سيرة حياة «شارلي شابلن» في كتاب جديد

نجح في أن يجعل للضحك صوتاً عالياً وقهقهة تخترق القلوب

* يتضمن الكتاب للناقد أشرف بيدس الكثير من المواقف التي مرت على شارلي شابلن وما تأثر به في حياته وعلاقته بالمرأة، ومحطات في مسيرة صاحب الشهرة الواسعة منذ بداياته حتى وفاته


* اتسمت أعمال شابلن السينمائية في بداية مشواره بالبساطة والبراءة واعتمدت على المواقف المضحكة مستخدماً أسلوب توظيف الجسد
* الضحك قبل شارلي شابلن لم يكن موجوداً بوفرة على الأرض، ربما شهد حالات من الكساد بين الحين والحين
* كيف استطاع شابلن أن يحول مجري الحياة من التسكع إلى الخلود؟ ومن الجوع إلى الاكتفاء؟
* ونجح شارلي شابلن المولود منذ 130 عاماً في أن يجعل للضحكات صوتا عاليا وقهقهة تخترق القلوب وتقترب من الترنح والتمايل حتى يظن البعض أنها بدايات «لوثة».
* شابلن فنان خارج التصنيفات المعتادة، فقد كان ممثلا كوميديا قديرا كما كان يخرج أفلامه وينتجها ويكتب قصصها ويقوم بعمل المونتاج لها، وكثيرا ما كان يضع الموسيقى لأغلبها

القاهرة: عن دار «سما» للنشر والتوزيع، صدر مؤخراً كتاب بعنوان «شارلي شابلن» للناقد أشرف بيدس يتضمن الكثير من المواقف التي مرت عليه وما تأثر به في حياته وعلاقته بالمرأة، ومحطات في حياة صاحب الشهرة الواسعة منذ بداياته حتى وفاته.
أكد الكاتب على أن «الكتاب ليس مصنوعا للصفوة أو لأولي الأمر من المهتمين بالسينما على وجه العموم، والكوميديا على وجه الخصوص، إنه كتاب للجميع، والبسطاء والمهمشين في المقدمة، وهذا ليس تبريراً لركاكة أفكاره إن وجدت، أو تخفيا من هجوم قد ينطلق من البعض، لكنها الحقيقة بصدق وأمانة. إن محاولة التذكير بهذا العملاق الكبير شرف لا أدعيه، وآمل أن لا يكون تهمة، إنه كتاب للبسطاء الذين أحبهم شابلن وسخر نفسه لخدمة قضاياهم والتعبير عن آمالهم وآلامهم، ولو تصادف وأثنى عليه البعض ممن يملكون الرأي حوله، أكون بذلك قد حققت ما فاق خيالي وأكثر، وإذا صادفه سوء الحظ فأنا على يقين أن ذلك لن يطول وأنه سيأتي اليوم الذي يلقى ما يستحقه من إشادة، لأنني لم أقصر فيه ولم أترك للمصادفة سبلا، وحاولت واجتهدت دون انتظار مقابل، فكل ما كان يشغلني أن أقول كلمتي بأمانة وصدق، وهذا هو الدرس الأخير الذي تعلمته «لا تجعل اليأس يتسلل إليك، وإياك والنظر إلى الأسفل، فحينها لن ترى الأشياء الجميلة، ولا قوس قزح».

 




تماثيل شابلن في عدد من دول العالم


 
الحياة من التسكع إلى الخلود
وتساءل الكتاب كيف استطاع شارلي شابلن (16 أبريل 1889 - 25 ديسمبر1977) أن يحول مجري الحياة من التسكع إلى الخلود؟ ومن الجوع إلى الاكتفاء؟ فلذلك قصة طويلة يرصدها الكتاب من خلال شهادة شابلن ذاته، ومن وجهات نظر أخرى، لنكتشف في النهاية أننا أمام حالة نادرة واستثنائية ستكون عونا ودعما لكل البائسين اليائسين.. وللألوان دلالات أخرى واستخدامات كثيرة، لذلك لم يجد بيكاسو الرسام العالمي أفضل من اللون الأزرق يتناسب مع مرحلة تعيسة من حياته، أما شابلن فكان اللون الرمادي مناسبا لكل ما حاق به من يأس وفقر وبرد وجوع، حيث يقول: «لم أجد الفقر مغريا، ولا وجدته موجبا للعبرة، وهو لم يعلمني غير تشويه القيم، والمغالاة في تقدير فضائل الطبقات الغنية والمزعوم أنها راقية».

 




شارلي شابلن في مكتبه عام 1910

وأكد الكاتب على أن الضحك قبل شارلي شابلن لم يكن موجودا بوفرة على الأرض، ربما شهد حالات من الكساد بين الحين والحين، وندرة متقطعة في أحيان أخرى.. حتى انتظمت دورته مع ميلاده، وبدأت أولى قطرات المطر تسقط وسرعان ما اتسعت وتشعبت وتدفقت هنا وهناك، وأزعم أن الضحكات قبل ميلاده لم يكن يصاحبها أصوات، وأغلب الظن أنها كانت مكتومة، ونجح «شارلي» في أن يجعل لها صوتا عاليا وقهقهة تخترق القلوب وتقترب من الترنح والتمايل حتى يظن البعض أنها بدايات «لوثة»، فنحن بصدد فنان خارج التصنيفات المعتادة، فقد كان ممثلا كوميديا قديرا كما كان يخرج أفلامه وينتجها ويكتب قصصها ويقوم بعمل المونتاج لها، وكثيرا ما كان يضع الموسيقى لأغلبها.. إن أيادي شابلن البيضاء على السينما الأميركية لعبت دورا محوريا ومهما في التطور الفني لصناعة السينما، في العشرينات من القرن الماضي، فقد كانت كلمة النجاح تقترن باسمه وليس هناك دليل على ذلك سوى أن نذكر بقليل من التواضع أن استوديوهين سينمائيين أعلنا إفلاسهما بعد أن تركهما شابلن ليعمل مع استوديو آخر، ولعل في ذلك مؤشرًا واضحًا على أهمية الدور الذي كانت تلعبه أفلامه في إيرادات تلك الاستوديوهات والجماهيرية التي كانت تحققها.

 




مشهد من أحد أفلامه


 
ضحكة تدخل القلب فتزيل تجعيده
وتساءل الكتاب كيف استطاع «شابلن» ابن لندن البكر والأشهر من اجتياز آلاف الأميال حتى يصل إلى ساحة مولد شعبي أو ديني؟ هنا أو هناك ليستحوذ على انتباه المريدين، بعدما يرتدي واحد من حوارييه ملابسه الرثة ويطوف في الأرجاء يوزع الفرحة على الكبار والصغار مقتسما القفشات والنكات مع هؤلاء البسطاء الذين يعرفونه جيدا وربما يجهلون اسم عمدة تلك المدينة التي يقام بها الاحتفال!! إنها ببساطة العبقرية التي لا تصنعها جغرافيا معتدلة أو تلفقها سطوة جائرة، إنها الضحكة التي تدخل القلب فتزيل تجعيدة القهر وتضمد جراح الحاجة وتزيح غبار الوجع، فهل استطاع أحد من شرقنا أن يخترق الغرب بكل هذا العنفوان؟ وهل استطاع آخر من غربهم من إعادة الكرة مرة أخري؟ لم يحدث ولن يحدث، لأن «شابلن» يحدث مرة واحدة في الحياة.

 




شابلن في طفولته

من هنا يدخل الكتاب إلى عالم «شابلن» حتى يصل إلى ساحة الشارع الشرقي، بوالورث، في قلب لندن، وهي الفترة التي سماها «المرحلة الرمادية» حيث جاء على لسان «شابلن» في مذكراته بينما عمره لم يتجاوز بعد السادسة ««أذكر أنني كنت في الكواليس، حين ضعف صوت أمي بحيث لم يعد أكثر من لهاث، فأغرق الجمهور في الضحك، وراح يغني بأصوات نشاز، ويطلق الصفير، وكان كل ذلك مشوشا بما يكفي بحيث لم أكن أفقه ما الذي يجري، لكن الصخب ازداد إلى حين اضطرت أمي إلى مغادرة المسرح. وحين عادت إلى الكواليس، كانت شديدة الاضطراب، وتناقشت مع مدير المسرح الذي سبق أن رآني أغني أمام أصدقاء لأمي، فقال إن في الإمكان تركي أقف على المسرح بدلا منها»، هكذا يولد الفنان ربما من المعاناة أو السخرية أو الحاجة لسد رمق العيش، ومن الطفولة التعيسة البائسة ودخول الملجأ والضياع الأسري والإنساني، تتفتح ثقوب قليلة تكاد تكفي لمرور هواء شحيح للتنفس تبدأ معركة الحياة التي وصفها شابلن: «كنت أعلم وصمة العار الاجتماعي، الذي لحق بنا جرّاء فقرنا».

 




شابلن بشخصية الصعلوك عام 1915  وهو المشهد السينمائي الأكثر شهرة عالميا


 
محاولات شابلن في تقديم إضافات
وبحسب الكاتب، لم تنقطع محاولات شابلن في تقديم إضافات على الفكرة والمضمون، وعندما أسند له إخراج أول أعماله بعد إلحاح، كان أكثر حرية وإبداعا، في كثير من الأفكار المبتكرة التي لم يتطرق إليها أحد من قبل فقد كان شابلن سباقا في الإمساك بها، ليس هذا معناه أن المشاهد التي قدمها مع مخرجي كيستون لم يستنسخ منها شيئا، فقد قام بتطويرها لخدمة كوميددياته وليس حشوها بغرض الإضحاك، كما أنه وظف كثيرا من هذه الهزليات وأسندها للآخرين على أن يقوم هو برد فعل تجاهها لتحمل أبعادا هزلية مزدوجة، كان نابها في عدم الاستحواذ على غالبية المشاهد وقام بتوزيع مساحات الضحك علي زملائه، لإتاحة مساحات جديدة من الفكاهة مستخدما خصائصها المكانية، وكذلك الاستفادة من كل العوامل البيئية والمناخية وكل ما أتيح له ليخرج إثاراته الهزلية، حيث كان بارعا في الاستفادة من التفاصيل الصغيرة لتضاريس المكان دون أن يقع في الاستهلاك والتكرار (البنك - المصنع - المتجر - البيت - الحديقة - الصحراء - السجن - المطعم - الشارع - الحلبة - البحر - الأوبرا - عيادة الطبيب – المطافي - الفرن - المزرعة – السوق - البار - الاستوديو - السيرك - ملعب الجولف - الحرب - الفندق). كما أن شابلن كان يكتب مقالات في الصحافة تشرح طرائقه في تحقيق الأفلام منذ بداية عام 1915.
اتسمت أعمال شابلن السينمائية في بداية مشواره بالبساطة والبراءة واعتمدت على المواقف المضحكة مستخدما أسلوب كيستون في توظيف الجسد لغايات كوميدية إضافة إلى الإيماءات المبالغ فيها، حيث إنها ملائمة لمشاهد الرومانسية. لكن أغلب الأعمال كانت تنحصر في الحب والتنافس والقتال والمطاردة، حيث كانت الخط الدرامي الأساسي الذي صارت عليه النسبة الأكبر من الهزليات في كيستون.
 




الزعيم غاندى يلتقي شابلن على هامش  مؤتمر المائدة المستديرة الذي عقد في  لندن عام 1931

ويؤكد الكاتب على أنه عندما انتقل «شابلن» من الأفلام الصامتة الهزلية إلى الواقعية المباشرة، لم يكن هذا الانتقال شكليا، بل حملت أعماله نقدا مباشرا للرأسمالية والبرجوازية الاجتماعية، وكشف عن عيوب رآها البعض إنجازات ضخمة للبشرية، كما وقف ضد الفاشية النازية وتهكم عليها، وعادى المكارثية الأميركية، وقدم رؤى خالفت النظرية الشيوعية التي اتهم أنه تبنى أفكارها ومعتقداتها.

 




شابلن (يمين) يتلقى جائزة الأوسكار الفخرية من جاك ليمون في عام 1972. وكانت المرة الأولى التي يزور فيها  الولايات المتحدة بعد انقطاع عن زيارتها دا


ويخصص الكتاب فصلا منفصلا عن آراء النقاد بصفته واحدا من أهم خمس شخصيات في السينما العالمية بحسب تصنيف رابطة الكتاب والنقاد الأميركية، حيث يؤكد الكاتب أنه من الصعب أن نجد ناقدا سينمائيا أو متخصصا في شؤون السينما بالشرق أو الغرب لم يتعرض لأعمال شارلي شابلن وإلقاء الضوء عليها، حتى إن الأمر لم يتوقف عند هذه الفئة بل شمل الكثير من الكتاب السياسيين والباحثين في مختلف مجالات العلوم الإنسانية، من أمثال جان بول سارتر، برناردشو، فيلليني، جيري استاين، فرنسوا تروفو، روجر ايبرت، ريتشارد أتينبور، روجيه فردينان، رولان بات، صلاح حافظ، كميل داغر، دكتور رمسيس عوض، محمود السعدني، خليل عبد النور، إبراهيم العريس، سمير فريد، ضياء حسني،، وليد خليل يوسف،، بلال فضل، مجدي كامل، وآخرين من الشرق والغرب.
 
 




زوجته تشابلن الرابعة أونا أونيل، الذي تزوجها من 1943 وحتى وفاته. وأنجبت له ثمانية أطفال

المرأة في حياة شابلن
وعن دور المرأة في حياة شابلن يسرد الكتاب قائمة بالنساء الأشهر في حياته بدءا من الأم «هانا» وحتى آخر زوجاته «اونا» ويحلل العلاقة الشائكة حيث شكلت المرأة محطات رئيسية في حياته.. وصاحبته في رحلته الطويلة منذ الطفولة حتى وفاته.. تضافرت حكاياتهن مع حكايته خلال مشواره الفني، وأنهما التصقا وصارا لا يمكن الفصل بينهما، ليصبح التأريخ لفنه مرتبطا بأحداث كانت للمرأة مشاهد مؤثرة بها، بل حركت الأحداث في كثير منها، مثلت القوة والضعف، النجاح والفشل، الدعم والإحباط، وأحيانا النور بكل بهائه والعتمة بوحشتها.

 




شابلن مع زوجته أونا وستة من أطفالهم في عام 1961

ويصف الكتاب المرأة في حياة شابلن قائلا: «ظلت معضلته الرئيسية التي لم ينجح في فك طلاسمها، إلا بعد مرور نصف قرن من الزمان، وجاء الاستقرار في شكله الطبيعي بعد أن تقاعد عن العمل، فلم يرض الفن بالتعايش مع المرأة، ولم ترض المرأة بالتعايش مع الفن، كان لزاما أن ينسحب أحداهما ليفسح مكانا للآخر، ربما يكون «شابلن» عجز عن فهم النساء ولم يدرك أولوياتهن العاطفية والإنسانية، وأولى عنايته بفنه أكثر من عنايته يهم وربما يكون أكثر الرجال فهما لطبيعتهن وإدراكا لمواقيت الخريف والربيع ومواسم الحصاد، قد تكون الغيرة تملكتهن من نجاحه، أو أن الرجل عشق الترحال على صدورهن ولم يعشق الإقامة الجبرية، على أي الأحوال هناك حقيقة لا يمكن إغفالها أن توتر علاقته بالمرأة صاحبة نجاح فني مذهل، وأن نجاحه كان بالضرورة يجلب عليه الفاتنات الساحرات.

 




ليتا غراي الزوجة الثانية لشارلي شابلن

وأكد الكتاب على استفادة «شابلن» من وجودهن، ونهلهن من شهرته، لكنهن لم ينجحن في السير فوق جثته، ففي الوقت المناسب كان يعلن بجرأة انتهاء شهر العسل ويعاود العمل مرة أخرى، ثم يبحث عن أخرى تلهمه وتشحذ عزيمته، هكذا ظلت المرأة حاجته الملحة لمواصلة الحياة، رغم أنهن جميعا أعلن العصيان عليه، وكان هو أقوى من أن ينهار أو تتصدع رغبته المحمومة، ثابر في تحد لمواصلة الطريق حتى وجد ضالته أخيرا بعد ثلاث زيجات فاشلة وعلاقات عابرة ظللتها المتعة والفضول في اكتشاف أسرار بدت إعجازية حتى آلف الأمر. اعتاد شابلن أن يقتطف الثمار الناضجة من فوق شجرة الرغبة، دون أن يعر انتباهه لتلك الساقطات على الأرض، أو التي امتدت إليها أيادي الآخرين، وإن حاول في بعض المرات العبث معهن للاكتشاف أو إرضاءً لرغبات نازعته.
وفي الختام ينهي الكتاب بالمشهد الأخير من حياته.. «فجأة اختفى الضحك، أو خفت صوته لدرجة جعلت منه نحيبا خفيضا، لكنه على أي حال لم ينقطع، مات شابلن وعلى الوجوه ابتسامة من الماضي، ففي ليلة 25 ديسمبر (كانون الأول) 1977، عشية الاحتفال بأعياد الميلاد، وقبل أن تدق الأجراس.. أعلن في حي كورسييه سير فيفي وفي العالم أجمع أن قلب شارلي شابلن توقف ليستريح الرجل الأسطورة ويترك فراغا ما زال صداه، لكن التلاميذ النبلاء يحاولون منذ لحظة الرحيل وحتى الآن تعويض الغياب.
 
 
 
 


اشترك في النقاش