التمويل بالديون... مزايا ومشكلات

وصل إلى أعلى مستوياته في بداية فترة تشديد السياسة النقدية
* التدفقات الرأسمالية عبر الحدود تعويض عن قصور توافر رأس المال المخاطر طويل الأجل
* السياسة النقدية في الاقتصادات المتقدمة تلعب دوراً مهماً في حركة التدفقات الرأسمالية
* ارتفاع سعر صرف العملة والأصول المالية والعينية وزيادة الاقتراض... أبرز السلبيات
* تقلبات سعر الصرف السبب وراء تقلبات سيولة الشركات في البلدان المتلقية لرؤوس الأموال
* ارتفاع السيولة المتواصل يؤدي إلى تدهور الحوكمة
* التغاضي عن الضمانات كان سبب فقاعة المساكن في الولايات المتحدة
* السياسة النقدية في بلد المَصْدَر تدفع رؤوس الأموال للأسواق الصاعدة بحثاً عن سعر الفائدة المرتفع

القاهرة: يحقق استخدام التدفقات الرأسمالية عبر الحدود منفعة تعود على البلدان المتلقية لها، والتعويض عن أوجه القصور الناجمة عن توافر رأس المال المخاطر طويل الأجل، وتقليص الفجوات في حوكمة الشركات المحلية. ويمكنها كذلك أن تعود بالمنفعة على البلدان التي صدرت منها، حيث توفر سبلا لاستثمار المدخرات التي تولدها شيخوخة السكان.
لكن راغورام راجان، أستاذ المالية في كلية بووث لإدارة الأعمال في جامعة شيكاغو ومحافظ بنك الاحتياطي الهندي الأسبق، يقول إنه من المحتمل أيضا أن تكون التدفقات الرأسمالية عبر الحدود مصدر مشكلات. وأوضح في دارسة له نشرت في مجلة التمويل والتنمية الصادرة عن صندوق النقد، أنه في بعض الأحيان قد تأتي التدفقات الرأسمالية في وقت غير مناسب، وتضيف مزيدا من الائتمان في فترة تشهد انتعاشا استثماريا كبيرا، وتنجم عنها فقاعات أسعار الأصول، ويتم الاحتفاظ بها كمطالبات قصيرة الأجل على الشركات أو على الحكومة، مع خيار المغادرة لحظة الإشعار.
وقد تغادر في وقت غير مناسب، حينما تعود من حيث أتت إذا أغرتها أسعار الفائدة الأعلى في بلدانها، وليس عندما تكتمل المشروعات في البلدان التي جاءت إليها.
ووصف «راجان» التدفقات الرأسمالية عبر الحدود بـ«الديناميت» القابل للانفجار في أي لحظة، مبينا أن طريقة استخدامها هي التي تحدد الحكم عليها بأنها جيدة أو سيئة. وقال: لسوء الحظ، لا يبدو أن هناك علاجا واضحا في جُعبة السياسات لترويض التدفقات الرأسمالية الداخلة. وحتى إذا كان هناك علاج، فالمؤسسات في البلدان المتلقية لهذه التدفقات لا تكون في الغالب قادرة على القيام بذلك، وبالتالي فمن الصعب حتى على أكثر صناع السياسات إحساسا بالمسؤولية أن يرفضوا أموالا سهلة المنال.
 
السياسة النقدية
وتشير الدراسة إلى العوامل المتحكمة في التدفقات الرأسمالية عبر الحدود، فالبلدان المتلقية لهذه الأموال ليست الطرف المعني الوحيد. فهناك عامل له أهمية خاصة في «دفع» و«جذب» التدفقات الرأسمالية العابرة للحدود، وهو موقف السياسة النقدية في الاقتصادات المتقدمة. وينتقل تيسير السياسة النقدية إلى البلدان المتلقية عبر التدفقات الرأسمالية، وارتفاع سعر صرف العملة، وزيادة الاقتراض، وارتفاع أسعار الأصول المالية والعينية. وتنقلب كل هذه الأحوال عندما تتشدد السياسة النقدية، وإن كان بفروق واضحة. وتراكم قروض الشركات والحكومة في البلدان المتلقية للتدفقات في مرحلة التيسير يؤدي إلى الهشاشة المالية أثناء مرحلة التشديد.

 




بن برنانكي رئيس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي


 
الحد من المخاطر
وتبين الدراسة ما يحدث عندما يشهد أحد اقتصادات الأسواق الصاعدة دخول تدفقات رأسمالية متواصلة من الخارج. وتتخذ تجربة شركة ما، نموذجا لتبسيط ما يحدث في حالة الدولة، في مرحلة انتعاش ائتماني محلي، واستمرار التوقعات بارتفاع السيولة مستقبلا، بمعنى أن المشترين المحتملين للأصول هم من الأغنياء وفي وسعهم شراء أصول الشركات بأسعار عالية، وهو ما يمكن أن يحفز الشركات على الاعتماد على الدين؛ ومن منظور المقترض، فهناك ترحيب دائم بتمويل الدين لأنه يسمح للمقترض بإدارة مشروعه مع تعريض أقل قدر من أمواله للمخاطر.
ومن منظور المُقرِض، فإن السيولة العالية المتوقعة تسهل عليه استرداد الدين وفي حالة عدم سداد المقترض، في إمكان المقرض مصادرة أصول الشركة وبيعها لطرف آخر بسعر عالٍ. ومع ذلك، فاقتران المستوى العالي من التمويل بالديون وتوقعات السيولة العالية يحد من الحوافز أمام الإدارة على وضع هياكل لاحتواء سوء السلوك الإداري.
ويرجع ذلك إلى أنه إذا كانت هناك توقعات بوفرة التمويل، فلماذا تضع هياكل مكلفة وتفرض قيودا، مثل القواعد المحاسبية السليمة وتدقيق غير محل شك، من شأنها برغم هذا أن توفر مزيدا من التمويل، وتساعد المقارنة بطفرات أسعار المساكن على تفسير هذه الديناميكية. إذا عرف المقرض العقاري أن منزلا يمكن إعادة امتلاكه وبيعه بسعر يحقق له أرباحا، لأن المساكن تُباع بسرعة وبأسعار مرتفعة، فما الحاجة إذن للتحري عن مُقدِّمة طلب القرض العقاري لمعرفة ما إذا كان لديها وظيفة أو دخل؟ فالضمانات العادية والعناية الواجبة في معرفة الهوية اللازمة لمنح القروض يتم التغاضي عنها في أوقات توقعات السيولة العالية. وكان من نتائج ذلك أثناء فقاعة المساكن في الولايات المتحدة ما عُرِف بقرض «النينجا» الذي مُنِح لمقترضين بلا دخل ولا وظيفة ولا أصول.
 
التوقف المفاجئ
ولا يمثل تدهور الحوكمة مشكلة عندما يكون ارتفاع السيولة متواصلا، ولكنه يتحول إلى مصدر للمشكلات عندما تجف السيولة، نظرا لعدم توافر إلا أقل القليل آنذاك لدعم قدرة الشركات على الاقتراض. وبعبارة أخرى، توقعات السيولة العالمية تمهد الأجواء لاعتماد الشركات على السيولة المستمرة مستقبلا ومن ثم تجديد ديونها. وإذا لم يتحقق ذلك، تشهد توقفا مفاجئا. ويمكن أن يحدث ذلك حتى وإن ظلت الآفاق الاقتصادية أمام الشركات براقة.
فالسياسة النقدية الأيسر في بلد المَصْدَر تدفع رؤوس الأموال الباحثة عن عائدات أعلى، نحو بيئات تدر أسعار فائدة أعلى، مثل اقتصادات الأسواق الصاعدة. وتؤدي هذه التدفقات الداخلة إلى رفع قيمة عملة الأسواق الصاعدة أمام الدولار. ونظرا لحصول عدد من شركات الأسواق الصاعدة بالفعل على قروض بالدولار، فالنتيجة هي توقع ارتفاع صافي ثروتها، ومن ثم السيولة المتوافرة لديها، بينما ينخفض مقدار العملة المحلية التي تستخدمها في سداد القرض الأجنبي. 
وما دامت السياسة النقدية في بلد المَصْدَر تتفاعل بقوة مع انخفاض النمو المحلي، لكنها لا تعود إلى طبيعتها إلا بعد فترات طويلة، خاصة في فترة انخفاض التضخم، فالتدفقات الرأسمالية نحو الأسواق الصاعدة يمكن أن تكون كبيرة. وفي ظل توقع حدوث ارتفاع مستقبلا في القوة الشرائية للشركات المحلية التي اقترضت بالدولار بينما سعر العملة يرتفع، سيكون المقرضون على استعداد للتوسع في منح ائتمان بشكل كبير للشركات المحلية الأخرى اليوم. ويؤدي هذا الأمر إلى زيادة الاقتراض وارتفاع أسعار الأصول في البداية.
وفي وقت ما، ستعود السياسة النقدية لبلد المَصْدَر إلى طبيعته. وسوف يؤدي تشديد السياسة إلى انخفاض أسعار عملات الأسواق الصاعدة، وزيادة مدفوعات سداد القروض الأجنبية على أساس قيمة العملة المحلية، وتنخفض بالتالي السيولة لدى الشركات. علاوة على ذلك، يصل التمويل بالديون إلى مستوى أعلى بكثير في بداية فترة تشديد السياسة، لأن المقرضين كانوا يتوقعون احتمالات أعلى من السيولة المتواصلة. وتتراجع إمكانات سداد الديون كما تنخفض القدرة على تجديد الدين، ليس نتيجة انخفاض السيولة وحسب، ولكن كذلك نتيجة إغفال مسألة حوكمة الشركات. واقتران ارتفاع مستوى التمويل بالديون وتراجع القدرة على سداد الديون سيعني إحجام المقرضين المحليين والأجانب عن تجديد القروض.
وإذا كانت على الشركة قروض كبيرة قصيرة الأجل من قبل، فإن تراجع القدرة على سداد الدين يمكن أن يعجل بموجات الذعر مما يضع الشركات على الفور في حالة مديونية حرجة.
وبينما الانهيار في السيولة المحتملة قد ينشأ مع تغير موقف السياسة النقدية في بلد المَصْدَر، فلا حاجة إلى أن تكون له أي علاقة بالسياسات الاقتصادية الكلية في الأسواق الصاعدة، وبمصداقيتها من عدمها. وبتعبير آخر، ربما كانت فترات الكساد والانتعاش في الأسواق الصاعدة هي في حقيقتها تداعيات من سياسات بلد المَصْدَر. 
والاضطراب الحاد مع عودة السياسة العادية أو ما يطلق عليه(taper tantrum) يعطينا مثالا جيدا على مدى ما يخلقه تغير السياسة النقدية في الاقتصادات المتقدمة أو حتى التوقعات بتغيرها من تداعيات على الأسواق الصاعدة. 
ففي 2013، أشار بن برنانكي، رئيس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، في ذلك الوقت إلى أن البنك قد يبدأ في وقت قريب «تقليص» مشترياته من السندات بعد فترة طويلة من السياسات النقدية بالغة التيسير. وكانت النتيجة هي خروج التدفقات الرأسمالية من الأسواق الصاعدة وهبوط حاد في أسعار أصول الأسواق الصاعدة وعملاتها.

 




صندوق النقد


 
الاعتدال الكبير
قبل وقوع الأزمة المالية الأخيرة، كان هناك شعور سائد بين صناع السياسات بأن العالم وصل إلى مستوى أمثل من السياسات، مما أسهم في «الاعتدال الكبير» في التقلب الاقتصادي. وفي هذا العالم، كان الهدف الوحيد للسياسة النقدية هو تحقيق استقرار الأسعار المحلية، وهو ما تحقق من خلال استهداف التضخم المرن. 
ومن خلال السماح لسعر الصرف بالتجاوب عند الضرورة، ألغى النظام الحاجة إلى التدخل في أسواق العملات أو تراكم الاحتياطيات. على سبيل المثال، إذا دخلت التدفقات الرأسمالية بلدا ما، وسُمِح لسعر الصرف بالارتفاع، سوف تتوقف التدفقات الرأسمالية الداخلة إلى هذا البلد في نهاية الأمر، نظرا لأن توقعات انخفاض سعر الصرف مستقبلا تؤدي إلى تراجع التوقعات بشأن الإيرادات.
وتشير مجموعة كبيرة من البحوث التي أُجريت منذ الأزمة المالية العالمية في 2007 - 2008 إلى أن هذا الرأي شديد التراخي، فتداعيات التدفقات الرأسمالية الداخلة لا يمكن موازنتها بالسماح بارتفاع أسعار الصرف. وبدلا من ذلك، فكثير من البلدان التي أقدمت على هذه الخطوة شهدت برغم ذلك زيادة في التدفقات الرأسمالية الداخلة، باحثة عن العائدات التي حققها من سبقهم من المستثمرين.
فتقلبات سعر الصرف هي السبب الرئيسي وراء تقلبات سيولة الشركات في البلدان المتلقية لرؤوس الأموال. وكانت اقتصادات الأسواق الصاعدة تتعرض في كثير من الأحيان لاتهامات بالتلاعب بعملاتها لزيادة القدرة التنافسية لصادراتها. ولكن القلق بشأن القدرة التنافسية في مجال التجارة يتعين أن لا يكون سبب مخاوف سلطات البلد المتلقي للتدفقات من السماح بتعويم عملته أو التحرك بحرية أكبر مقابل الدولار. 
وربما كانت محاولاتها لتمهيد تحركات سعر الصرف تمثل جهودا لتجنب التقلبات الكبيرة في توفير الائتمان وما ينتج عنها من تقلب اقتصادي كلي. وقد سبق لسلطات الأسواق الصاعدة رؤية هذا المشهد عدة مرات من قبل وتعرف نهايته.
ومن المؤكد أن كثيرا من اقتصادات الأسواق الصاعدة قد فهم أنه ينبغي أن يبني احتياطيات بالنقد الأجنبي في مواجهة الارتفاع المتواصل في العملة المحلية. ويمكن النظر إلى قيام عدد من الأسواق الصاعدة بشراء أصول، مثل سندات الخزانة الأميركية، باعتباره طلبا واسع الانتشار على أصول تُعتبر مأمونة. وفي الواقع، ربما كان محاولة لوقف حركة ارتفاع سعر العملة، حتى مع تجنيب مبالغ نقدية بغرض التصدي للانخفاض الحتمي في العملة. وبالطبع، يفضي هذا التدخل إلى تفاقم الخطر الأخلاقي لأن الشركات ربما أفرطت في الاقتراض بعملة أجنبية، عندما ترى تراجع المخاطر متى عمل البنك المركزي على تمهيد التقلب. ولهذا السبب، تحاول بعض اقتصادات الأسواق الصاعدة، مثل الصين والهند، السيطرة على اقتراض الشركات بعملات أجنبية.
 
أدوات قليلة
لسوء الحظ، لا تملك سلطات البلدان المتلقية للتدفقات سوى عدد قليل من الأدوات لإدارة التدفقات الرأسمالية التي لن تؤدي كذلك إلى اضطراب الاقتصاد المحلي بشكل كبير. والأهم من ذلك أن تشديد السياسة النقدية في البلد المتلقي للتدفقات يثير مخاطر من تحويل العملات التي تتكون منها قروض الشركات نحو الدولار الأقل سعرا؛ ومن ثم مخاطر من زيادة الوضع سوءا بارتفاع سعر العملة المحلية. ومن ناحية أخرى، فإن انتهاج سياسة نقدية محلية أكثر تيسيرا سيشجع التوسع الائتماني المفرط.
ويزداد وضوح الميل نحو الانتعاش والكساد في البلدان المتلقية للتدفقات عندما يؤدي التضخم الهادئ إلى جعل السياسة النقدية في بلد المصدر تيسيرية على مدى فترات طويلة، على غرار الوضع في العقود الأخيرة.
ومن منظور البلدان التي تتلقى التدفقات، فإن الالتزام بالحفاظ على «مستوى منخفض لفترة طويلة» في بلدان المصدر هو التزام بدعم تيسير أوضاع السيولة بصفة مستمرة في البلدان المتلقية حتى تعود. 
وينطوي ذلك على تراكم التمويل بالديون والهشاشة المالية بشكل كبير. ولا عجب من إعراب صناع السياسات في الأسواق الصاعدة عن قلقهم بشأن السياسة التيسيرية المستمرة في بلدان المصدر، وكذلك إمكانية عودتها من حيث أتت بصورة مفاجئة. ولا تتناقض هذه المخاوف بعضها مع بعض، فأحدها ناتج عن الآخر.

 




راغورام راجان محافظ بنك الاحتياطي الهندي الأسبق


 
بلدان المَصْدَر
والمجال أمام العمل متعدد الأطراف، فما مدى مسؤولية بلدان المَصْدَر عن هذه التداعيات؟ 
أشار الرأي القائل بأن التداعيات ناتجة في الأساس عن عدم كفاية تصحيح سعر الصرف في البلدان المتلقية للتدفقات إلى أنه ليس عليها أي مسؤولية. وهذا بالفعل هو الرأي الذي تعتنقه بعض البنوك المركزية في الاقتصادات المتقدمة، والتي تركز على صلاحياتها المحلية... ويقر آخرون أنه ربما كانت هناك تداعيات لكنهم لا يرون أي مسؤولية عن تغيير سلوك البلدان التي تخرج منها التدفقات. وبدلا من ذلك، فإنهم يركزون على ما يُسمى سياسات السلامة الاحترازية الكلية وإجراءات التدفقات الرأسمالية في البلدان المتلقية، كما يفعل صندوق النقد الدولي.
ومع أن نطاق سياسة السلامة الاحترازية الكلية ضيق، فليس للسلطات المعنية بالسلامة الاحترازية الكلية صلاحيات إلا على أجزاء من النظام المالي بينما السياسة النقدية، كما يقول جيريمي شتاين، تتغلغل «في النظام كله». ولم يتبين مدى فعالية هذه السياسات بعد، فإن رصد مخصصات رؤوس الأموال الديناميكي للبنوك في إسبانيا ربما مهد دورة الائتمان، لكنه بالتأكيد لم يتجنب تجاوزاتها. والقضية الأعم ليست هي استبعاد استخدام أدوات السلامة الاحترازية الكلية وإنما هي التأكيد على احتمال نشأة الحاجة إلى أدوات متعددة.
ودعا بعض خبراء الاقتصاد إلى وضع قواعد للسياسة النقدية وتقييد الإجراءات التي تتخذها البنوك المركزية في البلدان التي تخرج منها التدفقات في ظل بعض الظروف. على سبيل المثال، تشير دراسة Mishra and Rajanإلى أنه بينما ينبغي إتاحة المجال للسياسة النقدية العادية، يمكن استبعاد أنواع معينة من إجراءات السياسة النقدية غير التقليدية في بيئات معينة نتيجة لحجم التداعيات السلبية الكبيرة التي تولدها، كاستهجان التدخل المستمر من اتجاه واحد في سعر الصرف حتى وقت قريب. والالتزام بهذه القواعد لن يكون مسألة إيثار.
فالبلدان التي وقعت اتفاقية تأسيس صندوق النقد الدولي تقبل بالفعل مسؤوليتها عن العواقب الدولية للإجراءات من جانبها. وهذه القواعد ستضع حدا لسلوك البنوك المركزية في حالات الضرورة القصوى دون تغيير صلاحياتها أو دون أن يقتضي ذلك التنسيق على المستوى الدولي. وببساطة سوف تتجنب البنوك المركزية السياسات التي تتجاوز القواعد. 
وبالفعل، فإن «مجموعة الشخصيات البارزة»، التي كلفتها مجموعة العشرين بوضع اقتراحات بشأن تغيير البنيان المالي العالمي، أشارت إلى الحاجة إلى «إطار دولي يقوم على قواعد، ويستند إلى قاعدة من الأدلة الشاملة المتطورة... لتقديم مشورة بشأن السياسات تسعى البلدان من خلالها إلى تجنب السياسات التي تترتب عليها تداعيات كبيرة، وتطوير أسواق صلبة، وتحقيق منفعة من التدفقات الرأسمالية بينما تدير المخاطر التي تهدد الاستقرار المالي».
وتضيف أن صندوق النقد الدولي ينبغي أن يضع إطارا يمكن البلدان التي تخرج منها التدفقات من «تحقيق أهدافها المحلية مع تجنب انتشار تداعيات دولية كبيرة».
وهناك احتمال آخر مثير للاهتمام؛ أن تيسير السياسة النقدية لفترة طويلة يمكن أن يعزز التمويل بالديون، ويضخم أسعار الأصول، ويزيد المخاطر التي تهدد الاستقرار المالي في بلدان المصدر. وإذا كانت السياسات النقدية للبنوك المركزية في بلدان المصدر تتضمن صلاحية الحفاظ على الاستقرار المالي المحلي، يجوز تعديل إجراءات السياسات على نحو يخفف كذلك من التداعيات الخارجية.
وبطبيعة الحال، لا يزال الطريق طويلا للتوصل إلى الأدلة والفهم اللازمين لوضع إطار دولي قائم على قواعد. وفي الغالب لم نعد نضع اقتصادات الأسواق الصاعدة والاقتصادات النامية كبش فداء لإصدار رد فعل غير ملائم أمام التدفقات الرأسمالية الداخلة. وإذا كنا نرغب في إيجاد السبل لاستخدام التدفقات الرأسمالية بصورة جيدة، لتلبية احتياجات الادخار في البلدان الغنية التي تبرز فيها ظاهرة الشيخوخة، وفي الوقت نفسه تلبية احتياجات تمويل اقتصادات الأسواق الصاعدة والاقتصادات النامية، دون التعجيل بوقوع أزمات دورية، فعلى البلدان أن تصنع سياساتها السيادية من واقع مسؤوليتها الدولية لتجنب وقوع تداعيات كبيرة. وربما كانت أفضل وسيلة لمعالجة هذه المشكلة متعددة الوجوه هي استخدام البلدان لأدوات متعددة بطريقة مسؤولة، مع قيام صندوق النقد الدولي بإجراء البحوث اللازمة، ووضع إطار تتفق عليه كل الأطراف، ودعوة من يتخلفون عن السداد عادة.


اشترك في النقاش