنجاريين لم يخبروا أحدا بأنهم سنجاريون، وهم الآن في مخيم الهول، هناك أطفال لا يحبذون العودة».
آيدن يتعلم الموسيقى اليوم، إلا أنه حريص على أن يلتقي أقرانه ممن تمكنوا من الهرب ويتقاسم معهم ذكريات أيام الدولة، ولا يخفي آيدن أن أوقاته السعيدة تكون معهم عادة... موسى وآيدن وعشرات مثلهما يعيشون التيه، فما الذي يجعل طفلا تائها عن مشاعره لهذه الدرجة... أسئلة كثيرة يتهربون من الإجابة عليها، يستصغرون الأسئلة والواقع الذي باتوا أكبر منه، وبات هو غير قادر على استيعاب تجربتهم...

 




اطفال دواعش وأمهاتهم خلال احتجازهم في العراق


 
ماذا فعل داعش بالأطفال
ذكرت عدة دراسات ما تقوم به الجماعات المتطرفة لتجنيد للأطفال والتي تبدأ بعملية غسل دماغ، وتقتصر مراحل التجنيد على 6 محطات، بداية من الإغواء، حيث يقوم خلالها التنظيم بعرض أفكاره على الأطفال عبر لقاءات غير مباشرة تجمعه بهم.
ثم يتم الانتقال للمرحلة الثانية وهي التعليم، والتي يتم خلالها تلقين الأطفال بشكل مكثف مبادئ وممارسات التنظيم، وتتمثل المرحلة الثالثة في الاختيار والذي يتم وفقًا لاهتمامات وكفاءة كل طفل حيث يتم تدريبهم وإعطاؤهم مهام مختلفة يتم من خلالها اكتشاف قدراتهم.
والإخضاع وهو المرحلة الرابعة، حيث يتعرضون لتدريبات مكثفة جسدية ونفسية تتضمن قدرًا كبيرًا من الوحشية، ويتم خلالها عزلهم عن أسرهم، وإرغامهم على ارتداء زي موحد، وتعميق الالتزام داخلهم بقيم الولاء والتضحية، ويأتي التخصص في المرحلة الخامسة حيث يعمل التنظيم على تعزيز الخبرات لديهم، ومن ثم تزويدهم بالتدريبات المتخصصة، 
ومن ثم المرحلة الأخيرة وهي التعيين وتنفبذ المهام.

 




الناشط الايزيدي علي حسين خانصوري


 
رجال في أجساد أطفال
الناشط الإيزيدي علي حسين الخانصوري، الذي ساهم في تحرير المختطفين الإيزيديين يقول لـ«المجلة» إن «حياة الأطفال بعد تحريرهم من داعش معقدة، فالغالبية من هؤلاء الأطفال تجدهم مسلوبي الطفولة... الطفولة غائبة عن تعاملهم مع ذويهم عن تعاطيهم مع الأمور عن سلوكهم بشكل عام، حتى إن وجدت أن بعضهم قد يحب اللعب، لكن بداخلهم أشخاصا آخرين ما زالو يتحكمون بمزاجهم، تلمس ذلك من أحاديثهم، لديهم أفكار معينة، أحيانا عندما أجلس مع أحدهم آتي على سيرة معابدنا الإيزيدية، أذكر لالش على سبيل المثال، غالبيتهم يسخرون من الحديث، أو إن لم يجهروا بذلك، لكني أشعر بضحكهم الذي يحاولون إخفاءه وهناك من يجهر منهم وينعتنا بالكفار».
ويضيف خانصوري: «كثيرا ما يقومون بحركات غير طيبة، بالنسبة لنا على الأقل، هم معتادون عليها، بينهم من ما زال يعيش تحت سطوة الفكر الداعشي، ما يجعل الحزن مهيمنا بعنف وبشكل مضاعف على هؤلاء الأطفال، مرة لأنهم كانوا أسرى لدى أعتى تنظيم إرهابي في العالم، ومرة أخرى لأنهم ما زالوا أسرى أفكار هذا التنظيم، حتى وإن تحرروا منه جسديا أو فيزيائيا، لكن ما يدور في عقلهم وذاكرتهم هي السنوات التي قضوها لدى داعش... عندما أسمع قصصهم وما كانوا يتعرضون له أو ما كان يتم تلقينهم به أجد نفسي أمام أرواح عاجزة، الحياة مع هذا الصراع، صراع بين ماضيين، صراع بين أفكار تم زرعها وما تم اقتلاعه من عقول هؤلاء الأطفال».
ويضيف: «يحتاج هؤلاء الأطفال إلى وقت طويل، ولكن الوقت لن يكون مجديا في ظل غياب إرادة حقيقية لإعادة تأهيلهم، للأسف هم متروكون وحيدون يخوضون صراعهم الداخلي، حتى أهاليهم لا توجد لديهم الثقافة والوعي لمساعدة أطفالهم ورعايتهم، يتجولون في الشوارع يلتقون بأقرانهم من الأطفال الإيزيديين الذين تم تحريرهم، يسعدهم تمضية أكبر وقت مع بعضهم».
ويشير إلى أن الأطفال «لديهم أفكار خطيرة، خاصة المجاميع الأخيرة من الذين كانوا ضمن أشبال الخلافة وتم تحريرهم خلال معركة الباغوز، فهؤلاء لا يحبذون غالبا الاختلاط مع الغير، وهنا موضوع آخر فالأهالي وبسبب ما مروا به من تجربة قاسية لا يريدون الضغط عليهم، أو إزعاجهم، لذا عادة يتركونهم على حريتهم، ويتجنبون الخوض معهم في أحاديث تغضبهم أو تثير حفيظتهم، يشترون لهم أحدث إصدارات الهواتف المحمولة كنوع من التعويض، ويلاحظ الأهالي أن هؤلاء الأطفال يتابعون أو يستمعون إلى أناشيد داعش وشعاراتهم وأغانيهم، ولا أستبعد إن سنحت لهم الفرصة أن يتواصلوا مع القيادات أو معلميهم في المعاهد الشرعية أو مدربيهم، الذين كانوا يدربونهم أو أصدقاءهم ممن ظل أو فضل البقاء مع داعش أو انتقل إلى تركيا أو إدلب أو عفرين أن يتواصلوا معهم، أستطيع أن أؤكد أن الغالبية منهم ما زالوا متأثرين بـداعش يرددون سهوا أمامنا أحيانا أناشيد داعش، لا ننسى أن هناك أطفالا رفضوا العودة ومنهم من قام بعمليات انتحارية، قسم منهم ما زال يغضب، يكفرنا ويتمنى العودة، ويمدح التنظيم».
ويختتم خانصوري قائلا: «نحن ندرك أنه تم غسل دماغ صغارنا وأطفال آخرين بالفكر الداعشي مما يجعلهم يتبنونه ويصعب اقتلاع هذه الأفكار، ففي فصول تعليمية تلقى الأطفال دروسًا حول أنواع الأسلحة، وأصناف الفقه والفكر المتشدد التي يتبناها التنظيم، وكان يتم تجميعهم ليروا مشاهد قطع رؤوس وإعدامات ينفذها جلادون لا تزيد أعمارهم على 12 عامًا».
باجتياح تنظيم داعش لسنجار غرب الموصل في 3 أغسطس (آب) 2014، اختطف التنظيم عددا كبيرا من الأطفال الكرد الإيزيديين وزجوا معظمهم في معسكرات «أشبال الخلافة» لتدريبهم على ممارسة العنف، واستخدام السلاح، وكيفية القتال، والعمليات الانتحارية، وغير ذلك تبعا لفكرهم المتشدد.
وكشف داعش عن أطفال إيزيديين نفذوا عمليات انتحارية في مدينة الموصل، وقال عنهم التنظيم إنهم كفروا بدين آبائهم واهتدوا إلى الإسلام.
وظهر في مقطع فيديو للتنظيم، طفلان شقيقان إيزيديان نفذا عمليتين انتحاريتين، ضد القوات العراقية في الموصل، أحدهما يدعى أمجد أبو يوسف السنجاري، وقال باللغة الكردية إنهم «مستعدون لقتل أعداء الله ولو كانوا آباءهم»، ومن هؤلاء الأطفال أيضا من لقي حتفه في تفجيرات بسيارات ملغومة أو في معارك، وكان منهم من تتراوح أعمارهم بين 12 و16 عامًا، ومن الصبية من لقوا حتفهم في هجمات كان موتهم فيها محققًا.
ويقوم التنظيم بإجبار الأطفال على ارتداء الزي الرسمي لـداعش مع عصبة سوداء على رؤوسهم لتصويرهم للعالم كأنهم مجندون مستعدون للقتال حتى آخر قطرة دم في أشرطة فيديو دعائية مروعة والكثير من الصور والمشاهد المتكررة على شبكة الإنترنت، وأجبروهم على اتخاذ أسماء إسلامية وعلى تأدية الصلاة ومنعوهم من التحدث باللغة الكردية الخاصة بهم.

 




احد اطفال اشبال الخلافة بعد الهروب خلال معارك الباغوز السورية


 
داعشية طفولة
في مدارس أشبال الخلافة يعزل الأطفال عن ذويهم، ويتم توزيعهم على ثلاثة مستويات من التعليم والتدريب: 
-      ديني ينصب بالأساس على عملية الطاعة والجهاد. 
-      وعملي وهو بدني قاس، وفيه يتعرفون على أنواع مختلفة من الأسلحة ويتدربون عليها.
-      ونفسي يتعلق بوحشية القتال خلال المعارك.
لكن ليس الأطفال الإيزيديون فقط هم من تلقنوا هذه الوحشية، بل إن هناك الآلاف من الأطفال من مختلف الأديان والطوائف والجنسيات تدربوا في مدارس أشبال الخلافة منهم أطفال لآباء وأمهات ضمن التنظيم، ويقدر أعدادهم بالآلاف، وهم سيشكلون نواة النسل الرابع من الإرهاب من القاعدة إلى داعش، في فضاء عابر للجغرافيا وآيديولوجيا دولة الخلافة التي تبناها داعش.
إذن بعيدا عن استخدام تنظيم داعش الأطفال آنيا لأعمال قسرية مختلفة، منها أن يقاتل بعضهم على خطوط النار في جبهات القتال، وآخرون كجواسيس واستخبارات، وآخرون لوضع وإزالة الألغام الأرضية أمام الجبهات، مراسلين وحرسا وعتّالين وخداما، بالإضافة إلى من يتعرض منهم أيضًا للاستغلال الجنسي، لكن هناك هدفا أبعد من كل ما ذكر، وهو ربط أجيال جديدة بالتنظيم، فأطفال اليوم هم شباب الغد، ويراهن داعش عليهم في أن يكونوا مقاتلين مدربين على مستوى رفيع في المستقبل، لا سيما أن حداثة سنهم أعطت قادة التنظيم فرصة قوية لتنشئتهم على أفكاره ومعتقداته الدينية والقتالية وتصوراته ومدركاته، وهذا مسلك انتهجته أحزاب الإسلام السياسي سابقا، ولاحقا التنظيمات المتطرفة كالقاعدة وأخواتها، وبشكل مكثف داعش.
ظاهرة داعشية الطفولة، خزين استراتيجي كموارد بشرية للجيل الرابع من الإرهاب، خزين لأي تطرف ديني عنيف مقبل تحت أي اسم كان، فبالإضافة إلى الآلاف من أشبال الخلافة هناك الآلاف المؤلفة هم أطفال الدواعش أو أطفال أسر مبايعة لـداعش، في سوريا والعراق وامتدادها في أفريقيا، يعيشون اليوم أسوأ الظروف بعيدين عن برامج التأهيل والمراجعات والاندماج المجتمعي، والغالبية تعيش الفوضى بمعناها الأخلاقي والفكري والأمني.
الأطفال يحملون في ذاكرتهم النشطة، الكثير من الأناشيد والأشعار والنصوص والحركات والسكنات والشوق لأيام العيش في أكناف حكم تنظيم داعش كما أفاد الناشط الإيزيدي فيما يخص الأطفال الإيزيديين، فما بالكم بأطفال من آباء دواعش، وأسر بايعت داعش، إلى من ستتوجه بوصلة التلقين والتجميع مستقبلا.

 




العميد سمير راغب رئيس المؤسسة العربية للدراسات الاستراتيجية


 
المناطق المرشحة
العميد سمير راغب، رئيس المؤسسة العربية للدراسات الاستراتيجية، يرى أن «ما بعد سقوط دولة الخلافة في العراق وسوريا، ومع صعوبة عودة المقاتلين الإرهابيين الأجانب لبلادهم، هناك ثلاث مناطق مرشحة، أفغانستان، ليبيا، الصومال، بالترتيب، الانتقال لإيران يكون من العراق وغير الأراضي الإيرانية، الانتقال لليبيا يتم عبر البحر المتوسط، في اتجاه غرب ليبيا مصراته وسرت، بالتنسيق مع الجانب التركي على وسائل النقل البحري ومع الجانب القطري لاستقبالهم في السواحل الليبية».
ويقول راغب في حوار مع «المجلة»: «حال انتقال الدواعش بأسرهم يكون بصحبتهم ما يطلق عليهم «أشبال الخلافة»، وبإقامتهم لفترة طويلة يكون هناك جيل جديد من أبناء الإرهابيين، احتمال وجود البغدادي في ليبيا يتقارب مع احتمال وجوده في أفغانستان أو العراق أو حتى في سوريا، أو أي مكان آخر»، مستدركًا: «لكن بعيدا عن مكان وجوده، التحدي الحقيقي في الفكرة، فكرة البغدادي واستمرار إصداره تعليمات وتحديده للمناطق البديلة لدولة البغدادي، والتي في مقدمتها ليبيا، كجهة للعائدين من أنقاض دولة الخلافة أو من المنضمين الجدد من دول شمال أفريقيا والساحل والصحراء، لتوفر البيئة الحاضنة والدعم التركي القطري، وفراغ السلطة والاحتراب الأهلي».
ويشير الخبير العسكري إلى أن «هناك حالة سيولة في انتقال الإرهابيين من تنظيم إرهابي لآخر، سواء كأفراد أو جماعات، فرغم أن أفريقيا بالأساس نفوذ للقاعدة، إلا أنه بدأ من عام 2015 ظهور قوي لتنظيم داعش في سيرت، ثم ظهوره مره أخرى في مناطق الجنوب والوسط، بالإضافة لظهوره العلني في طرابلس ومصراته والزاوية»، لافتا إلى أن «الدعم القطري التركي يبقى هو أساس نمو وتمدد داعش في ليبيا على حساب أو بالتعاون مع باقي التنظيمات الإرهابية في أفريقيا».
وحول التجنيد يعبر عن اعتقاده بأن «التجنيد يمكن أن يكون من أطفال دول الجوار الجنوبي لليبيا مثل تشاد والنيجر، والامتدادات الجنوبية، لصالح النشاط الإرهابي في ليبيا، لكن تجنيد أطفال ليبيا من مناطق صحراوية غير مأهولة يصعب وخاصة لارتفاع مستوى الدخل لدي الليبيين»، مشيرا في الوقت نفسه إلى أن «البيئة مناسبة لفراغ السلطة المركزية، وحالة الانقسام والاحتراب الأهلي، مع وجود تنظيمات مسلحة من جماعات سلفية جهادية، تعتنق فكر الإرهاب والتطرف العنيف، غرب وشرق ليبيا يمكنها الانتقال لتنظيم داعش».
وحول أسلوب التجنيد يشير العميد سمير راغب إلى أن «أسلوب التجنيد وإدارة التوحش في الإطار العام ثابت، لكن التفاصيل تختلف باختلاف البيئة الحاضنة، التربية الدينية والعقائدية على الفكر المتطرف العنيف، والتدريبات البدنية والقتالية، هي الدعائم الرئيسية في تنشئة أشبال الخلافة».

 




المساجد التركية في النمسا تحرض الأطفال على الجهاد


 
من القاعدة إلى داعش
نشأ داعش في الحدود الغربية العراقية والشرقية السورية، بإهمال من بغداد ودمشق ومباركة بعض أبناء عشائر تلك المناطق الجغرافية، قبلها ظهرت تنظيمات جهادية استمدت أفكارها من تنظيم القاعدة الأم.
في يونيو (حزيران) عام 2006، قتلت القـوات الأميركيـة في العراق أبو مصعب الزرقاوي زعيم القاعدة في بلاد الرافدين، فتولى أبو حمزة المهاجر زعامة التنظيم وبعـد شـهر تقريبـًا مـن قيـادة هـذا الأخـير تـم الإعلان عن تشكيل «دولة العراق الإسـلامية» بزعامـة أبـو عمـر البغدادي، لكـن القـوات الأميركيـة مـرة أخـرى نجحـت في استهداف البغدادي ومساعده أبو حمزة، فاختار التنظيم أبو بكر البغدادي المعروف حاليًا بأبو بكر البغدادي الحسيني القريشي، واسـمه الحقيقـي إبـراهيم البدري.
في أبريل (نيسان) 2013، أصدر البغدادي بيانا رسميا يعلن دمج النصرة في سوريا مع دولة العراق الإسلامية وإعادة تسمية التنظيم الجديد بالدولة الإسلامية في العراق والشام رغم رفض أيمن الظواهري زعيم القاعدة.
في يونيو 2014، شن تنظيم داعش هجومًا عسكريًا في العراق واستولى على الموصل ثاني أكبر مدن البلاد، بعدها أعلن البغدادي عن إعادة تأسيس الخلافة وأعلن نفسه قائدا للأمة الإسلامية.
تمكنت داعش من السيطرة على مساحات شاسعة من الأرض السورية، وبناء مؤسسات دولة بدواوينها وقوانينها الخاصة ونظامها الاقتصادي والتعليمي وبدء طباعة عملتها الإسلامية، ما مكن التنظيم وخلال فترة قصيرة نسبيا من استقطاب آلاف المقاتلين والأنصار وأسرهم وأطفالهم من مختلف دول العالم.
في يوليو (تموز) 2017 شهدنا خسارة تنظيم داعش للموصل، وفرار مقاتلي داعش من الرقة في أكتوبر (تشرين الأول) 2017.
وفي مارس (آذار) انتهت قوات التحالف ضد داعش والقوات الموالية لها مثل قوات سوريا الديمقراطية، من القضاء على التنظيم الإرهابي عسكريا وجغرافيا في سوريا وفي آخر معاقله في الباغوز التابعة لدير الزور على الحدود العراقية.
ولكن مع مرور أكثر من ثمانية عشر عاما على انطلاق ما عرف بالحرب على الإرهاب، لم تعد القاعدة بشكلها الأولي، العدو الوحيد أو التهديد الأول للنظام الإقليمي والدولي، خصوصا بعد أن فرض تنظيم داعش نفسه على الساحة الدولية كمنافس لتنظيم القاعدة وتهديد رئيسي لأمن المنطقة والعالم، الذي لحد الآن من العسير التنبؤ بمستقبله وخطواته اللاحقة، خاصة مع التغيير المستمر في التكتيكات والسياسات واستخدام أدوات وتقنيات متطورة، وكذلك الدخول في ائتلافات وتحالفات قبلية وعشائرية وحتى شبكات إجرامية، لتحقيق أهدافها ومشروعها.
واستمرار البيئة الفوضوية الملائمة لنموها والتقدم كبديل، نتيجة استمرار الفراغ الذي خلفته ما سميت بالثورات وأدت إلى تفكيك دول وتشظي مجتمعات، فهل سنشهد فصلا جديدا من الإرهاب، أطلقنا عليه مجازا «النسل الرابع»، من يشارك في التكوين؟ ما هي الأدوات والوسائل؟ كيف سيتبلور ذلك في أوروبا خاصة مع عودة الكثيرين من الدواعش وأطفالهم إلى أوطانهم في أوروبا.

 




الطفل موسى الذي كان ضمن صفوف اشبال الخلافة وتحرر من داعش في مارس 2019


 
أجنة تطرف في رحم أوروبا
التجارب التاريخية أثبتت بعد حوادث مماثلة في أفغانستان، ومع اختيار قسم كبير من المتطرفين الأجانب العودة إلى أوطانهم، ومعظمهم لم تنجح معهم سياسات الاندماج، أنشأوا خلايا إرهابية محلية، وشكلوا سندا لوجستيا وماليا مع المتطرفين الآخرين في الصراعات المشتعلة في دول مختلفة، كما عملوا على تجنيد عناصر جدد لدعم الإرهابيين، وكانوا سببا رئيسيا في توسع شبكة القاعدة، ولاحقا داعش.
والمرجح أن نرى نمطا مماثلا مع عناصر داعش الذين غادروا سوريا والعراق إلى بلدانهم مجددا، وقد قدرت حكومة الولايات المتحدة الأميركية أن 40 ألف شخص غادروا بلدانهم الأصلية وسافروا إلى سوريا والعراق للقتال، وقد غادر ما يقرب من 14.910 من المقاتلين الإرهابيين الأجانب ساحات القتال، حيث عاد عدد كبير منهم عبر شبكات التهريب أو تم ترحيلهم من قبل تركيا، وما تبقى في السجون التركية أو قوات سوريا الديمقراطية يقدر بنحو 30 في المائة من القوة الجهادية المقاتلة، والباقي يبقى تهديدا محتملا في أي هجمات مستقبلية، أو إنشاء خلايا إرهابية محلية خاصة بهم.
وتتوالى الأنباء عن عودة الدواعش إلى أوطانهم، ورغم أن كثيرا من الدول الأوروبية رفضت استقبالهم، إلا أن الموضوع مختلف بالنسبة للأطفال، إذ إن الأطفال الذين فقدوا آباءهم يطالب بهم ذووهم ويضغطون على حكوماتهم التي لانت مؤخرا في العراق وحدها وبحسب مصدر في المحكمة العليا والذي كشف لـ«المجلة» مشترطا عدم ذكر اسمه أن هناك أكثر من 1000 طفل أبناء الدواعش من جنسيات أجنبية موجودون في العراق وأن أطفال أوروبا الشرقية، لا سيما طاجيكستان وروسيا وتركيا يحتلون الحصة الأكبر..
وكشف المصدر عن «تسليم بغداد مئات الأطفال إلا أنه ما زال هناك أعداد كبيرة لأطفال أجانب مودعين في دوائر الإصلاح العراقية من أبوين ‏ينتميان لتنظيم داعش الإرهابي وأن أعمار الأطفال تتراوح بين حديثي الولادة إلى عمر ‏‏16 سنة، مودعين حاليا في دور الإصلاح العراقية مع أمهاتهم المحكومات ‏بأحكام تصل إلى الإعدام والمؤبد أو أقل من ذلك عن جرائم انتمائهن إلى تنظيم داعش ‏الإرهابي والمشاركة في العمليات الإرهابية وارتكاب جرائم أخرى».
التسليم شمل 252 طفلا، منهم 77 روسياً و35 تركياً، وهم يمثلون ‏الأعداد الكبيرة من الأطفال الذين تم ترحيلهم بعد طاجيكستان ثم يأتي بعدهم أطفال عائدون ‏إلى أذربيجان بـ22 طفلا، وكذلك 10 من ألمانيا، أما الأطفال الفرنسيون فقد تم تسليم 5 منهم.
الحكومة السويدية تسلمت أيضا 3 من رعاياها الأطفال، وجورجيا وبيلاروسيا تسلما ‏ثلاثة أيضا، والحكومة الفنلندية متمثلة بالسفارة تسلمت اثنين، وكل من سويسرا وأوكرانيا تسلما ‏طفلا واحدا، كما تم تسفير 122 طفلا من ذوي النزيلات التركيات إلى بلادهم.
ومن سوريا استعادت بلجيكا ستة أطفال من أبناء عناصر تنظيم داعش من مخيمات في سوريا.
تتفادى الحكومات الغربية الكشف عن الأعداد التي تتعلق بالعودة الخاصة أو المحتملة لأسر الدواعش أو التهويل من الأجنة التي سترافق قوافل الهاربين من مختلف بلدان العالم صوب القارة العجوز.
وقد بدأ الأمر في أوروبا بعملية زرع أجنة في رحم القارة العجوز التي فعليا لم تجد بتاتا حركات الإسلام السياسي وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين والتنظيمات الإرهابية صعوبة في اختراقها رغم التشديدات الأمنية، حيث استهدفت عدة دول أوروبية خلال السنوات الأخيرة مخلفة عشرات القتلى والجرحى، وتبنى تنظيم داعش معظم هذه الاعتداءات، ما يعيد هذا إلى الواجهة مسألة دور المراكز الإسلامية الممولة من حركات الإسلام السياسي.
وتضم القارة الأوروبية مئات المساجد والمراكز الإسلامية، حيث تتربع ألمانيا على صدارة البلدان التي تحتضن أكبر عدد منها، تليها فرنسا، ثم إيطاليا، وهولندا، وبلجيكا، ليتكرر السؤال لمن عائداتها؟ ومن المتحكم؟
مع استعادة صور تداولتها وسائل التواصل الاجتماعي لمسرحية للأطفال في أحد المساجد التركية بالنمسا، الأمر الذي اعتبرته الحكومة النمساوية يحرض على الموت والجهاد وأمرت على أثره بإغلاق المسجد، هو اللعب على الأجيال المسلمة في أوروبا وهو شكل من أشكال التجنيد وخزين آخر للتنظيمات الإرهابية يغذيها حركات بطابع ثقافي إسلامي...
حظرت النمسا التمويل الخارجي لأئمة المساجد، وأثارت أولى الدعاوى القضائية في النمسا ضد الأئمة، الذين يتلقون الدعم المالي من هيئة الشؤون الدينية التركية، ضجة كبيرة، وطرحت التساؤل حول ما إذا كانت ألمانيا، ستحذو حذو النمسا.
غالبية المقاتلين الدواعش من أوروبا وممن تناولت «المجلة» قصصهم والتقت مع ذويهم في تحقيقات سابقة أكدوا أن المساجد كان لها الدور الأساسي إلى جانب وسائل التواصل الاجتماعي في تجنيد أبنائهم وبناتهم، ويبدو أنه بعد سنوات ما تزال المشكلة قائمة والخطر يكمن في استمرار استغلال دور العبادة للمسلمين في أوروبا من قبل الإسلام السياسي ما يجعل أبناء الجاليات المسلمة في دائرة خطر التجنيد.
 




اطفال بعد ان تحرروا من داعش

يقول نائب رئيس الأمانة الفيدرالية للاندماج والهجرة بالحزب الاشتراكي الألماني، حسين خضر، في حوار مع «المجلة»: إن «موضوع المساجد في ألمانيا قائم على فكرة الجمعيات الأهلية، وتابع لقانون الجمعيات الأهلية الألمانية، وبالتالي هي في الأساس ليست مساجد بالصورة المتعارفة لدينا عن المساجد في الدول الإسلامية، ولكنها تكون جمعية أهلية»، موضحا «في ألمانيا بإمكان سبعة أشخاص أن يقصدوا كاتب العدل وينشئوا جمعية أهلية، والجمعية هذه يكون لها مقر، تحت اسم جمعية ثقافية، جمعية اجتماعية أيا كان نوعها، وبين الأشخاص السبعة يتم اختيار رئيس بينهم يكون بمثابة الإمام ويبدأون بممارسة الشعائر الدينية فيها ويتصرفون على أساس أنه مسجد، كل ذلك من دون النظر لخلفية الشخص، والمستوى العلمي ليس شرطا أساسيا للحصول على الموافقة، أن يكون درس الشريعة أو أي اختصاص آخر، فأي شخص معه أشخاص آخرون ومبلغ 80 يورو يستطيع وبشكل قانوني أن ينشئ جمعية يحولها إلى ما يشاء، كثيرون استغلوا هذه المؤسسات والقوانين استغلالا خاطئا جدا ولأهداف سياسية متطرفة».
ويشير خضر إلى أن «الاتحاد الإسلامي التركي هو الذي يدير المؤسسات الدينية التابعة لحزب العدالة والتنمية التركي (الإخوان المسلمين في تركيا)، الحزب الذي يتزعمه رجب طيب إردوغان ويعتبر الذراع السياسية لإردوغان داخل ألمانيا»، مضيفا: «في البداية يحاولون إعطاء صورة عن أنهم مؤسسة اجتماعية أو ثقافية لكن الذي يتم فضحه وكشفه من قبل المؤسسات الأمنية في ألمانيا هو أن الاتحاد التركي وهو ذراع سياسية يخدم أهدافا سياسية بحتة وراء هذه الجمعيات، فعلى سبيل المثال تم فضح تجسس 18 إماما داخل الأراضي الألمانية على معارضين للنظام التركي ويرسلون المعلومات لمؤسسة الشؤون الدينية التركية، إلى جانب أيضا نشاطات في الحض على الجهاد وغيرها من الأمور».
الحكومة الألمانية «عرفت بعد فترة طويلة أن هؤلاء الأئمة لهم أهداف معينة، أهداف سياسية بحتة، مثل الترويج لأجندات بعض التنظيمات في المجتمعات المسلمة داخل ألمانيا وهم يعتبرون وسيلة ناجحة للوصول إلى أطفال الجاليات المسلمة يمكن استغلالهم لاحقا».
ويوضح قائلا: «البداية في تلقين الأطفال يكون على أساس أن اللغة والدين هما من الركائز الأساسية للانتماء، أي لغة الأم والدين وهي من الأمور التي يحرص الآباء على أن يزرعوها في أبنائهم والطريق الوحيد لتحقيق ذلك هو أن يتعلموا اللغة الأم والشعائر الدينية وهذا غير متوفر في المدارس هنا وموجود في المؤسسات الاجتماعية أو الجمعيات التي يديرها في الغالب مؤسسات تابعة للإسلام السياسي، استغلالا للظروف التي يعيشها أطفال الجاليات المسلمة في الغرب عادة وموضوع صعوبة الاندماج كل هذا يتم استغلاله من قبل هذه التنظيمات»، مشيرا إلى أن «دوائر حماية الدستور والاستخبارات الألمانية، أصدرت تقريرا قالت فيه إن جماعة الإخوان المسلمين على المدى البعيد أخطر من داعش والقاعدة، ووصفوها بأنها «مفرخة» للأطفال الناقمين الذين يريدون الانتقام، خاصة بعد انضمام مئات اليافعين إلى داعش، من أوروبا وقاتلوا فعليا مع التنظيم».
ويتابع أن «هؤلاء الأطفال يكونون فريسة سهلة للإخوان المسلمين، التي تقوم بالتمهيد للأطفال من خلال المساجد التي تتبع الجمعيات الخيرية، ويتم تصوير الآخر على أنه كاره له وعنصري ويأخذ حقوقا أكثر منهم، ثم تبدأ بتجهيز الجيل الجديد على مدار فترة معينة بحيث يكون فريسة سهلة للمؤسسات الأكثر تطرفا أو التنظيمات الإرهابية في الخارج وهذا ما تم كشفه من قبل الأجهزة الأمنية في ألمانيا عندما كشفوا عن ذهاب 150 شابا وشابة ألمانية يحملون الجنسية الألمانية ولكن معظمهم من أصول أجنبية كانوا يتلقون الدروس والتعاليم في هذه المؤسسات وانضموا لاحقا لتنظيم داعش الإرهابي في سوريا العراق».
ويضيف: «ينتاب السلطات الألمانية قلق من تأثير كبير للإخوان على المساجد، وتتزامن هذه التحذيرات مع الإقبال على منظمات أو مساجد مقربة من الإخوان، خاصة في بعض الولايات»، مشيرا إلى قلق «هيئة حماية الدستور الألمانية والاستخبارات الداخلية من نفوذ جماعة الإخوان المسلمون داخل ولاية سكسونيا شرقي ألمانيا، وكيف أن جماعة الإخوان المسلمون استغلت عبر منظمات مثل الجمعية الثقافية (ملتقى سكسونيا) نقص دور العبادة للمسلمين الذين قدموا إلى سكسونيا كلاجئين، لتوسيع هياكلها ونشر تصورها عن الإسلام السياسي».
ويرى خضر أنه رغم وجود تصور لدى بعض المراقبين الألمان أنه «يجب وضع جماعة الإخوان المسلمين وكل التنظيمات المتفرعة عنها تحت المراقبة والرصد المكثف والمستمر ولكن الجدال حول الحظر المباشر للجماعة وإدراجها على قائمة المنظمات الإرهابية من المرجح أن يستمر لبعض من الوقت»، مضيفا: «إن جماعة الإخوان المسلمين في جميع التقارير الأمنية هي جماعة رافضة للديمقراطية تسعى للوصول للسلطة في أي مكان تتواجد فيه مستخدمة العنف وهذا ما يشكل خطرًا على المجتمعات المسلمة في أوروبا والدول الأوروبية على حد سواء، وهو ما يهدد بتنشئة جيل مسلم حاقد على الغرب ومستعد للشهادة تحت يافطة الدين، وهي المقدمات الطبيعية للسلفية الجهادية على خطى داعش، وإذا ما تم إدراج الإخوان على قائمة الإرهاب سيكون بداية الطريق لإيقاف نمو الأجنة المتطرفة وتصديرها إلى دول المنطقة».
فهل سيؤثر وضع الإخوان المسلمين في أوروبا على لائحة الإرهاب، على حمى التنظيمات المتطرفة التي أعيت المجتمعات في المنطقة، الجواب في الفكرة التي يجمع عليها الكثير من المختصين في شؤون الجماعات الإرهابية أن جماعة الإخوان المسلمين هي المصدر الرئيسي للآيديولوجيا المتطرفة المستخدمة من قبل الجماعات الإرهابية... وكثير من كبار قادة تنظيم القاعدة، لا سيما أيمن الظواهري، ثم بعض قادة تنظيم داعش في مدينة الرقة السورية هم من الأعضاء السابقين في جماعة الإخوان المسلمين وحتى أسامة بن لادن وعلى لسان الظواهري كان عضوا في تنظيم الإخوان المسلمين.
الإخوان استغل حالة الغليان الذي أنتج فراغا ما لبث أن استغله الإخوان ونفخ فيه بمتطرفين وإرهابيين من مختلف الأصقاع، قد يبدو الأمر مريعا عندما نجد أن بوصلة التطرف تتجه نحو ليبيا، سيتصرف داعش في دولة نفطية قليلة السكان وشاسعة المساحة، ما مصير أطفال ليبيا خاصة أنه منذ العام 2014، عندما تأسست معسكرات أشبال تنظيم داعش في مدينة درنة، لم يوفر التنظيم الإرهابي الجهد والوقت بل قام بفتح معسكر تجنيد الأطفال في سرت...


 
البغدادي إلى ليبيا... ودعشنة الصحراء
كشفت مجلة «جون أفريك» الناطقة بالفرنسية عن معلومات تفيد بوجود زعيم تنظيم داعش أبو بكر البغدادي في ليبيا، ولم يستبعد محللون لجوء البغدادي إلى ليبيا في ظل تواجد قادة ميليشيات تابعة لتنظيمه في المنطقة، بإمكانهم توفير شتى السبل له لخوض حرب أخرى طويلة في المنطقة الممتدة من ليبيا على البحر الأبيض المتوسط، وحتى إلى أقصى الساحل الصحراوي حيث ينشط التنظيم الإرهابي، وحيث يخوض الجيش الوطني الليبي معركته ضد الإرهاب.
وتنشط عدة جماعات في الصحراء الكبرى يتبعون داعش والقاعدة، ومن أشهرها أتباع أبو الوليد الصحراوي الذي جاء ذكره على لسان البغدادي في الشريط المصور.
وتمثل الصحراء الكبرى مجالا واسعا للإرهاب بسبب تضاريسها واتساع رقعتها البالغة تسعة ملايين كيلومتر مربع، وحدودها الواسعة التي تطل عليها عدد من بلدان شمال وغرب القارة الأفريقية، ما يمثل مجالا حيويا للجماعات الإرهابية.
 




الدكتور محمد الزبيدي أستاذ القانون الدولي والخبير في الشؤون الليبية

بالتأكيد توجد بيئة لتجنيد جيل فتح عينيه على الحرب الدائرة، وهو ما يؤكده الدكتور محمد الزبيدي أستاذ القانون الدولي والخبير في الشؤون الليبية في حوار لـ«المجلة» بأن «هناك مئات أو آلاف الأطفال الذين تحولت أحلامهم إلى حمل السلاح والإرهاب والعنف جراء غسل أدمغتهم وتدريبهم على القتل والذبح ليتحول الأطفال إلى أرواح معطوبة في معسكرات تدريب بسرت ودرنة وصبراتة»، مضيفا: «يتم تعليمهم نظريا وعمليا لخلق جيل جديد من الإرهابيين يضمن له استمراريته وبقاءه».
ويوضح الزبيدي قائلا: «تتم تغدية الأطفال عقائديا عبر تدريبات على استخدام الأسلحة والعمليات الانتحارية عبر الترغيب والترهيب بعدما تمكن الإرهابيون من السيطرة على المساجد وتعيين أشخاص لديهم خلفية دينية من سكان الحي كواجهة مقبولة للإشراف على دورات تحفيظ القرآن ودورات دينية يشرف عليها من وراء الستار التنظيم الإرهابي يتم فيها شرح ميزات الجهاد ونيل الشهادة والجنة ونعيمها ويعرضون أفلام فيديو وتوزيع ألعاب وحلويات ثم الإغراء بالمال».
ويشير إلى أنه يتم «تكليف الطفل ببعض المهام التجسسية فإن اعترض يقومون باغتصابه، أما من يقدم على تنفيذ المهمة فيضاعف له المبلغ حتى يصل لدرجة اغتيال مطلوب للتنظيم ويقوم التنظيم بفرض حضور الأطفال لإقامة الحدود كقطع الأيدي والذبح والصلب ليتعودوا على العنف ولجذب المزيد من الأطفال للتنظيم تم تعديل المناهج المدرسية وتقرر تدريس فكرة قتل المسلم وإباحة دم المخالف والسبي والغنائم والتترس والجواري ونشر الرعب في نفوس الغير ورسم صورة مثالية للانتخاري (الاستشهادي) في ظاهرة تهدد مستقبل الطفولة في ليبيا».
ويلفت إلى أن «سرت الذين سامتهم الميليشيات سوء العذاب بحكم أن العقيد الراحل معمر القذافي ينتمي لهذه المدينة، وعندما أقام تنظيم داعش ولاية سرت سمح للسكان بحمل الأسلحة الخفيفة علنا وأقام دورات تثقيفية للكبار والصغار، مركزا على الذين لديهم حس ديني وأقام معسكرات تدريب لهم وجند ما يقارب مائة طفل دون سن الثامنة عشرة وأدخلهم في برنامج تدريب على القتل والذبح والعمليات الانتحارية وفي حضور هؤلاء الأطفال تم قطع رؤوس الأشخاص المتهمين بممارسة الشعوذة بل إن معسكر تدريب الأشبال في مدينة درنة وظهورهم يلعبون كرة قدم برأس مواطن ذبح وحز رأسة من قبل التنظيم وذلك بغية صناعة جيل متطرف عنيف لا يعرف سوى لغة العنف والإرهاب».
ويتابع أن «التنظيمات الإرهابية لا تسعى فقط لتعويض نقص المقاتلين إنما إيجاد فئة عميقة تؤسس لتأييد واسع، فقد استغل تنظيم داعش مثلا سكان مدن، ولم يكتف بتجنيد الأطفال الليبين بل امتد الأمر إلى أبناء الدواعش من الجنسيات الوافدة خاصة مجهولي النسب أي المولودين من أم معلومة وأب مجهول سواء كان أجنبيا أو من ذات الجنسية، وطبقا لبعض المعلومات المتوفرة فإن مجهولي النسب من زيجات أو علاقات جنسية للدواعش يبلغ عددهم 300 طفل وهناك من يقدر عددهم بالآلاف ومما يزيد من خطر هؤلاء الأمهات الداعشيات حيث يفوق خطرهن خطر الرجال فهن أكثر شراسة في المعاملة وفي التخطيط وهن من يزرعن الأفكار المتطرفة في عقول الأطفال وقد تمكنت الحكومة المؤقتة من إنقاذ الكثير من أطفال الدواعش وتسليمهم مع أمهاتهم لبلدانهن، ومن بينهم: 22 من دولة تونس، 7 من دولة السودان، 15 من مصر، 1 من السنغال، 1 من بريطانيا، وهؤلاء ما زال الكثير من أقرانهم في ليبيا ترفض بلدانهم تسلمهم لما يحتاجون من رعاية وخصوصية في التعامل معهم فضلا عن أنهم مجهولو النسب وهي عقدة نفسية تلازمهم طيلة حياتهم».

 




محاولة العودة الى الحياة اطفال تحرروا من داعش

وينوه إلى أن من «التنظيمات المتطرفة التي أقدمت على تجنيد الأطفال في ليبيا مستغلة قدرة الأطفال المحدودة على تقييم المخاطر وقابلية الطفل للتكوين والتشكيل والتكيف وسهولة الانقياد والتكلفة القليلة علاوة على التزام ذويهم بالسكوت والصمت إما لإيمانهم بفكر داعش أو لحاجتهم المادية في ظل الظروف الاقتصادية الخانقة التي تعصف بالبلاد أو لعدم علمهم بجنوح الطفل وبعد استقطابة وتغذيته بفكر التطرف عجزت عن السيطرة عليه».
ويضيف: «إذا كانت الأمم المتحدة قد أقامت يوما عالميا للقضاء على العنف واحتفلت هذا العام بهذا اليوم تحت عنوان حقوق الأطفال المولودين في الحرب والمأزق الذي يتعرضون له وذلك يوم 19 يونيو (حزيران) من كل عام، فإن ذلك لم يثن الجماعات الإرهابية عن المضي قدما في تجنيد الأطفال مدعومة من دول لا تهتم إلا بمصالحها ونشر معتقداتها الدينية كتركيا وقطراللتين ما انفكتا تقدمان الدعم اللوجستي والإعلامي والفتاوى الدينية واحتضان قيادات التنظيمات الإرهابية على مرئى ومسمع من العالم، الأمر الذي فاقم من جريمة تجنيد الأطفال والزج بهم في معارك غير واجبة»، متابعا: «إضافة إلى التشوهات العقائدية والفكرية لأطفال ليبيا الذين لم يعرفوا هذه الثقافة الوافدة من قبل، فالمجتمع الليبي لا يعاني من صراعات عرقية ولا دينية ولا مذهبية وهي صراعات وجد فيها تنظيم داعش أرضا خصبة لنشر أفكاره»، مستدركا: «لكن هذا التنظيم وجد في بساطة المجتمع الليبي وما عانته القبائل والمناطق المحسوبة على النظام السابق من اضطهاد لأسباب سياسية ساعدت هذه العوامل على نشر أفكار التنظيم وسهولة تجنيد الأطفال بالإضافة لغياب السلطة المركزية والأزمات الاقتصادية واتساع الرقعة الجغرافية للبلد التي وفرت سهولة التحرك وقدوم آلاف الإرهابيين من سوريا والعراق بواسطة الحكومة التركية وقيام قطر بالإشراف على تعديل المناهج الدراسية وطباعة الكتب والمطبوعات التي تنشر فكر التطرف والإرهاب».


اشترك في النقاش